الرأي

نقاط القوة التاريخية التي نسيناها…

محمد سليم قلالة
  • 1969
  • 0

التركيز على نقاط الضعف وتشريحها ليس بالضرورة هو السبيل الأنجع لإيجاد بدائل الحلول، في كثير من الأحيان نكون أمام ضرورة العودة للحديث عن نقاط القوة المنسية لكي نرسم بناء مستقبلنا المنشود.. ونقاط القوة هذه ليست بالضرورة مادية وقابلة للقياس، قد تكون التضحيات المشتركة هي القاعدة الاستراتيجية لكل عمل نريده أن يتحقق في المستقبل.

لا يختلف جزائريان عن تمجيد شهداء الثورة التحريرية، ربما هي المسألة الوحيدة غير القابلة للنقاش، المجاهدون والمناضلون والسياسيون يمكن أن يكونوا جميعا محل سؤال، والبرامج والأرضيات والأهداف والسياسات يُمكنها جميعا أن تُعتَبر ناقصة أو غير مقبولة، إلا أن لا أحدا يستطيع التشكيك في هذا أو ذاك، هذه أو تلك ممن ارتقوا إلى مصاف الشهداء.. مهما كانت درجة مسؤولياتهم في الثورة ومهما كانت نوعية المهمة التي كانوا يقومون بها، يتفق جميع الجزائريين أنهم هم وحدهم الذين أدّوا واجبهم كاملا، العبارة التي أبكت الرئيس الراحل “هواري بومدين” وهو يتكلم عن تضحيات الشعب الجزائري، الوحيدون الذين أدوا مهامهم على أحسن وجه، هم الشهداء ولا يوجد غيرهم.

اتفاقنا الجماعي في هذا الشأن، هو نقطة قوة أولى في القاعدة الاستراتيجية لبناء دولتنا الوطنية قلّما توفرت لشعب من الشعوب بهذا الوضوح والجلاء، ومن غير إمكانية التشكيك في ذلك، لقد كان الكفاح مشروعا والثورة مشروعة والعدو واضحا والأهداف محدَّدَة لا لبس في ذلك، ومن غير الممكن تكرار ذات الظروف التي مَكَّنت من تقديم الشهادة في أنقى صورها، خلافا لكثير من التجارب الإقليمية والمحلية السابقة والآنية التي لم تتضح فيها معالم العدو من الصديق الظالم وصاحب الحق، الشهيد من غيره… 

هذا الغموض تجاوزته طبيعيا تجربتنا الثورية، ولذا كان من نقاط قوتها التي مازال لها الأثر إلى اليوم وينبغي الاستثمار فيها باتجاه الجيل الصاعد: إننا نملك منطلقا للاتفاق بين الجميع عنوانه، لا مجال للتشكيك في تضحيات الشهداء أو لمناقشة فضلهم علينا جميعا، اليوم وغدا. 

انطلاقا من هذه الأرضية الصلبة وغير القابلة للتفتيت بإمكاننا إعادة بناء منظومتنا القيمية وثقافتنا السياسية القادرة على إعادة صياغة تفكيرنا بطريقة إيجابية تُمكِّننا من خوض أية مرحلة من مراحل البناء بلا خوف من الانزلاق أو فقدان بوصلة الاتجاه.

في مجتمعات أخرى قد يصعب إيجاد مثل هذه الأرضية لاستعادة مكونات منظومة القيم المنهارة، ليس لديها ما يُمكنها الانطلاق منه لاستعادة قيم  سامية كالفداء والإخلاص وحب الوطن والتفاني في خدمته، لا لمصلحة آنية إنما لأجل الآخرين الذين سيعيشون فيه كما فعل الشهداء… أما عندنا فذلك ممكن وسيستمر كذلك، لوجود النموذج السابق الذي لا يُضاهيه نموذج اليوم مهما كانت درجة تضحيته وإخلاصه وتقديم نفسه فداء للوطن.  ومازال هذا النموذج حيا وبإمكاننا إحياؤه أكثر.

ماذا تساوي التضحية في العمل، أو التضحية بالوقت أو التضحية بالإمكانيات المادية لأجل خدمة الآخرين أمام تضحيات رجال ونساء بأرواحهم الطاهرة ودمائهم الزكية لكي نصل إلى هذه المرحلة ونتمكن من طرح هذا السؤال على أنفسنا: ما الذي يمنعنا  من أن نكون أوفياء؟

هي ذي نقطة القوة الأولى التي ينبغي ألا نُهملها، أما نقطة القوة الثانية والتي تكاد تجد مبرر الخوض فيها اليوم أكثر من غيرها بالنظر إلى الصعوبات المالية التي بدأت تعرفها بلادنا، فهي أن الإمكانيات المادية والمقدرات المالية ليست هي أبدا من صنعت النصر، إنما صنعته تلك الإرادة المخلصة وذلك الهدف الواضح  لدى الرجال والنساء وهم في قلب المعركة.

قال آباؤنا وقالت أمهاتنا المال لا يصنع الرجال إنما العكس هو الصحيح، وهو ما أكده  رجال ونساء ذلك الجيل الذي كانت الإرادة سلاحه الأول والغاية الواضحة هي البرنامج الذي عنه لا يحيد، فكانت له الإمكانيات وكان له النصر.

المال وحده لا يصنع الانتصار أو التقدم أو يبني الدول والمجتمعات. هل امتلأت خزائننا بالأموال عبر التاريخ مثلما امتلأت في العقد الماضي؟ هل أفلحت تلك الأموال في تحقيق الإقلاع الاستراتيجي لبلادنا والانتصار أمام مختلف التحديات؟  

نحن اليوم نكاد نفكر بمنهجية معاكسة تماما، شَحَّت الخزائن من المال، قلنا: لن نستطيع القيام بأي شيء.. شَحَّت أكثر، قلنا: سننهار تماما.. لقد أقحمنا أنفسنا في منطقٍ منافٍ للحقيقة تماما، وغير قابل للصمود أمام تجربة مازالت حية إلى اليوم تقول فعلا إن المال وحده لا يصنع الانتصار أو التقدم أو يبني الدول والمجتمعات، هل امتلأت خزائننا بالأموال عبر التاريخ مثلما امتلأت في العقد الماضي؟ هل أفلحت تلك الأموال في تحقيق الإقلاع الاستراتيجي لبلادنا والانتصار أمام مختلف التحديات؟

نكاد نجزم أنها لم تتمكن من تحقيق ما كُنّا نصبوا إليه لأنها كانت تُصرَف بلا إرادة مخلصة ومن غير رؤية واضحة، لذا فقد ذهبت هباء منثورا. أليس في هذا دليل آخر على أنه علينا أن لا نخشى الضائقة المالية إذا ما تسلَّحنا بالإرادة المخلصة والرؤية الواضحة، ووضعنا نصب أعيننا أن غاية التضحية من أجل الآخرين هي منهجنا وأننا سننتصر في ذلك يقينا كيقين الشهداء…

هل باستطاعتنا أن نفعل ذلك؟ أن نستعيد فقط نقطتي القوة المنسيتين لحد الآن لدينا، من بين عشرات النقاط الأخرى التي كانت تشكل فعالية “نظام التشغيل” عندنا خلافا لنظامنا الحالي الذي يفتقرهما تماما؟

يبدو أنه علينا مراجعة ذلك التركيز المحموم على أننا لن نستطيع فعل شيء متى استمرت أسعار البترول منخفضة وخزائننا فارغة، واستبداله بالتأكيد أن ملء الخزائن ليس معناه بالضرورة تحقيق التقدم، فكم كانت ممتلئة قبل حين ولم نفعل شيئا… 

علينا أن نستعيد القناعة بأننا لا يمكن أن ننتصر في أي مجال من المجالات إذا لم ننطلق بحق من مقومات القوة الحقيقية التي كانت أساس انتصارنا في الماضي ولن تكون إلا هي، أساس انتصارنا في المستقبل.

إن إعطاء الدور والمكانة لعناصر القوة المعنوية أو رأس المال غير المادي الذي نملك، من شأنه بالفعل أن يُدرجنا ضمن منطق العمل وفق حقائق المجتمعات المعاصرة، التي تجاوزت منذ عقود من الزمن الاعتماد على المال أو الموارد الاقتصادية كأساس للتقدم، واستثمرت بكفاءة عالية في ما تملك من تراث غير مادي يرفع من شأن قيمة العمل والتضحية والتفاني والدقة والإخلاص والإتقان، التي هي، جميعها معطيات لها علاقة بثقافة وتاريخ الأمم بامتياز.

إننا نملك ما يُمكِّننا من السير في هذا الطريق بالقدر الكافي، ولكننا كثيرا ما اعتبرنا ومازلنا نعتبر أن الانطلاق من القيم أو من المقدرات غير الملموسة، هو الابتعاد عن السبل الواقعية لصناعة التقدم كالمال والإمكانيات المادية، وكأننا لم نر أو لا نريد أن نرى كيف أن هذه الأموال والإمكانيات رهنت أو كادت ترهن الاستقلال الوطني الذي تمت استعادته بغير ذلك تماما…

مقالات ذات صلة