نعم فاسدون لكننا مخطئون
انتحر العدل والحق والمنطق في اجتماع اللجنة التنفيذية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم إثر القرار الجائر بإهداء دولة الغابون حق تنظيم نهائيات بطولة الأمم الإفريقية 2017 على حساب دولتي الجزائر وغانا.
الفاسدون كثيرون والمجرمون كثيرون ولكننا مخطئون.
وفي زمن المؤامرات الدولية لا يمكن لأصحاب النوايا الطيبة أن يجدوا أماكنهم على الموائد العامرة.
بصراحة.. الأعمال الكبرى تحتاج لتجهيزات كبرى.
وفي الزمن المعاصر الذي أصبح للمال الكلمة العليا في كل شيء سياسيا وعسكريا واقتصاديا وعلميا ورياضيا.. تحوّلت البطولات الرياضية الكبرى التي تنظمها الاتحادات الدولية والقارية إلى البقرة الحلوب التي تمد رؤساء ومديري وأعضاء تلك الاتحادات بالهدايا الثمينة، ومعها اندثرت كل القيم والمبادئ والوعود عند أعضاء الاتحادات وتراجعت كل المعايير والشروط الموجودة في اللوائح والقوانين.. وهكذا أدارت كأس الأمم الإفريقية الحادية والثلاثون لكرة القدم 2017 ظهرها لدولة الجزائر، واتجهت إلى دولة الغابون.
الكل يعرف (إلا كبار المسؤولين في الجزائر) أن الكاميروني عيسى حياتو رئيس الاتحاد الإفريقي يعتبر صديقا شخصيا مقربا من الرئيس الغابوني علي بونغو.. وأن علاقتهما قوية وزيارات حياتو إلى الغابون متكررة ولتلك الصداقة والعلاقة حقوق والتزامات.. وهو ما يرجح كفة الغابون على أي منافس آخر عند عيسى حياتو داخل الاتحاد الإفريقي.
وإذا كانت تقديرات محمد روراوة رئيس الاتحاد الجزائري وعضو الاتحاد الإفريقي للموقف غير دقيقة.. وكذلك جاءت تقديرات وزير الرياضة محمد تهمي، إلا أن الواقع المؤسف يؤكد أن الحكومة الجزائرية لم تعط الأمر الاهتمام الواجب على الصعيد السياسي والاقتصادي.. وكان جديرا بالوزير الأول عبد المالك سلال أن يكثف زياراته واتصالاته بأقرانه كبار المسؤولين في الدول التي تملك أعضاء في اللجنة التنفيذية بالاتحاد الإفريقي في محاولة للاستفادة من ضغوط مسؤوليها على أعضاء اللجنة للتصويت لصالح الجزائر.. وكان على سلال إدارة الملف عبر البوابات الاقتصادية والسياسية، كما فعل ويفعل في أمور متفرقة وآخرها دعم إعادة مصر إلى عضوية المنظمة الإفريقية في أعقاب إيقافها إثر الانقلاب العسكري.. وتمتلك الجزائر الدولة الضخمة في مساحتها وتعدادها وإمكاناتها وخيراتها والعريقة في تاريخها الكثير من أوراق الضغط والتفاوض والتأثير على جيرانها الأفارقة، لاسيما الأقل حظوظا في الدخل والخيرات.
هكذا تدار ملفات التنظيم في البطولات الدولية في السنوات الأخيرة.. والأمر يعتمد على تدخلات مباشرة من رؤساء وملوك وأمراء وحكام الدول لدى أقرانهم في البلاد الأخرى التي تمتلك أصواتا في الاتحادات الرياضية المعنية.. ويؤثر الرؤساء والملوك على مواطنيهم أعضاء الاتحادات الدولية لتنفيذ قراراتهم تبعا لحاجة بلادهم من الآخرين.
للأسف.. لم يجر الوزير سلال اتصالا واحدا مع أحد من أقرانه في الدول التي تمتلك أعضاء في اللجنة التنفيذية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم.. وهي السيشل وغينيا ومالي وتشاد وزامبيا والكونغو الديمقراطية وتنزانيا ومدغشقر و البنين وجنوب افريقيا وبورندي وكوت ديفوار اعتمادا على وجود أربعة أصوات عربية تمثل الجزائر وتونس ومصر والسودان (أعتقد شخصيا أن ثلاثة فقط منهم منحوا أصواتهم للجزائر).. وبالطبع لن يكون الكاميروني حياتو ولا دولة غانا المنافسة على التنظيم في دائرة الاتصالات.
ليس من المجدي الآن جلد الذات أو البحث عن كبش فداء.. ولا جدوى من اتهامات مبطنة يلقيها تهمي على روراوة أو تحقيق يدعو له سلال أو تقارير تقدم للرئيس بوتفليقة.
ما حدث صدمة للدولة والمسؤولين والجماهير بكل المقاييس.. ولكنها منحتنا دروسا عميقة وعملية للمستقبل لعلنا نستفيد منها.
السعي لاستضافة أي حدث رياضي ضخم أصبح شأنا سياسيا عظيما.. شأن دولة أكبر من مجرد وزير للرياضة أو رئيس للاتحاد.
هل أدركنا ذلك الآن؟