الرأي

نخبتان‮: ‬سامة‮.. ‬وفاشلة

الشروق أونلاين
  • 690
  • 0

‭‬يقتضي‮ ‬الحديثُ‮ ‬عن المجتمع وما فيه من مشكلات وقضايا ومسائل مركّبة ومعضلات متفاقمة،‮ ‬وأفق أقرب إلى أن‮ ‬يكون مسدودا بلا أفق مفتوح،‮ ‬وأعني‮ ‬هنا تحديدا المجتمع الجزائري‮ ‬الذي‮ ‬نحن جزء منه،‮ ‬الكثيرَ‮ ‬من الصراحة والجدية،‮ ‬كما‮ ‬يستوجب أيضا الكثير من الجرأة والصدق،‮ ‬بما في‮ ‬ذلك من قسوة وإيلام‮.‬

إن المتأمل في‮ ‬مجمل المجريات والأوضاع لابدّ‮ ‬أن‮ ‬يُصاب بـ”الفزع‮” ‬لسوء ما وصل إليه الحال في‮ ‬عديد الميادين ومختلف المناشط الإنسانية في‮ ‬بلدنا‮: ‬اجتماعية،‮ ‬اقتصادية،‮ ‬أخلاقية،‮ ‬ثقافية،‮ ‬دينية‮… ‬وبالتأكيد سياسية‮. ‬فما هو السبب في‮ ‬كل هذا الذي‮ ‬يعاني‮ ‬منه المجتمع؟ وما السبب في‮ ‬كل هذه الأمراض المعنوية وغير المعنوية التي‮ ‬تنهش جسمه الغض الطري‮ ‬وتأكل رصيده من كل خير وفضل؛ من الشباب والكوادر والأجيال الصاعدة التي‮ ‬نراها جميعا تنحدر رويدا رويدا نحو‮ “‬مهاوي‮” ‬المجهول؟

في‮ ‬تصوري‮: ‬السبب الرئيس في‮ ‬كل ذلك هي‮ ‬النخبة‮.. ‬أو شئنا التوسع قلنا‮: ‬النخب‮.‬

إنها النخبة،‮ ‬أو على الأقل السبب الأكبر‮ ‬‭.. ‬هذا تصوري‮ ‬على كل حال ورأيي‮ ‬أدلي‮ ‬به بوضوح؛ قصد النصح والتوجيه والتعبير عن الفكرة،‮ ‬من منظور الكشف والنقد الذي‮ ‬أراه السياق المناسب لمدارسة المشكلات المجتمعية خاصة،‮ ‬فليس بالتستر،‮ ‬وليس بالتجميل والتزويق،‮ ‬وليس بالخداع والكذب،‮ ‬وليس بالتزلف الذي‮ ‬يُسقط الهمة والمروءة عن الإنسان‮.. ‬ليس بكل ذلك‮ ‬يكون التعبير عن الرأي،‮ ‬ومناصحة قادة المجتمع والمتحكمين فيه المسيّرين لشؤونه‮.‬

دون دخول في‮ ‬التفاصيل‮ ‬يمكن القول‮: ‬إن مفهوم النخبة‮ ‬غربا وشرقا‮ ‬يدخل في‮ ‬معنى‮ “‬تلك االشريحة من الناس المثقفين المتعلمين الذين نالوا نصيبا عريضا من المعارف والعلوم والثقافة أتاحت لهم أن‮ ‬يكونوا في‮ ‬مقام‮ “‬صانع الرأي‮” ‬وقائد الرأي‮.. ‬والمؤثر،‮ ‬والمسيّر‮… ‬الخ،‮ ‬وتوزعوا بحسب اختصاصاتهم وميولهم على حقول المجتمع والدولة وميادين العمل والنشاط،‮ ‬فكانوا منه بمثابة الرأس من الجسم‮. ‬وخولهم ذلك امتيازاتٍ‮ ‬وإمكانات ومددا ومالا ومادة وأجهزة وموارد مختلفة‮. ‬

ولكن في‮ ‬الأدبيات الحقيقية الخاصة بالنهوض والشهود الحضاري،‮ ‬تقتضي‮ ‬تلك المكانة أن تكون النخبة،‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬مجال كانت وأيا كانت مهنتها الأصلية،‮ ‬في‮ ‬حقيقتها مسؤولة،‮ ‬أي‮ ‬لديها إحساس عال بالمسؤولية،‮ ‬وأن ذلك المقام‮ (‬النخبة‮/ ‬الصفوة‮/ ‬الخاصة‮) ‬يحمل من معاني‮ ‬التكليف أكثر مما‮ ‬يحمل من معاني‮ ‬التشريف؛ فهو‮ ‬يستوجب أخلاقيا وعلميا وإنسانيا التضحية والمبادأة والمبادرة والعطاء والبذل ومضاعفة الجهد وإنكار الذات أكثر مما‮ ‬يستوجب ويستلزم الأخذ،‮ ‬وكل ما في‮ ‬معناه من الحيازة والتملّك والامتلاك،‮ ‬واستخدام النفوذ،‮ ‬كما هو حالنا الأسيف‮.‬

‭‬والسؤال الجدير بالطرح هنا‮: ‬ما هو حال نخبتنا في‮ ‬الجزائر؟‮ ‬

لن‮ ‬يكون مفيدا التوصيف الدقيق والتفصيل في‮ ‬مختلف النخب،‮ ‬بحسب التخصصات والاهتمامات والمهن والوظائف،‮ ‬ولكن على العموم‮ ‬يمكن الحديث عن نوعين رئيسين كبيرين من النخب‮.‬

1 ـ أما الأولى فأسميتُها في‮ ‬العنوان‮ “‬النخبة السامّة‮” ‬وهي‮ ‬النخبة المتنفذة الواصلة المفيدة،‮ ‬وهي‮ ‬في‮ ‬واقع الحال،‮ ‬التي‮ ‬بيدها مقاليد الأمور والتسيير والإدارة والتدبير‮. ‬وبالنظر إلى ما هو عليه الواقع،‮ ‬يمكن الحكم بحزم عليها أنها‮ “‬نخبة‮ ‬غير نافعة‮” ‬فهي‮ ‬لم تنفع المجتمع،‮ ‬ولم تُفلح في‮ ‬القيادة والتسيير،‮ ‬في‮ ‬كل القطاعات بل ـ على العكس من ذلك ـ هي‮ ‬التي‮ ‬تتحمل كامل المسؤولية فيما وصلت إليه الأوضاع‮  ‬من تردٍّ‮ ‬وانحطاط وهوان وفوضى وسوء تقدير وسوء تدبير‮. ‬ويتيح لنا ذلك،‮ ‬كما‮ ‬يتيح لنا التعمق في‮ ‬دراسة بنيتها القول‮: ‬إنها‮ “‬نُخبة‮” ‬انتفاعية طفيلية تعيش على الريع ـ خاصة الريع الكبيرـ‮  ‬ولا تهتم في‮ ‬الغالب إلا بمنافعها،‮ ‬دون أن‮ ‬ينفي‮ ‬ذلك عن طبقة منها أنها ذات إيديولوجية،‮ ‬غالبا،‮ ‬متغرّبة،‮ ‬متعالية،‮ ‬محتقرة لغيرها،‮ ‬لا تشعر بشعور الجمهور الواسع،‮ ‬ولا تهتم بما‮ ‬يهمه وينفعه‮. ‬بل ربما قد تعمل على نقيض ما‮ ‬يريده،‮ ‬وتلك هي‮ ‬التي‮ ‬تنطبق عليها صفة‮” ‬السامة‮ “‬تحديدا،‮ ‬وهو الحال عندنا في‮ ‬التعليم والثقافة والبنوك والمالية،‮ ‬وكثير من القطاعات الأخرى‮. ‬تأتي‮ ‬هذه‮ “‬النوعية‮” ‬من النخبة بما‮ ‬ينقض ويناقض ويصادم مراد المجتمع في‮ ‬قيمه ومبادئه ومعاشه وحياته كلها‮. ‬ودون أن‮ ‬ينفي‮ ‬هذا الحكم وجود أقلية خيّرة من كل الوجوه،‮ ‬لكن العبرة بالأغلب والأكثر‮.‬

2 ـ أما النخبة الثانية،‮ ‬فهي‮ ‬التي‮ ‬تمثل فيما أتصور أكثرية ساحقة من النخب المتعلمة المثقفة وتشمل عشرات الألوف من الأشخاص،‮ ‬رجالا ونساء،‮ ‬الذين واللائي‮ ‬أوصلهم علمهم وثقافتهم إلى كثير من المناصب وأتاح لهم الحصول على مكانة اجتماعية ما،‮ ‬كما سمح لهم بالوصول إلى مناصب شتى في‮ ‬مختلف القطاعات،‮ ‬فمنها إطاراتٌ‮ ‬سامية،‮ ‬ومنها كوادر قيادية،‮ ‬ومنها موظفون ذوو شأن‮…‬

ولكنها من منظور واقعي‮ ‬وتحليل اجتماعي‮ ‬نزيه هي‮ ‬نخبة أقرب إلى نقيضها أي‮ (‬غاشي‮)‬،‮ ‬أي‮ ‬فئات هامشية لا قيمة لها،‮ ‬ولا تأثير ولا شأن‮. “‬تعتاش‮” ‬وكفى‮. ‬قد تهتمّ‮ ‬بمصالحها وتجتهد في‮ ‬تحصيل مآربها وتحقيق أهدافها الشخصية الذاتية الأنانية لا‮ ‬غير،‮ ‬ولكنها ـ هي‮ ‬الأخرى ـ‮ ‬غير ذات نفع‮. ‬والواقع أنها هي‮ ‬التي‮ ‬همّشت نفسها بنفسها؛ ففيها الكثير من أهل الصدق والصلاح والجد،‮ ‬وفيها إطارات ذات قيمة وذات أخلاق،‮ ‬ولكنها في‮ ‬عمومها فشلت في‮ ‬أن تثبت وجودها وتحقق المراد المطلوب منها وهي‮ ‬أن تكون نافعة،‮ ‬وأن تكون لغيرها قبل نفسها،‮ ‬وأن تكون أقرب إلى التضحية والبذل منها إلى‮ ‬غيرهما،‮ ‬فأقرب ما‮ ‬يمكن وصفها به هو‮ “‬الفشل”؛ إذ هو النتيجة والحصيلة في‮ ‬النهاية لنقص أدائها وانكماشها وضعفها وقلة تدبيرها‮. ‬لم تستفد من ثقافتها في‮ ‬إحداث التغيير وفرض نمط تدبير في‮ ‬صالح المجتمع‮ ‬يقوده نحو النهوض والنهضة والتقدم والازدهار والرخاء‮.. ‬وكان لنكوصها دوره في‮ ‬الإزراء بالمجتمع وتراجعه الذي‮ ‬لا‮ ‬يزال‮ ‬يمتدّ‮ ‬ويمتدّ‮ ‬حتى‮ ‬يصل إلى نهايته المحتومة وهي‮ ‬الخسارة والسقوط‮ .‬

والنخبتان معاً‮ ‬هما سبب ما‮ ‬يعيشه المجتمع؛ الأولى باندفاعها وتهوّرها وتغوّلها وتنفّذها وأنانيتها،‮ ‬والثانية بهوانها وانكماشها وتراجعها عن أداء دورها‮.‬

مقالات ذات صلة