نصيحة “خبير” بالتراث الروحي الإسلامي..!
كان الدافع إلى كتابة هذه الأسطر وقوفي على “نصيحة” لأحد الباحثين المختصين في التراث الروحي الإسلامي، قدمها بصفة خاصة للشباب الذين يستهويهم الاطلاع على جوانب من هذا التراث الغني، يقول فيها:”إن دراسة سير الصالحين من الزهاد والمتصوفة أنفع لهم من محاولة التعميق في مذاهبهم وآرائهم ونتاجهم”.
إن هذه النصيحة تبدو للنظرة العجلى المتسرعة في الحكم “غريبة“، لكن الذي يتأملها بدقة وعمق فإنه يجدها منطوية على قدر كبير من الصحة،
إنها نصيحة حكيمة حقا، لماذا؟! لأن السيرة معناها السلوك، وتقييم السلوك أسهل من تقييم “التجربة نفسها” بمعنى أن مقياس تقييم سلوك هذا الزاهد أو ذاك واضح وعملي وبسيط، فهو محكوم عليه بالاستقامة أو الانحراف بمقدار تمسكه بكتاب الله سبحانه وبسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، أو إعراضه ومخالفته لهما..
فإذا كان هذا الزاهد أو المتصوف مقتديا حقا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه فإن ذلك سيظهر حتما في أقواله وأفعاله، وفي هذه الحال يكون ما يجريه الله سبحانه على يديه من كرامات وعلى لسانه من إشارات ذوقية وإلهامات زادا غنيا للتوّاقين إلى بلوغ درجة “الإحسان” بتزكية النفس والتقرب إلى الله سبحانه بالنوافل، كما جاء في الحديث القدسي “…وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه“
وأما التصوف نفسه فإنه “تجربة روحية” شديدة الذاتية والتميز، ولذلك كان من خصائصها التعبيرية الأولى“الإغراق في الرمز والتمرد على اللغة“، مما جعل الأبحاث والدراسات التي تناولتها تتسم هي أيضا بقدر كبير من هذه الذاتية، فكان من النادر أن يتحرر منها الباحث نفسه، وهو يحاول “ضبط” مجال من مجالاتها، بل إن من الباحثين المختصين من وقفوا حياتهم على دراسة هذه التجربة، ومع ذلك فإنهم لم يكونوا يصلون إلى“حكم” تطمئن إليه نفوسهم إلا وراجعوه ليعدّلوا منه أو ليعدلوا عنه إلى غيره.
إن هذا العالم الرحيب المهيب، إذ طرق بابه من لا يملك“مفاتيحه” ولم يتزود بالاطلاع الكافي على خصائص تعبيره، فإنه قد يتهم بعض من قال في حقهم الله سبحانه “من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب“عندما يسيء فهم أثر من آثارهم.
التراث الروحي الإسلامي عموما قسمان: قسم صحيح غطاه الإعراض والنسيان وقسم سقيم غذاه الجهل والتخلف، فالذي يريد الاتصال بالجانب “الصحي“ المشرف من هذا التراث يجد أمامه حجابا سميكا من“تراكم” اجتهادات القرون الضعيفة، ويرى كثير من الباحثين المتخصصين في هذا المجال أن سبب ذلك كله يعود إلى ابتعاد المنظّرين عن النهج القرآني وإلى تأثرهم بفلسفات الأمم الأخرى وعقائدها.
إن الحقيقة الإنسانية قد بينها القرآن الكريم بشقيها المتوازيين المتكاملين اللذين فصل القول فيهما في آيات كثيرة، فهو – من جهة – يقرر الأصل الترابي للإنسان ويذكره بأنه كائن ضعيف خلق من ماء مهين، وأنه مهما يغتر ويترفع فإنه لا يستطيع أن يتحرر من طبيعته الآدمية!
“قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره“
وهو – من جهة ثانية يقرر الجانب النوراني فيه، الذي استحق بفضله سجود الملائكة له، “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم“، إن تكامل هذين العنصرين هو الذي يحقق الاعتدال المقصود بقوله تعالى“إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم“..
هذا المبدأ العظيم الذي يقيم عليه الإسلام أساس الاستقامة في كل شيء بدءا بالعقيدة نفسها، فكما أن“الإيمان الفكري” وحده لا يكفي، فكذلك“العاطفة الجياشة” وحدها قد تبعد صاحبها عن هذا المبدأ إذا جانبها الفكر الراشد! وهل الحقيقة الإنسانية إلا المزج السليم والمعتدل بين العقل والقلب؟!
إن هذا التكامل إذا جئنا نبحث عنه في واقع المجتمعات الإسلامية، وهي تتطور مع التاريخ فإننا نجد أنه لم يتحقق في أكمل صورة، إلا زمن الرسول صلى الله وعلى آله وصحبه وسلم وعهد الصحابة والتابعين، لماذا؟! لأن تلك الفترة انطبعت – في غير ما غموض أو تعقيد – بطابع السنة النبوية الشريفة، فكانت غاية العبادة فيها أن ينشد المؤمن مرضاة الله سبحانه طمعا في جنته وخوفا من ناره، كما كان الفقه في الدين سبيلا إلى العمل الصالح وضمانا لإتقانه، فكان الصحابة رضي الله عنهم ينفرون من الجدل واشتقاق الكلام واصطناع المسائل في الدين من غير طائل، لأنهم كانوا ينفرون من كل ما يشغلهم عن السعي والحركة والعمل الصالح الدؤوب! قدوتهم في ذلك كله أعرفهم بالله سبحانه وأكرمهم وأتقاهم وأشد حرصا على ذكره وشكره وحسن عبادته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ولقد جسدوا في واقع حياتهم مضمون قوله: “خلقت الدنيا لكم وإنكم خلقتم للآخرة“
هذا المنهج “العملي” السليم للحياة الروحية سيعرف تطورا كبيرا يكتنفه غموض وتعقيد مع تطور الحياة وتعقدها، ومع ما ستشهد الأمة الإسلامية من انقسامات حادة وما يتبعها من ألوان الترف وألوان الحيف والغبن في آن واحد…وسيكون ذلك كله دافعا قويا للرجوع إلى الذات والانطواء عليها، فيروّج التصوف ويرتاد آفاقا لم يألفها الناس من قبل عندما يصبح دراسة لأسرار البواطن والقلوب، ونشدان الحقيقة عن طريق المكاشفة والذوق والإلهام..
إن هذه “الذاتية“ وما سيفرزه “استبطانها” من مصطلحات خاصة بالتعبير عنها هي التي ساعدت على رواج فهوم ضعيفة وأحكام خاطئة، لعل أخطرها تلك التي تنفي – عن جهل أو قصد – أي فضل يذكر للطرق الصوفية في حياة المجتمع وفي تطوره، بل إن هذه الأحكام الخاطئة المطلقة لا ترى في الطرق الصوفية إلا سببا من أسباب الجمود والتخلف والابتداع في الدين، ولا يخفى ما في هذه الأحكام من جناية على الحقيقة وعلى التاريخ، لأن ذلك معناه تجاهل نفوذ الشخصيات الروحية الأصلية ووزنها في مجال الجهاد والإصلاح، وكذلك تجاهل لفضل الطرق الصوفية في نشر الإسلام والحفاظ على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواجهة سلطان المادية الطاغية وتزكية النفس ومقاومة المعتدين.
ولا ينقص من هذه الحقيقة شيئا، كون بعض الطرق الصوفية المبتدعة المنحرفة لم تؤد رسالة مشرفة في حياة الأمة الإسلامية، لأنها قامت أصلا على الدجل والشعوذة والاستغلال والابتداع المنكر في الدين!
ولكن نتحدث عن الطرق التي يمثلها العلماء الربانيون الذين قال الله سبحانه في حقهم “ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون“.