-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

موت الشيطان!!

التهامي مجوري
  • 171
  • 0
موت الشيطان!!

أعلن المفكر العربي عبد الوهاب المسيري، صاحب تفكيك الصهيونية والعلمانية الشاملة عن موت الشيطان في قوله “إذا قال نيتشة موت الإله أنا أقول موت الشيطان بسبب اختلاط الخير بالشر.. بقاء الشيطان هو الطبيعي…”.

وكلا التعبيرين ذكرا على المجاز وليس على الحقيقة؛ لأن الله حي لا يموت والشيطان أيضا باق إلى قيام الساعة بقرار إلهي (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر 36 – 39].

والمراد من كلام نيتشة وهو التعبير الذي تبنته الحداثة بجميع مدارسها، عن أن الإنسان بتقدمه وقدراته العالية في التحكم بآليات الوجود، يمكنه الاستغناء عن الله. فألغت المدارس الحداثية على العموم الفعل الإلهي من الوجود، سواء باستبعاده من مواطن التأثير أصلا بعدما خلق الخلق، أي أنه خلق الخلق وتركه يسير وفق ميكانزمات آلية، أي أن الكون يسير ميكانيكيا وفق القوانين الناظمة له، ولا دخل لله فيها، أو بنفي الوجود الإلهي أصلا بفعل الإلحاد، وعدم تأثيره على حركة الوجود من باب أولى.

أما المراد من كلام المسيري بقوله بموت الشيطان، فكان تعبيرا عن كثرة وانتشار الشر وأهله، والتقارب المسافات بينه وبين الخير، بحيث من الصعوبة بمكان التفريق بينهما، وذلك بسبب الانحرافات الأخلاقية المفرطة التي تجاوزت كل حد، بحيث لم يعد الإنسان في حاجة إلى شيطان يغويه ليعصي ويعتدي ويظلم؛ لأن جميع الممهدات التي تسببت فيها القيم الغالبة اليوم، قد ضيقت مساحات الفعل الخيري ولم تترك مجالا لفاعل الخير بأن يفعل الخير…

لا شك أن هذا الكلام مستغرب في ظل هذه التطورات التكنولوجية والقدرات العالية التي يتمتع بها الإنسان في تحقيق الرفاه؛ لأن غلبة الطروحات الحداثية التي لم تسمح بالبقاء لكل ما توارثته الإنسانية من أقيم قديمة؛ لأن الحداثة تؤكد على ضرورة القطيعة مع القديم وإلا فلا تقدم…، ومن ثم يصعب على الإنسان رؤية الأفضل والأنفع والأصلح، في حين لو ترك مجالا للمقارنة بين ما عرفته الإنسانية من قيم في تاريخها الطويل قبل قرنين من الزمان -أي قبل الثورة الأوروبية- وبين ما نعرف الآن من قيم حاكمة لنا ومستبدة بنا أيضا.

ومن آيات الضلال والتضليل، التعامل السلبي مع المرحلة التاريخية التي تسمى “العصور الوسطى”، على اعتبار أنها كانت ظلاما وتخلفا وفقرا وأمراضا مسلطة على المنطقة الأوروبية وذلك حق، ولكن العالم يومها لم يكن فيه أوروبا وحدها وإنما هناك شعوب أخرى لم تكن على نفس الحال، فالحضارة الإسلامية مثلا كانت يومها تقود العالم إلى الرشد وإلى الهداية الربانية التي جاء بها الأنبياء والرسل عموما واكتملت على يد سيدنا محمد صلى الله عليهم جميعا وسلم.

فالعصور الوسطى كانت ظلاما على الغرب حقيقة، ويتفهم موقفهم من استهجان تلك المرحلة بالنسبة إليهم، ولكن غيرهم ممن لم يكونوا في حالهم وعلى ذلك القدر من التخلف والغبن الحضاري، غير معنيين بالموضوع وخاصة المسلمون الذين كانوا في سياق تعميم رسالة الإسلام الحضارية للناس كافة وليست للعرب والمسلمين فحسب، وكما قال علامة الجزائر عبد الحميد ابن باديس “الإسلام هو دين الله الذي أرسل به جميع رسله… وهو دين البشرية الذي لا تسعد إلا به”، ولم تفقد الأمة هذه الروح إلى اليوم، وحتى بعدما فقدت مؤسساتها العلمية والسياسية المعبرة عن هذه الروح لم يبلغ مستوى ما كان عليه الغرب أيام العصور الوسطة، ورغم التخلف الذي عبر عنه بن نبي بعصر ما بعد الموحدين، فإن الأمة الإسلامية لم تفقد جوهر القيم الإنسانية بفضل مبادئ التوحيد الراسخة في قلوب المؤمنين.

لا شك ان التخلف تخلف على كل حال، واستهجانه مطلوب تعلق الأمر بالغرب أو بغيره، ومواجهته واجبة وضرورية، وذلك واحد من جواهر قيم التوحيد الراسخة في ثقافة الأمة (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران 104]، ولكن المرفوض هو الربط بين وصف مرحلة تاريخية مزدهرة في أمة، بالسوء والظلامية لكونها كانت وبالا على أمة أخرى!!

وذكرنا لهذه التفاصيل إنما للتفريق بين أمتين في مرحلة تاريخية معينة، إحداهما كانت في الحضيض والأخرى كانت في القمة، والأمة التي كانت يومها في الحضيض، هي التي تحكم العالم بعلمها وبقيمها وبقوتها، منطلقة من أسس معرفية جديدة على العالم، بحيث لم يعرف العالم الكثير من القيم التي تدير مؤسسات العالم والشعوب والدول اليوم، وحتى لا يضيع رأس الخيط من بين أيدينا، لا أتوغل في الكثير من التفاصيل التي تورطت فيها الحداثة وورطت الإنسانية معها فيها.

أولا: الحداثة تؤمن بالقطيعة مع الماضي، باعتباره منتهي الصلاحية، بقرار من الانتخاب الطبيعي؛ لأن الطبيعة تنتخب الأصلح والأقوى والأقدر على مصارعة الحياة من اجل البقاء… وما دام الإنسان قد اكتشف هذا القانون الطبيعي، فلِمَ لا يقرر استبعاد القديم قبل أن تقرر الطبيعة ولو بتسريع وتيرة الفعل الطبيعي… فإذا كانت الطبيعة تقرر مثلا أن زيادة السكان ستهدد البشر في قوتهم، فلا بأس من التحكم في النسل أو إشعال الحروب بين الحين والآخر لحصد الزيادات التي يمكن الاستغناء عنها، وقد لجأت الحداثة بالفعل إلى ذلك عندما حضرت أفران الغاز للتخلص من ذوي العاهات والعجزة والبطالين وأصحاب الأمراض المزمنة، فاستغلها هيتلر في التخلص من اليهود في الحرب العالمية الثانية.

فبسبب هذه القطيعة تخلص العالم اليوم من الكثير من فضائل الماضي بحجة أنه قديم ينبغي الاستغناء عنه… مثل الدين، الأخلاقي بمعناها الأصيل، وتفكيك الأسرة، بحيث أصبح المواطن إبنا للدولة أكثر منه أبن والديه، وقد ترتب عن ذلك الكثير من المفاسد والمآسي. في حين أن الخبرة التاريخية ترفض هذه الحدية؛ لأن التاريخ الذي عاشه الإنسان هو السياق الذي تتم فيه التجارب والمشاهدات، فيبقى الصالح ويذهب الطالح (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) [الرعد 17]، والعجيب الذي لم تتجاوزه الحداثة، أنها تسمي المرحلة التي نعيش فيها مرحلة “ما بعد الحداثة”، بالرغم من أنها لم يتغير فيها شيء، في الأصول الفكرية التي تسير عليها، ولم تستطع معالجة أي سلبية لاحظتها عن المراحل السابقة.

ثانيا: تبني الصراع كقيمة ثقافية فكرية في الوجود، انطلاقا من أن الإنسان في تفاعله مع الطبيعة هو في صراع معها وفي سباق مستمر معها، وما يحققه من انتصارات وكشوفات علمية في جوهرها، انتصار عن الطبيعة وإخضاع لها ولقوانينها لتكون تحت سلطة الإنسان… وترتب عن هذا المبدأ أن الحياة صراع، صراع طبقي، صراع القوي والضعيف، صراع الأجيال، صراع الأنوثة والذكورة، صراع السلطة والمعارضة…إلخ، وفي ظل هذا البند العام، استبيحت البلدان والشعوب…، فالميثاق الاستعماري كان في هذا السياق وكذلك “وتشوكير” [التجبر] الأمريكي والوجود الصهيوني في فلسطين في هذا السياق أيضا… والفكر الغربي بجميع مدارسه هذه منطلقاته ومراميه ومدخلاته ومخرجاته.

ثالثا: وهنا تبرز فكرة “موت الشيطان” بأجلى صورها، وهي أن الفقر وانتشار الأمراض والجهل في طول التاريخ وعرضه، قبل القرنين الماضيين، كل ذلك كان من فعل الطبيعة، بسبب ما يحدث من كوارث طبيعية، وبعض التجاوزات والمظالم التي يرتكبها الإنسان هنا وهناك وبسبب الأخطاء التي ارتكبت عن غير عمد، فيتسبب كل ذلك في آفات اجتماعية، أما اليوم فكل ذلك يحصل بفعل الإنسان مع سبق الإصرار والترصد، وكما قال فوكو إن التقدم الذي تحقق هو الذي اخترع السجن؛ لأن الشركات العملاقة التي يتحكم فيها “أرباب العالم”، تريد من كل العالم أن يكون كتل بشرية مستهلكة لا منتجو، وإذا “أصاب” بعض هذه الشعوب شيء من الرشد فأرادوا به الاستقلال والتمرد عن هذا العالم الظالم، فإن آلة الإجبار تتحرك لتبقي عليها مستعبدة في ظل ما يرسم لها، وفي هذا السياق يتحرك العالم بمدارسه الفكرية، ليبقى المنتج منتجا والمستهلك مستهلكا، وإذا أشبع هذا المستهلك بما هو موجود من منتجات، فإن الآلة تتحرك أيضا في اتجاه صناعة مستهلكين جدد فيما يعرف بصنع الحاجة وتكثيف الطالبين في الأسواق.

ولعل من أبرز الصور المعبرة عن الحداثة ومنتجاتها ما أثاره الإعلام قبل أشهر قليلة حول جزيرة جيفري أبستين، التي ذُكِرَتْ فيها جميع الموبقات التي يعجز الشيطان عن فعلها، وقد شملت جميع أنواع البشر، سياسيين وإعلاميين ورجال أعمال وفنانين؛ بل ورجال سلطة أيضا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!