مَن يُريد إذلالنا؟
نُحبّ وطننا لأننا دفعنا الثمن مُسبَّقا لكي نعيش فيه أحراراً، دماء آبائنا وأمهاتنا، آلامنا وأحزاننا، عَطشُنا وجوعنا، وكل تلك المآسي التي عرفناها ونحن أطفال أو سَجَّلتها لنا الذاكرة الشعبية بلا تحوير أو تزييف، أومازلنا نقرؤها في تقاسيم من بقِيَ حيًّا من الرجال والنساء المخلصين، أوفي ما بقي شاهدا من آثار التحطيم والتخريب مِن على وجه هذه الأرض الغالية… كلها مازالت تَشُدُّنا لِحُبِّ الوطن، فكيف بالبعض اليوم يعتبر ذلك خرافة ويريد إذلالنا؟! ينظرون إلى الشعب الذي حرّره بلا قيمة ولا قُدرة للحفاظ عليه، ويَسعون لإلغائه تماما من حسابات صناعة مستقبله، في استقواء غير مسبوق بالفاعل الخارجي، وبتأكيد صريح أننا لا شيء خارج حسابات الأمريكان والفرنسيين؟
أليس في هذا إلغاء لوجودنا ذاته، ومقدّمة لتفتيتنا وتقسيمنا ومَنعنا من أن نكون؟ ما الذي سيَحِلّ محل التاريخ والشعب الذي صَنَع هذا التاريخ سوى الفراغ الزماني الذي يُمهِّد الطريق للفراغ المكاني الذي سيؤدي إلى الاحتلال من جديد؟
هل هذا ما يُرَاد لنا اليوم؟ أن نَعترف صاغرين أننا لا شيء من دون هذه القوى الكبرى، وأن مصير بلدنا ومصير مَن يحكمُه هو بين أيديها، وأنه ليس أمامنا سوى أن نختار بين أن نكون مع هذا الطرف أو ذاك، أو سنُصنَّف بالضرورة غير ديمقراطيين؟
يبدو أن مثل هكذا توجّه أصبح مطروحاً اليوم بالفعل لدى بعض القوم، وبدل أن يَعملوا على تثمين الدور الشعبي في اتخاذ أيِّ قرار، بدل توفير الشروط الضرورية لكي تستعيد الجزائر العميقة دورها، بدل السعي لكي نُجري انتخاباتٍ حرة ونزيهة كوسيلة فعّالة لإسماع صوت كافة الفئات الشعبية والمحرومة في مقدّمتها، ولإيصال أبناء الشعب النزهاء إلى حيث يستطيعون تسيير شؤون دولتهم، ها هي الوجهة تكاد تُرسَم اليوم بوضوح من قبل مَن وضعوا أنفسهم فوق الشعب وأعلى من أبنائه: ليس أمامكم سوى أن تُسايروا الحسابات الخارجية، وأن تُدرِكوا، أيها الجزائريون، أن أي حديث عن الدور الشعبي قد وَلَىّ وانتهى… اليوم ليس زمن الموالاة للوطن والتضحية من أجله، والتزوّد بقيم الشهداء، إنما هو زمن موالاتكم للقوى الكبرى وتقديم أنفسكم عبيداً لها، ولا بأس إِن لبستم القندورة أو البرنوس أو زرتم الخمّارات أو الزوايا، وأقمتم الطقوس….
هكذا يجري تسويق صورة جزائر الغد، بلا تاريخ ولا شعب ولا قيم ولا حضارة… وهكذا ينبغي أن نُسوِّق لصورتنا: مازلنا هنا باقين، بتاريخنا وتضحياتنا، بقرانا ومداشرنا وأحيائنا الشعبية… ولا نقبل إلا بما يُعزّنا، فما بالك بشبه ديمقراطية تذلّنا.