مَن يُثَبِّط عزائمَنا؟
هناك مُنتجون حقيقيون في بلادنا، وهناك عمَّالٌ جادُّون بحق، وهناك مَن يعمل ويكدّ بعرق جبينه طوال اليوم لكي يكسب قوته الحلال، لعل عددا كبيرا من قراء هذه الكلمات يعرفون عددا منهم أو هم من بينهم بامتياز، إلا أننا جميعا نتفق أنهم آخر من يحصلون على نتائج جدِّهم وكدِّهم وآخر من يستفيد من سلسلة الانتاج التي يساهمون فيها سواء كان مادِّيا كالسِّلع والخدمات أو غير مادِّي له علاقة بتكوين الانسان أو الحفاظ على صحَّته العقلية والنفسية والبدنية.
المستفيدون الأوائل مِن عمل العاملين وجِدِّ المُجدِّين هم أولئك الذين يضعون أنفسهم أو يتمّ وضعهم في مواقع غالبا ما تكون طفيلية أو مُصطَنعة لكي يقوموا بعملية سطو حقيقية على كل ما يُمكن أن يكون محفِّزا للعامل أو مُشجِّعا له على الاستمرار في الجدِّ والاجتهاد وتقديم مزيد من العطاء.
لاحظتُ هذه المسألة في أكثر من قطاع، إن لم تكن شاملة لكافة القطاعات.. هل الفلاح الحقيقي الذي يبذِّر ويسقي ويجني هو من يستفيد من حصيلة جهده الكبير؟ أم ذلك الطفيلي الذي يُرغمه على بيع سلعته بالطريقة التي يريد وبالسِّعر الذي يريد؟ هل هو من تصله أشكالُ الدعم المختلفة التي تُخصِّصها الدولة للفلاحين؟ أم أولئك الذين يعترضونها في بداية الطريق ووسطه ونهايته ويحوِّلونها لصالحهم في شكل نفقات غير مبرَّرة وكماليات أقلّ ما يقال عنها إنها مُثبِّطة للآمال (سيارات فخمة، إنفاق مفرط، مضاربة في العقار…)؟. هل العامل أو الطبيب أو الأستاذ أو التاجر أو الإداري أو أي عون عمومي أو خاص، الأكثر جدِّية والأكثر كفاءة والأكثر إخلاصا هو مَن يحظى بالمكافأة اللازمة على جهده وبالتكريم الملائم؟ أم أولئك الطفيليون في جميع المجالات هم من يجدون أنفسهم باستمرار على رأس قائمة المُبَجَّلين والمُكَرَّمين والمُستفيدين؟
وقس على ذلك كافة الفئات التي مازالت صامدة في بلادنا على أكثر من مستوى، جميعها أصبحت تكافح على جبهتين: جبهة العمل الذي تسعى لأن تقوم به على أحسن وجه، وجبهة الصمود في وجه المثبِّطين والمُستَغِلِّين لجهدها والمُتفرِّغين للقيام بكل ما مِن شأنه أن يزيد من إحباطها ومن تضييق مساحة الأمل أمامها.
لذا، إذا كان من عملٍ اليوم ينبغي القيامُ به للحفاظ على ما بقي قائما من صانعي الأمل في بلادنا، فليس أقلّ من الوقوف في وجه تعاظم هذه الجبهة الثانية الفاسدة بامتياز، وهي مَهمَّة شاقة لا تقلُّ شأنا عن العمل ذاته بل هي بمخاطرها أكثر ضراوة من العمل وأكثر صعوبة، نسأل الله تعالى العون على تمكين الجزائريين من الانتصار فيها لعلَّ الأمور تعود إلى نصابها ذات يوم.