الرأي

موت اللغة الفرنسية بين حملات الإسفاف وواجب الإنصاف

محمد بوالروايح
  • 113
  • 0

كنتُ في نظر بعض المولعين باللغة الفرنسية، أكثر المتشائمين بمستقبل اللغة الفرنسية حينما قلتُ في آخر مقال لي منشور بموقع “الشروق أون لاين” بتاريخ 14/08/2026، تحت عنوان: “الجزائر: إسلامية الروح نوفمبرية التوجه مالكية المذهب”: إن الفرنسية قد ماتت من زمان”. لم يكن هذا القول اعتباطيا أو نكاية بالفرنسية وبأتباعها، ولم يكن بدافع إثارة النعرات اللغوية، بل كان نتيجة لما وقفت عليه من قراءتي لما كُتب حول مستقبل اللغة الفرنسية وعن تراجعها اللافت للنظر الذي لم يعد يخفى على الضالعين بالشؤون اللغوية.

على العكس مني تماما، كان الوزير الأسبق السيد عمار تو أكثر تفاؤلا بمصير اللغة الفرنسية، إذ توقَّع اندثارها في أجل قريب نسبيا؛ بين مائة ومائة وخمسين سنة على أقصى تقدير. هذا العمر الافتراضي للفرنسية هو مجرد توقع، فقد تكون هذه اللغة في اعتقادي وفي اعتقاد كثيرين قد استوفت أجلها وتنتظر ساعة الاحتضار وذلك بعد أن فقدت مكانتها بين كثير من اللغات، ولم تعد قادرة على مواكبة موجة الاختراعات التي هيمنت عليها اللغة الإنجليزية.
إن صراع اللغات قد أصبح أكثر احتداما اليوم ومن نتائج هذه الصراع –كما قال- السيد عمار تو اندثار كثير من اللغات من بينها الفرنسية وبقاء خمس منها فقط من بينها اللغة العربية.
ووقف بعض الباحثين موقفا وسطا عند حديثهم عن مستقبل اللغة الفرنسية، فتوقع بعضهم أنها ستصبح لغة ميتة في أجل لا يزيد عن ثلاثين سنة، ولم تشأ الكاتبة الجزائرية الكبيرة الراحلة آسيا جبار نعيَ الفرنسية واكتفت بأنها في طريق الزوال. لكن مهما تكن الاختلافات بين ما قلته وما قاله السيد عمار تو وما قاله بعض الباحثين وما كتبته آسيا جبار، فإن هناك قدرا من الاتفا ، وهو أن اللغة الفرنسية قد فقدت كثيرا من حضورها على المشهد اللغوي والثقافي وأنها ستشيَّع إلى مثواها الأخير في أجل ليس ببعيد.

موت اللغة الفرنسية علميّا:
من الجهل الاعتقاد بأن موت اللغة الفرنسية يعني تواريها عن المشهد العامّ، فهذا هراءٌ لا يقول به أحد، اللغة الفرنسية لا تزال متجذرة في كثير من المستعمرات الفرنسية السابقة، كما يزداد عدد الناطقين بها رغم المواقف التي اتخذتها بعض الدول الإفريقية مثل مالي وبوركينافاسو والنيجر بالانسحاب من منظمة الفرنكوفونية وإقرار السنغال اللغة العربية لغة رسمية. كل هذا يؤثر –لا محالة- في تموقع اللغة الفرنسية ولكن لا يُفقِدها مكانتها وحضورها في المشهد العامّ ولا يغير من واقع أنها بالنسبة لكثيرين الحبيبُ الأول الذي يعزُّ هجرانه حتى في أحرج المواقف.

 هذا العنوان “التأنْجُل” مقتبسٌ من موقع: “OrthograohiQ”، وهو يشير إلى الخطر المفرداتي الذي يهدد اللغة الفرنسية، وهو تزايد تأثر هذه الأخيرة باللغة الإنجليزية على مستوى المفردات المستخدَمة في المحادثات والمراسلات والكتابات، وهو ما يؤدي –حسب ما جاء في الموقع– إلى فقدان اللغة الفرنسية بطريقة تدريجية لكثير من مفرداتها، ورغم أنه لا خوف على اللغة الفرنسية من هذه الظاهرة إلا أن اتساعها وعدم اتخاذ إجراءات لوقفها سيؤدي إلى النتيجة الحتمية التي لا مناص منها وهي موت اللغة الفرنسية.

إن كثيرا من الإحصاءات والتقديرات تشير إلى أن الفرنسية تكتسب مواقع جديدة بالقدر الذي تفتقده وربما أكثر، ومن ثمّ فإن الزعم بتواريها عن المشهد العامّ قولٌ واهٍ لا يستند إلى معطيات.
لا تزال الفرنسية مهيمنة على الإدارة في كثير من الدول الإفريقية، ولا يزال كثيرٌ من الأفارقة يستخدمونها في خطاباتهم ولقاءاتهم وملتقياتهم كشكل من أشكال إظهار التمدُّن والتحضُّر. ولا تزال الصحافة الناطقة بالفرنسية تحتل مكانة معتبرة بين الصحافة الناطقة باللغات الأخرى، وليس من السهل محو آثار الفرنسية التي هي لغة كثير من الأرشيف التاريخي الذي يتعذَّر ترجمته في سنوات معدودات.

موت الفرنسية لا يعني عدم قيامها من جديد:
هناك جهودٌ تبذل من قِبل بعض الباحثين الفرنسيين من أجل نفخ الروح في اللغة الفرنسية وإعادة بعثها من جديد، ومن ذلك دراسة الأسباب التي جعلتها تتقهقر أمام اللغة الإنجليزية، وبمعرفة هذه الأسباب، ستوضع خارطة طريق يجري بموجبها تقليص الفجوة بينها وبين اللغة الإنجليزية، وهو ما يتيح لها العودة التدريجية إلى المشهد العلمي.
وحسب تحليلات بعض المتابعين فإن المؤسسات الأكاديمية والبحثية في العالم الناطق بالفرنسية تبذل جهودا حثيثة من أجل تقليص الهوة الكبيرة بين اللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية، هذه الأخيرة التي تستحوذ على أكثر من 75% إلى 90% من منشورات البحث العلمي العالمي، وتقوم إستراتيجية هذه المؤسسات الأكاديمية على ثلاث خطوات وهي: تعزيز النشر المزدوج، ودعم سياسات العلوم المفتوحة بالذكاء الاصطناعي للترجمة الفورية، وتحديث برامج التعليم العالي لتأهيل الباحثين للتعامل مع المراجع الأنجلو سكسونية.

لماذا لايهتم باحثونا بإحياء العربية؟
ماذا سنجنيه نحن الجزائريين من المبالغة في الحديث عن موت اللغة الفرنسية إذا كنا لا نعمل قليلا ولا كثيرا لإحياء لغتنا العربية التي أصابها الغبن وألصِق بها العقم وهي ليست بعقيمة بسبب زهد أهلها فيها وانبهارهم بغيرها رغم أنها بشهادة المحققين هي أصل اللغات؟ ويحضرني في هذا المقام كتابٌ قيِّم للباحثة تحية عبد العزيز إسماعيل، وهي باحثة متخصصة في علم اللغويات، وقد تعمدتُ قراءته باللغة الأصلية التي كُتب بها وهي اللغة الإنجليزية لتجنُّب الأخطاء التي تقع فيها بعض الترجمات، والكتاب بعنوان: classicArabic as the Ancestor of Indo-European languages and origin of speech “، وترجمته إلى اللغة العربية: “العربية الكلاسيكية كأصل للغات الهندوأوروبية وأصل الكلام”. وخلاصة هذا الكتاب حتى لا أشقّ على القراء هي أن اللغة العربية هي أصل اللغات وأنها هي المنبع وأن جميع اللغات قنوات وروافد لها. قد يثير هذا الكلام حفيظة بعض أشباه اللغويين، الذين ينفون هذه الحقيقة نفيا قاطعا ويقبلون على مضض وبكثير من التحفظ القول القائل بحالة التأثير والتأثر بين اللغات كما بين الحضارات، لكن الإثباتات اللغوية التي ساقتها صاحبة الكتاب تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن كل اللغات مدينة للغة العربية، ويكفي دليلا على ذلك أن كثيرا من مفردات هذه اللغات مشتقة من اللغة العربية وبدرجات متفاوتة.
ويقطع الدكتور إبراهيم الشربيني وهو الباحث المتخصص في علم حديث لا يعرفه كثيرون وهو علم اللغة الكوني الذي يهتم بدراسة لغات العالم وجذورها التاريخية، الشك باليقين بكون اللغة العربية أصل اللغات، فهي كما قال اللغة الأم واللغة الأولى التي تحدَّث بها الإنسان، وهي اللغة المتجددة التي لا تفنى ولا تبلى ولا تموت رغم ما يصيبها. وأضاف الشربيني أن هناك أقساما للغة العربية في بريطانيا، قد غيرت اسمها وأصبحت تسمى “أقسام اللغة الأم”. ويذكر الشربيني بحقيقة مدوية مزلزلة وهي أن في العالم اليوم 600 لغة من أصل 1000 لغة، مات منها 400 لغة وأن هناك 50 لغة تموت أسبوعيا وفي فترة وجيزة لن تبقى إلا ثلاث لغات فقط بل لغة واحدة هي العربية.

“التأنْجُل”: هل هو نهاية اللغة الفرنسية؟
هذا العنوان مقتبس من موقع: “OrthograohiQ”، وهو يشير إلى الخطر المفرداتي الذي يهدد اللغة الفرنسية، وهو تزايد تأثر هذه الأخيرة باللغة الإنجليزية على مستوى المفردات المستخدَمة في المحادثات والمراسلات والكتابات، وهو ما يؤدي –حسب ما جاء في الموقع– إلى فقدان اللغة الفرنسية بطريقة تدريجية لكثير من مفرداتها، ورغم أنه لا خوف على اللغة الفرنسية من هذه الظاهرة إلا أن اتساعها وعدم اتخاذ إجراءات لوقفها سيؤدي إلى النتيجة الحتمية التي لا مناص منها وهي موت اللغة الفرنسية. إننا نلمح بالفعل ما يمكن تسميته أنْجَلة للمفردات الفرنسية، وقد يعود هذا في تقديرنا إلى هيمنة اللغة الإنجليزية على المجالات الثقافية والإعلامية وزيادة تعاطي الفرنسيين والناطقين بالفرنسية مع الكلمات الإنجليزية.
وحسب ما جاء في الموقع ذاته، فإن تأثر اللغة الفرنسية باللغة الإنجليزية قد بلغ مستويات تدعو إلى القلق من اتساع دائرتها للأسباب التي ذكرتها، وقد أورد الموقع أمثلة عن بعض الكلمات الإنجليزية التي أصبحت أكثر استخداما في المحادثة اليومية لدى الفرنسيين والناطقين بالفرنسية ومنها كلمةcasting , live , Scoop Thriller , Sponsor وغيرها.

مقالات ذات صلة