الرأي

موسم “الديموعرابية”……

الشروق أونلاين
  • 1455
  • 10

يعود الحديث عن الممارسة الديمقراطية بمفهومها التقليدي كنظام للحكم انتهجته المجتمعات الإنسانية والغربية على وجه الخصوص، إلى معناه اليوناني”ديموس كراطوس”، أو حكم الشعب، والذي عبّر عنه الرئيس الأمريكي الأسبق “إبراهام لنكولن” بقوله إن الديمقراطية هي حكم الشعب بواسطة الشعب ولصالح الشعب، لكن هذا المفهوم تطور غربياً من خلال توسيع معنى الحكم إلى معنى المشاركة في اتخاذ القرار، وتوسيع معنى الشعب إلى معنى المواطنين من خلال تحديد الحقوق والواجبات لدى هذا الطرف المهم في المعادلة الديمقراطية.

أما “الديموعرابية”، فهي أرقى أوجه الممارسة القبلية في شكلها “الديمقراطي”، بحيث ينوب عن حكم الشعب، أو “ديموس كراطوس”، حكم الفئة أو الزمرة أو العائلة أو حتى الحزب الواحد، وهذه الفئة تجتهد في تقديم أرقى صور الممارسة الديمقراطية من تنظيم انتخابات، وإعداد القوانين الصارمة، وإشراك أفراد الفئة الواحدة أو الزمرة أو العائلة أو الحزب في اتخاذ القرار…، بشكل يجسد التعددية التي نراها في الأنظمة الديمقراطية العريقة، لكن مع استثناء بسيط؛ أنه في الحالة العربية تكون التعددية داخل الرأي الواحد، أو الحزب الواحد…وهو أمر حسب القائمين عليها لايفسد للدَمَقرُطِ قضية. 

فبعد أن وضعت الإنتخابات الرئاسية الجزائرية أوزارها مسدلةً الستار على نمط دموعرابي بصبغة جزائرية فريدة من نوعها، بعدما شهدت منافسة شديدة بين مرشحا النظام المحسوبان على ذات النظام، تضرب لنا “الديمعرابية” في منطقتنا موعدا جديدا مع الانتخابات “المصيرية” المزمع عقدها في كل من سوريا، ومصر، والعراق، وموريتانيا في الشهرين المقبلين…وهي فرصة جديدة لنثبت للعالم بأسره أننا(والنون تعود على مجتمعاتنا بما تحويه من نخب وسلطة) لسنا أقل ديموقراطيةً من الولايات المتحدة أو أستراليا أو بريطانيا ..في طريقة اختيارنا لحكامنا، فلا يمكن أبدا أن نسمح -نحن الشعوب العربية المغلوبة على أمرها _ بأن يصل شخص ما أياً كان إلى السلطة دون الآلية الانتخابية، التي على أساسها نبرز قوة “ديمُعراَبِيتنا” وعراقتها، فنقدم هذه الانتخابات وفق عقلية أنظمتنا العسكرية على شكل يكون أقرب إلى الاستعراض العسكري، الذي تجريـــه عادة الأنظمة العربية لتخيف شعوبها، فبشار الأسد بعد أن أفحل في استعراضه العسكري قرابة الثلاث سنوات مستخدما كل أنواع القوة المميتة من أسلحة كيماوية، وبراميل متفجرة، وقنابل عمياء تلقى من الطائرات الروسية بصفة عشوائية …إلى سياسة التجويع والمساومة على حب الأسد أو أن يحرق البلد…. جاء دور الاستعراض الثاني في هذه الديمعرابية السورية، من خلال  الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في سوريا، أو بالأحرى في ما تبقى من سوريا أواخر جوان حزيران المقبل، وهي بالتأكيد ستكون ضربة قاسمة للديمقراطية الغربية التي تحاول التدخل في شؤوننا الداخلية من خلال الأيادي الأجنبية أو عملائها الذين ينشطون في أوطاننا العربية، والذين بالتأكيد يحاولون أن يفسدوا علينا عيشنا الرغيد في عسل ديمعرابيتنا الحرة والعريقة.

نفس المنطق يطبق على الشقيقة مصر، فبعد أن عبثت بهم ديمقراطية الغرب المتآمرة على وحدة الأوطان، بعد أن جلبت إلى الحكم رئيسا إخوانياً متخابرا مع إسرائيل مشتت لمصريين، متعاون مع الإرهابيين، جاءت بطلتنا المنقذة دوما لأوطاننا ..ديمعرابيتنا الحبيبة، ومرة أخرى أثبتت مصر لأمريكا وعملائها أن المنافسة بين “المشير” السيسي والمشار إليه “حمدين صباحي”، هي نموذج للتعددية الحقيقية التي يجب أن تقوم عليها أي ممارسة ديمعرابية في العالم، فلا يمكن الوصول إلى الحكم في مصر أو غيرها من الأقطار العربية عبر الدبابة كما يدعي الغرب وعملائهم الذين يعيشون بين ظهرانينا، إذ زمن الإنقلابات العسكرية قد ولى وأتى زمن الانتخابات “السفسافة” وحلفاء الأمس من جبهة الإنقاذ والعسكر، هم اليوم فرسا السباق، لكن أي سباق؟ انتخابات تجرى بعقلية ستينات القرن الماضي، فكلاهما يقدَمان على أنهما عبد الناصر القرن الحالي، أم أن الديمعرابية المصرية ستقدم لنا نموذجا من التعددية يعود بنا إلى أزمنة غابرة يُؤَلَهُ فيها الفرعون ويقدس فيها هامان…لكن على العموم ستنطق أبواق الإعلام المصري والعربي في النهاية معلنةً أن الديمعرابية العربية دكت حصون ديمقراطية الغرب المتآمر على أحلامنا وأوطاننا..فما أضعفك أيتها الديمقراطية……… من الديمعرابية.

مقالات ذات صلة