نبارك الرداءة في العلن ونلعنها في السر
الكل يشتكي من الرداءة، لكن لا أحد يجتهد في محاربتها، بل نجد أنفسنا واقعين فيها، كل على طريقته. المؤسف حقا، في السنوات الأخيرة، وبعد انتشار وسائل التكنولوجيا الحديثة، التي سهلت نشر المحتويات “التافهة”، أنها أصبحت تطاردنا في كل مكان، بل زادت عن حدها، وكما يقال بالعامية: “فاضت”، واحتلت مساحة كبيرة من يومياتنا.
لكن السؤال المطروح: كيف استطاعت أن تتغلب على المحتويات الهادفة، التي أصبحت تتنفس بصعوبة، كالذي يتنفس تحت الماء، ولا تكاد تظهر بين المحتويات الجوفاء، بل انقرضت في الكثير من المجالات، حتى استسلم أصحابها للأمر الواقع، وانصرفوا معلنين هزيمتهم بالضربة القاضية. الشيء الذي لا يختلف فيه اثنان، أن هذه الرداءة، لم تفرض نفسها علينا، بل نحن من فتح لها الباب ورحب بها، كل على طريقته.. فهل المشكل في الذوق العام، أم في المستوى الثقافي الذي وصلنا إليه، أم إن الوقت الحالي يتطلب السرعة، حتى في المحتويات الخفيفة الغثة التي تلامس الرداءة بكل ألوانها.. أسئلة، يختلف الأفراد في الإجابة عنها.
لكن الشيء الأكيد، أننا كنا السبب في أن طفت الرداءة على السطح، ولامست السقف، ودفعت بالمحتويات الهادفة نحو الأسفل، حتى لامست القعر، وأصبحت غير قادرة على الصعود مرة أخرى إلى السطح، بل في الكثير من المجالات، نقدم التافه على القيم، ونهتم بالفارغ ونؤخر المملوء كما يقال، حتى ولو كان الاختلاف بيّنا. وفي الأخير، يجب أن نكون منصفين، ونعترف بأننا نصنع الرداءة في كل المجالات، وفي نفس الوقت، نحاربها ونلعنها في كل الأوقات. يجب أن نصدق مع أنفسنا، بألا نصفق للرداءة في العلن ونلعنها في الخفاء.
الرديء يبقى رديئا، حتى ولو أعجبتك كثرته.