الرأي

نكبة الأمّة.. من يتحمّل مسؤوليتها؟

سلطان بركاني
  • 889
  • 0

مرّت بالأمّة عقود متوالية منذ نكبة الاستعمار البغيض في القرنين الماضيين، مرورا بنكبة فلسطين، وليس انتهاءً بالأحداث المتعاقبة التي زادت الأمّة وهنا على وهن؛ كلّ ذلك وعلماء المسلمين يشخّصون سبب المحنة بأنّه بُعد الأمّة عن دينها، ويصفون دواء واضحا لا مرية فيه هو عودة المسلمين إلى دينهم.. وهذا الكلام لا يشكّ مسلم في أنّه حقّ، لأنّه ينطلق من نصوص الأحاديث النبوية التي نطق بها المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، والتي من أشهرها: “إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذُلًّا لا ينزعه شيءٌ حتى ترجعوا إلى دينكم”.

المشكلة أنّ كثيرا من العلماء الذي يشخّصون ذاك الدّاء ويصفون هذا الدّواء، لا يبينون حقيقة أنّ الأمّة قاطبة معنية بالأخذ من هذا الدّواء: عامّةً وعلماءَ وحكّاما.. فالحكّام بدورهم أصابهم داء التعلق بالدّنيا واستباحة الربا وترك الجهاد، بل إنّ الدّاء قد تمكّن منهم أكثر من غيرهم.. والعلماء -كذلك- باعوا الدين بالدنيا وسكتوا عن بيان الحقّ، إيثارا للسلامة، بل توجّهوا باللائمة وألقوا بالتبعة على العامّة وحدهم، بل وأمكنهم صرف أنظار العامّة عن أنّ العلماء بدورهم معنيون بالعودة إلى الدّين، والحكّام كذلك معنيون بالعودة إلى شرع الله وتحكيمه في القوانين والأنفس.

لكنّ مواقف العلماء من الأحداث المتعاقبة، جعلت أنظار المسلمين تتّجه إلى عرض خطير من أعراض الدّاء الذي ينخر جسد الأمّة، تمثّل في نهم كثير من العلماء بتقريع العامّة وتحميلهم المسؤولية الكاملة في النكبة التي تعيشها الأمّة، مع الإمعان في غضّ الطّرف عن دور بعض الحكّام في زيادة المحنة وتعاظم النكبة، خاصّة أولئك الحكّام الذين فتحنوا أبواب الأمّة على مصاريعها للشهوات التي خدّرت عقول الشّباب وجعلتهم يعطّلون عقولهم ويغضّون أعينهم ويصمّون آذانهم عن قضايا دينهم وأمّتهم، كما أشرعوا الأبواب للشبهات التي شكّكت شباب المسلمين في حقائق دينهم بل في أصوله وثوابته، وجعلت ولاءهم للدّين ضعيفا مترهلا.. أمعن كثير من العلماء في غضّ الطّرف عن هذه الحقيقة وغيّبوا أحاديث نبوية صحيحة تشير إليها، منها قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: “خمس إذا ابتليتم بهنّ وأعوذ بالله أن تدركوهنّ…”، وذكر منها: “وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله ويتخيّروا ممّا أنز الله إلا جعل الله بأسهم بينهم”، ومنها أيضا قوله -عليه الصّلاة والسّلام-: “سيكون بعدي أمراء؛ فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه، وهو وارد علي الحوض”.

نكص كثير من العلماء عن بيان الحقّ، وخانوا الميثاق الذي أخذه الله على الذين أوتوا الكتاب بأن يبينوه للناس ولا يكتموه.. حتّى غدا وجوم العلماء أوضح عنوان في كلّ محنة تمرّ بالأمّة، وأمسى صوت صرصور الحقل أعلى من صوت العلماء في نكبات تسيل فيها دماء المسلمين وتنتهب أراضيهم وأموالهم وتنتهك أعراضهم!

لقد حذّر الأنبياء قاطبة من فتنة العلماء المضلين الساكتين عن الحقّ، ومن كلماتهم في ذلك ما نقل عن نبيّ الله عيسى بن مريم -عليه السلام- أنّه قال عن علماء السّوء: “مثلهم كمثل الشجرة الدفلى تعجب من نظر إليها وتقتل من يأكلها، كلامكم شفاء يبرئ الداء وأعمالكم داء لا يبرئه شفاء”، وقال: “مثل علماء السوء مثل صخرة وقعت على فم النهر، لا تشرب ولا تترك الماء يخلص إلى الزرع، ومثل قناة الحش ظاهرها جص وباطنها نتن ومثل القبور ظاهرها عامر وباطنها عظام الموتى”.

أمّا خاتمهم نبيّ الإسلام -عليه الصّلاة والسّلام- فقد تواترت كلماته في التحذير من علماء السّوء، وعنه أخذ صحابته الذين ملأت كلماتهم الدواوين، ومن ذلك قول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: “كيف بكم إذ ألبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، وتتخذ سُنة، فإن غيرت يوما قيل: هذا المنكر؛ إذا قلت أمناؤكم وكثر أمراؤكم، وقلت فقهاؤكم وكثر قراؤكم، وتفقه لغير الدين والتمست الدنيا بعمل الآخرة”.

كما حذر العلماء الربانيون من فتنة علماء السّوء الذين يختلُون الدّنيا بالدّين، وميّزوهم بميزات أهمّها: الدخول على السلاطين والسعي في إرضائهم وتخيّر النصوص والأقوال التي توافق هواهم، يقول الإمام أبو حامد الغزالي -رحمه الله-: “احذر من الاغترار بعلماء السوء، فإن شرهم أعظم على الدين من شر الشياطين، إذ الشياطين بواسطتهم يتصدون إلى انتزاع الدين من قلوب المؤمنين…”.. ويقول الشيخ محمّد الغزالي – طيّب الله ثراه-: “إنما فسدت الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، فلولا القضاة السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك خوفاً من إنكارهم”.

ليس لأحد من عامّة المسلمين عذر فيما آلت إليه حال عدد غير قليل من الحكّام والعلماء، فالمسلم مسؤول عن تفريطه في دينه وأمّته ومسؤول عن دماء إخوانه، ولو كان أميا فقيرا، لكنّ المسؤولية الأعظم تقع على الحكّام الذين بيدهم من وسائل الإصلاح وأسبابه، ما ليس بيد غيرهم، وأعظم منها مسؤولية العلماء الذين أخذ الله على عاتقهم مسؤولية بيان الحقّ ولو كان ذلك على حساب أموالهم وأرواحهم، وإنكار المنكر أيا كان مستواه، سواء كان بين العامّة، أو كان بين المسؤولين وذوي السلطان.. ولذلك يتعلّق العامّة يوم القيامة برقاب حكّامهم، بينما يحاول الحكّام إلقاء التبعة على العلماء الذين سكتوا عنهم وجاملوهم وربّما هوّنوا أخطاءهم واختلقوا لهم الأعذار! لكنّ الجواب الذي يأتيهم ليقرعهم جميعا هو: ((لكلّ ضعف ولكن لا تعلمون)).

مقالات ذات صلة