نخشى أن يكون غلق المساجد في فرنسا ذا بعدٍ سياسي
في هذا الحوار الذي أدلى به لـ”الشروق” يعود أحمد جاب الله، رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، إلى العمليات الإرهابية الأخيرة التي وقعت ببعض البلدان الأوروبية، ويؤكّد أن هبّة المسلمين التضامنية مع الضحايا، وتنديدهم الشديد بهذه الأعمال الإرهابية وبدون لُبس، قد خفّفا الاحتقان في نفوس الأوربيين. ويقدّم جاب الله تفسيرات عديدة لجنوح بعض الشباب المسلم بأوربا إلى الغلوّ والعنف، لكنه يؤكد أن هذه الظاهرة لا تزال تحيّر الباحثين والدارسين.
ما الأثر الذي خلفته العمليات الإرهابية التي شهدتها أوروبا؟
من الصعب أن نتحدث عن الآثار، لأنها سواء بالنسبة إلى المجتمع أو للمسلمين أنفسهم، بدون شك ستكون سلبية وصادمة، عندما يُعتدى على أناس أبرياء كما حصل في عملية نيس، أو عندما يُذبح رجل دين وهو في كنيسته، ماذا تتوقع أن يكون رد فعل الناس وأثره على نفوسهم؟
ولكن أعتقد أن الشيء الطبيعي الذي حصل هو أن العمليات التي وقعت، خاصة في نيس والتي تبناها “داعش” الإرهابي كان يُخشى أن يحدث خلط مع المسلمين، ويفهم أنها رسالة حرب بين المسلمين والمسيحيين، لكن رد فعل المسلمين الطبيعي الذين استنكروا بشدة هذا العمل البشع وتضامنوا مع المسيحيين وكل أطياف المجتمع، أعتقد أن هذا كان له أثر إيجابي من حيث أن المجتمع شعر أن هنالك وحدة ولحمة، وأنه بغض النظر عن الانتماء الديني، فالمجتمع وقف واحدا مستنكرا الإرهاب والقتل.
كيف نفهم أن شابا نشأ في مجتمع غربي متحرِّر، يتحول إلى متطرف؟
هذا سؤالٌ محيِّر وحيَّر الجميع، بما في ذلك المسؤولون المسلمون الذين يستغربون كيف يصل الأمر ببعض الشباب إلى التطرف؟! وهنا نقول إنهم قلة، ولكن القلة مهما كانت حينما تصدر منها أفعالٌ شنيعة يصبح الخوف مشروعا والإدانة ضرورية.
وحتى المهتمون بمسائل انحراف الشباب والعنف يستغربون: كيف يصل الحال بشاب نشأ في مجتمع متفتح إلى هذا الحد من العنف والقتل والترهيب؟! الأسباب معقدة ومتداخلة، بدون شك أن هنالك أسبابا متعلقة بطبيعة الشاب بذاته، ما يعاني منه من مشاكل وواقع اجتماعي أو واقع عائلي صعب، وهنالك تأثر ببعض الأفكار، والتي من السهل تلقيها عبر الوسائط الاجتماعية، هنالك محللون يتحدثون عن شباب دخلوا في حالة قطيعة مع المجتمع، وهي التي تمهِّد إلى مثل هذه الأعمال.
هنالك من يريد أن ينظر إلى ما يجري في العالم من قضايا ومشكلات وصراعات، يتم استغلالها من البعض بالقول إنها حرب دينية أو حرب صليبية، وبالنسبة لبعض الناس ممن ليس لهم بُعد نظر أو تحليل ربما يتأثرون بهذه المقولات، إذن نحن أمام خليط من الأسباب المتضاربة، التي في الأخير تؤدي بالبعض إلى السقوط في بؤرة العنف والقتل.
وكيف نفسِّر انجذاب الشباب المسلم في الغرب إلى الأفكار المتطرفة التي يسوقها منظرو هذا التيار على حساب الخطاب الديني الوسطي والذي يقوده علماء أجلاء في العالم العربي تحديدا؟
الخطاب الإسلامي له أيضا مستويات متعددة، نحن لا نتكلم عن خطاب إسلامي رسمي، لكن المؤسسات الإسلامية في فرنسا والغرب هي في الغالب مؤسسات ليست لها ارتباطات بجهات رسمية تخدمها، لكن خطابها معتدل، لهذا لا يجذب هذه الفئة، والمؤكد كذلك أن الخطاب المعتدل له تأثير بالغ على شريحة كبيرة جدا من المسلمين في فرنسا وأوروبا عامة، خطابنا أكثره يسير على منهج إسلامي معتدل وسطي، لكن الفئة التي لا يؤثر فيها هذا الخطاب تقول إن هذا الخطاب ليس فيه من الجرأة والمصداقية عند بعضهم، وبالتالي لا يؤمنون به ولا يقرّونه.
يرى هذا الشاب المتطرف أنه بتلك الأفعال ينتقم لإخوانه المسلمين الذين اعتدت عليهم فرنسا في عدد من المناطق؟
ليس كل من يتحمّس ليكون تابعا لتنظيم “داعش” الإرهابي هم من الناس الذين بلغ بهم الوعي السياسي هاته الأمور.
وماذا عن بداية غلق عددٍ من المساجد في فرنسا بحجة التطرف؟
يجب توضيح المسألة، عمليات الغلق لم تمسّ المساجد، بل بعض الأماكن وهي قاعات صغيرة وليست مساجد بالمعنى الصحيح. حسب علمي المساجد الكبيرة والمعروفة التي تؤطرها الجمعيات هي مساجد تدار بشكل واضح ومن طرف جمعيات مسؤولة، وربما عند الحديث عن التطرف فهي في حالات معدودة ربما في قاعات صغيرة، وأخشى أن يكون هذا الإعلان فيه بُعد سياسي أكثر منه شيئا واقعيا، هنالك تضخيم في عدد المساجد التي يتم الحديث عن غلقها لا يوافق حقيقة الموضع، الأصل أن المساجد المعروفة والأئمة القيِّمين عليها معروفون وليسوا من هذا التوجه.
يتم الحديث عن تهذيب سلوك الفرد المسلم في أوروبا، هل نعني بهذا تخليه عن بعض القيم، حتى يصبح النموذج الإسلامي الفرنسي مختلفا عن أصل الإسلام؟
الإسلام في أصوله وواجباته وفرائضه ومنهياته واحد، ولكن التطبيق يتأثر بالواقع، وهو ما يسميه العلماء بالعُرف، فالعرف له أثر في الاجتهاد والفتوى، فحينما يعيش الفرد في مجتمع غير إسلامي، فهذه المجتمعات غير معنية تماما بتطبيق الشريعة على مستوى تنظيم المجتمع ككل، نحن معنيون بتطبيق أحكام الشريعة التي تخصُّنا كأفراد وجماعة دينية، لكننا لسنا معنيين بأن نطالب المجتمع بأن يطبق أحكام الشريعة فيما يتعلق بالشأن العام، وهذا يعطي خصوصية لوجود المسلمين في الغرب، وهذا الأمر اشتغل عليه البعض وفق ما يُعرف بفقه الأقليات.
تنددون وتنتقدون تطرّف الشباب المسلم، وماذا عن التطرّف الآخر، كحال “إمام” شاذ عقد “زواجه” مع شاب آخر، وقيام سيدة بإمامة المسلمين في الصلاة، علما أن الغرب لا يدين هذه المسائل بل يستسيغها؟
مسألة الزواج المثلي محلّ تنديد واعتراض حتى في الغرب، إمامة المرأة إذا كانت تؤمّ النساء أجازه بعض من العلماء، أما إذا أمَّت الرجال فهذا لا يجوز، ولكن هذه القضايا تُثار من أجل إثارة بعض القضايا ووضع المسلمين في قضايا ليست علمية أو مطروحة، ولكن إذا سُئلنا في القضية نقول هذا هو الموقف، ولكن كل إنسان حرّ ليفعل ما يشاء إذا كان القانون لا يمنع تلك التصرفات.