الرأي

نحو تحريك المياه الراكدة

عمار يزلي
  • 987
  • 0

دخول اجتماعي مختلف رغم التشابه مع ما دأبنا عليه: اختلاف من حيث التحدّيات الجديدة، ومختلف من حيث حجم الأعباء الملقاة على الكل فينا: مؤسسات، أفراد ومجموعات سكانية.
أول دخول اجتماعي يبدأ في ظل ما بعد الانتخابات الرئاسية مباشرة، حتى ما قبل تغيير الحكومة، التي أضيف لعمرها زهاء ثلاثة أشهر أخرى من أجل استكمال باقي المهام المنوطة بها والمستعجلة والتي لا يمكن أن تحال لغيرها، ومنها الدخول المدرسي والجامعي اللذين تأخرا إلى ما بعد النتائج الرسمية للانتخابات. كما أن مشاريع أخرى تكميلية كانت من مهام الفريق الحكومي الحالي، ومنها مشروع قانون المالية للسنة المقبلة، وعدة مشاريع أخرى مبرمجة سلفا، ومنها احتفالات الذكرى السبعينية لاندلاع الثورة وباقي الأنشطة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي انطلق التحضير لها، كالصالون الدولي للكتاب.
كل هذا وأكثر، يتطلب من الفريق الحكومي الحالي أن يواصل مهامه إلى غاية نهاية السنة، وبعدها قد نرى تغيرا ونهجا جديدا في التعامل مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية العالمية والمحلية، على نحو قد يكون مختلفا من حيث المقاربة مع الاستمرارية على النحو السابق.
ما يبدو واضحا اليوم، بعد الخلخلة الاجتماعية والسياسية للأوضاع التي سبقت الانتخابات، هو أنه رغم الرضى عن الكثير من المنجزات والتوجهات العامة للسياسة الوطنية في كل المجالات العاملة على تغيير منظومة الحكم السياسية والاقتصادية، لا زلنا نطمع في أن نرمم كثيرا من الأعطاب التي مررنا بها منذ ثلاثين سنة خلت، ولاسيما سنوات حكم العصابة التي انفردت بالجزائر شعبا واقتصادا ومنظومة تحكم و”تسيير للفساد”.
لم تكن كل الأمور على ما يرام، لا اليوم ولا قبل اليوم ولا غدا، لأن التغيير يتطلب نفسا طويلا، لكن أيضا يتطلب شراكة جماعية سياسية وشعبية: هذا الأمر، هو ما تريده السلطة اليوم، بعد انكشاف كثير من الأمور أثناء الانتخابات الأخيرة، ومنها ضعف المشاركة وقلة الانخراط في العملية ككل، رغم حجم الأصوات التي تعترف بحجم الإنجازات وتطالب بالمزيد. السبب، هو ما تريد السلطة اليوم، وخلال السنوات الخمس المقبلة، أن تبحث سبل تحقيقه ولو جزئيا، وهو الانخراط الأكبر في المشاركة السياسية الحزبية، لاسيما المعارضة، في العمل السياسي إلى جانب أحزاب الموالاة والتحالف وحزبي المعارضة التشاركية اللذين دخلا الانتخابات الأخيرة.
العملية السياسية الجديدة تتطلب بعد اليوم حوارا شاملا لا يقصي أحدا، إلا من أبى، غير أن هذا الحوار، ومن أجل انخراط الكل فيه، سيخضع حتما لثوابت وطنية وهوياتية وأخلاقية ودينية، لا يجوز تجازوها، وفتح كل النقاشات والملفات الأخرى فيما عداها، ومنها: إعادة تنشيط الأجواء الراكدة خلال السنوات الأخيرة، والتي يمكن اعتبارها “مرحلة تأسيس سياسية جديدة”، كانت تتطلب، وفي الظروف الاستثنائية التي عشناها، أمنيا وسياسيا واقتصاديا وصحيا، شبه “حالة طوارئ سياسية”، كانت تتطلب تحكما وضبطا من أجل مرحلة استقرار تمكّن السلطة الجديدة من تثبيت برنامجها السياسي والاقتصادي، وبعدها يمكن فتح النقاش في المسائل المتعلقة بالمشاركة السياسية للكل وإحلال حوار ديمقراطي شامل. هذا الأمر، بدا خلال المرحلة السابقة، وكأنه قد صحّر الساحة السياسية، وبدا معه وكأن السلطة تريد التفرّد بالسلطة في كل المجالات، وهذا ما يمكن فهمه بالخطأ أنه انحدار نحو الأحادية من جديد، وعودة بخطوتين إلى الخلف بعد خطوة واحدة إلى الأمام.
هذا ما سنشهده خلال المرحلة المقبلة: دعوة لحوار شامل مع كل الأحزاب والقوى والشخصيات المعارضة والموالية، على أسس جديدة، ديمقراطية تعدّدية، تحترم حرية التعبير والعمل السياسي المنضبط وتحترم ثوابت الأمة، وتحارب الفساد.

مقالات ذات صلة