نظام رئاسي لا شريك له في الملك
لو قدر للتعديل الدستوري المقترح أن يمرر كما جاء في المسودة، فإن البلد سينتقل رسميا إلى نظام رئاسي صرف فريد من نوعه، بصلاحيات تنفيذية وتشريعية وقضائية غير مسبوقة لموقع الرئاسة. وقد صدمت بعد الإطلاع على المسودة وعلى ردود أفعال الأحزاب وبعض أساتذة القانون الدستوري، صدمت بمقدار المكر والدهاء من قبل أرباب الدولة، وبقدر أعظم من السذاجة والحمق عند الطرف الآخر، وقد سقط كثير من رموزه في قراءة متسرعة مبتذلة في حواشي التعديل، وكأني بهم يطاردون الظل بدل الفريسة.
دهاء ومكر أرباب الدولة انطلى حتى على ذوي الاختصاص من أساتذة القانون الدستوري، وإلا ما كان ينبغي لبعضهم أن يدعي على شاشة “اليتيمة” ـ دون خجل ـ أننا بصدد دستور يبقي على “النظام المختلط” أو شبه الرئاسي، وهم يطلعون على حجم الاختصاصات والصلاحيات الممنوحة لموقع الرئاسة، الذي استحوذ على الجهاز التنفيذي بالمطلق، عبر صلاحيات الرئيس وعبر ما ترك لوزيره الأول، كما يشارك السلطة التشريعية في العمل التشريعي من أكثر من جهة، واحتفظ بسلطانه التقليدي على المؤسسة القضائية، وأضاف لها غلق أبواب المجلس الدستوري من جهة التحكم في تعيين أكثر من ثلثي أعضائه.
جميعنا يعلم أن الرئيس سبق له أن مارس دوره في العهدات السابقة وكأنه محكوم بدستور لنظام رئاسي، حتى قبل أن يتخلص في التعديل السابق من منصب رئيس الحكومة ويعيد العمل بالوزارة الأولى، التي تعني إنهاء أي دور للبرلمان في الترشيح، أو التعيين، أو إقالة الحكومة ووزيرها الأول، ولا أعلم كيف يمكن محاسبة وزير أول بلا صلاحيات، أو التأثير على المسئول الأول عن الجهاز التنفيذي، أي الرئيس، الذي لا يحق للبرلمان مساءلته، كما لا يحمله الدستور أي التزام تجاه البرلمان.
ولمن كان يحلم بمزيد من الفصل بين السلطات، فعليه أن يتمعن في ما منح للرئيس من دور تشريعي مباشر عبر المراسيم ما بين الدورتين وفي حالات استثنائية، أو عبر الحكومة، أو عبر إشراك الغرفة العليا في التشريع، وهو الجهة التي يعين ثلث أعضائها، تماما كما يتحكم في السلطة القضائية من جهة التعيين والتحكم في أدوات القهر والإغراء. وبودي أن يبين لي ذوي الاختصاص كيف يخرج المجلس الدستوري عن سلطة رئيس يعين ثلث أعضائه من بينهم الرئيس ونائبه، ويتحكم في الثلث المحسوب على الجهاز القضائي، وربما يتحكم في نصف الثلث المتروك للغرفتين.
المجال لا يتسع لذكر الشواهد من مسودة التعديل، لكن الذي اطلع عليها يعلم أني لم أكن مغاليا في ما ذكرته في الاستهلال بشان تسخير التعديل لتمرير نظام رئاسي فريد من نوعه، يحكم فيه الرئيس من غير مساءلة، وهو شريك في ما ترك من سلطات لجهة التشريع أو لسلطة القضاء. فهل بقي لعاقل أن يحلم بتداول محتمل على موقع السلطة الأول والأوحد، وقد حصنه أرباب الدولة من المنبع إلى المصب وما بينهما؟