الوزير المفخرة
ذكر السفير محمد بورغام في مذكراته التي عنوانها “مذكرات السفير بورغام”، أنّ الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي زار القاهرة في 1966، وألقى محاضرة في جامعة القاهرة حضرها أساتذة الجامعة وطلابها، وقد أعجبوا بالمحاضرة مبنى ومعنى، كما أعجبوا بالمُحاضِر من حيث طلاقة لسانه ونصاعة بيانه، حتى أنّ أحدهم قال: “هذا الوزيرُ مفخرة”. (ص113). ومن قُدّر له أن يعرف الدكتور أحمد طالب ويخالطه يعلم أنّ هذا الوصف لا مغالاة فيه.
ميزةُ الدكتور أحمد طالب، رغم أنه طبيب، إلا أنه آخذ من كلّ علم بطرف، فهو مطّلع على الأدبين العربي والفرنسي، شعرا ونثرا، وهو يتحدّث في التاريخ بنزعة خلدونية، ويتكلّم في الحضارات بروح توينبيّة، ويتحدث في الإسلام بعقلية شاطبية، ويتكلم في السياسة كأبرز منظّريها، وهو “وطنيّ سياسي، وليس سياسيا وطنيا”، لأنّ الوطني السياسي لا يساوم في وطنيته، في حين أنّ السياسي الوطني يمكن أن يخون وطنه ويركن إلى أعدائه.
ولا أعرف من الوزراء من هذا النوع المثقف إلا شخصا أو اثنين، فهو “طبيب، وأديب، وكاتب، ومفكّر، وهو مجاهد، وهو رجل سياسة أيضا، وهو رجل متكامل”. (سفير الجزائر في تونس: الكتاب التكريمي للحكيم أحمد طالب الإبراهيمي. ص:222).
هذه القامة والقيمة الجهادية والعلمية والسياسية هي التي لفتت نظر القائمين على إحدى أهمّ المؤسسات العلمية في المغرب العربي المعاصِر، وهي “مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات” التي يرأسها الأستاذ المتميّز عبد الجليل التميمي، أحد أشهر مؤرّخينا الذي يواجه بوسائل بسيطة المدارس التاريخية الغربية المتجنّية على تاريخنا، ولهذه المؤسسة مجلَة أكاديمية راقية، وطبعا فنحنُ محرومون منها في الجزائر لأنّ الثقافة الجادّة هي آخر اهتماماتنا.
أقامت هذه المؤسسة الأكاديمية التونسية من عام ونيّف ندوة فكرية في تونس عن هذا الوزير المفخرة، تدخَّل فيها ثلّة من الأساتذة والباحثين الجزائريين والتونسيين، يتقدّمهم جميعا سعادة سفير الجزائر في تونس، أحد الطلبة الذين درّسهم الدكتور طالب مادّة الحضارة الإسلامية في المدرسة الوطنية للإدارة، التي تُمِدّ الدولة بإطارات في كثير من المجالات، كما حضر هذه الندوة سعادةُ القنصل العام الجزائري في تونس الأستاذ نصر الدين لعرابة.
لم تكتفِ مؤسسة الأستاذ التميمي بهذه الندوة التي أفرحت الدكتور أحمد طالب، لأنّها مؤسسة علمية تتحرّى في أعمالها الصّدق، وتنأى عن السياسة التي هي “بنت الكذب والخيانة” لمن يرى السياسة بمنظار ميكيافيلي وفلسفته التي بسّطها في كتابه “الأمير”، أقول لم تكتفِ المؤسسة بتلك الندوة، ولكن عزّزتها بإصدار كتاب عنوانه: “كتاب تكريمي للحكيم أحمد طالب الإبراهيمي”، وقد استكتبت ثلّة من الأساتذة الباحثين ومعارف الدكتور ليكتبوا عنه في مختلف المجالات التي عمل فيها، وعن مذكراته القيّمة ذات الأجزاء الأربعة، التي هي شهادة على ما روى وما رأى وما قدّمت يداه.
أشكر الدكتور التميمي على ما قام به، وأدعو له بالصحّة والعافية، ولمؤسسته بالازدهار والانتشار، كما أدعو المسئولين في الجزائر إلى إطلاق اسم الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي على مؤسسة علمية عليا، ويكفيه فخرا أنّه أهدى مكتبته إلى المكتبة الوطنية، كما أدعو أساتذة كلية العلوم السياسية إلى أن يوجّهوا طلابهم إلى إعداد بحوث ورسائل جامعية عن هذا “الوزير المفخرة” الذي انتقل من الفانية إلى الباقية في 5/10/2025.