نهب الخزينة الجزائرية
لما نتحدث اليوم عن الخزينة الجزائرية وحاجياتها لسيولة مالية، تعمل حكومة أويحيى على تدفقها من خلال تسريع وتيرة الطباعة، تتبادر إلى أذهاننا فكرة فراغ الخزينة على “قروشها” من جراء الإنفاق غير العقلاني، وما شاب المشاريع من فساد، أنهك الخزينة بما جعلها عرضة لإفلاس من كل “الفلوس”.
هذا يقودنا إلى قصة نهب الخزنية الجزائرية من طرف جيش الاحتلال الفرنسي عشية الإنزال الوحشي في 5 جويلية 1830م، دون أن نكون بذلك نطابق بين الحالتين: فالحالة الأولى كان نهبا ممنهجا ومقصودا، فيما الإفراغ الذي مس خزينة الدولة قبل سنة، كان بسبب التسيير. حادثة نهب خزينة الدولة الجزائرية عشية الاحتلال الفرنسي، قليلا ما نسمع عنها، وكثيرا ما أثرت فينا وفي خزائننا إلى اليوم.. وهذه قصة نهب الخزينة الجزائية من طرف “النهاب” الفرنسيين.. حتى نتذكر!
معلوم أنه، بقدر ما كانت الحملة الفرنسية على الجزائر تحركها الأزمة المالية والاقتصادية المتنامية، مع ما نجم عن ذلك من صراعات وأحداث اجتماعية، بقدر ما كانت الخزينة الجزائرية – إلى جانب البلاد بأكملها – هي الملجأ الأوحد لسد ثغرة كبرى في الميزان المالي لفرنسا الاستعمارية.
وإذا كانت الخزينة الجزائرية تحوي ما يفوق 50 مليون فرنك سنة 1830م -حسب د.أبو القاسم سعد الله- فإن ما كتبه المقررون الكولونياليون للجيش الفرنسي، يذهب باتجاه التقليل من ضخامة المبلغ الذي استولي عليه “دي بورمون” عند الحملة، وإخضاع المبلغ العام لحساب مصون يكفي على أكثر تقدير لتغطية “نفقات الحرب” -ضد الجزائر-
فحسب المقرر Gaffarel Paul، فإن الأمين العام للخزينة (الخزندار) قد قيم مقدار ما احتوت عليه الخزينة من ودائع وأموال بـ80 مليون فرنك، غير أنه حسب نفس المصدر، فإن المقتصد المالي العام للجيش الفرنسي Firino قد قيمها بـ50 مليون فرنك فقط ـ وهو نفس الرقم الذي اعتمد عليه د. أبو القاسم سعد الله فيما يبدو – ولأن » دي بورمون« قد أخذ في الحسبان التقييم الأول، فقد قرر إرسال 50 مليون فرنك لملك فرنسا (شارل العاشر) “كتعويضات عن الحرب” وتوزيع مليوني فرنك علي الجيش الفرنسي، والبقية على اللفيف الأجنبي، مما أدي – حسب نفس المصدر – إلى بروز حركة رفض داخل الجيش احتجاجا على طريقة توزيع »الغنائم« وحجمها. هذا التمرد، دفع إلى تشكيل “لجنة تحقيق” خلصت إلى الأرقام التالية:
-7.212 كلغ من الذهب (24.678000 فرنك)
-108.704 كلغ فضة (23.915000 فرنك)
المجموع: 48.683000 فرنك، أرسل منها 43 مليون فرنك لفرنسا، ضف إلى ذلك ما يعادل:
-3 ملايين فرنك من الصوف
-4 ملايين فرنك من قذائف البرونز
المجموع: 55 مليون فرنك، وهذا بدون حساب » كميات الجلود والشمع والرصاص والنحاس التي كانت تغص بها خزانات الدولة«. اضافة إلى ذخائر القمح والكتان والحبال.
يرى “Esquier” نقلا عن الأخبار المتناقلة في عصره (عند الاحتلال) بأن اليهوديين “بكري” و”دوران” (Duran)، هما اللذان دلا القيادة العسكرية الفرنسية على مكان كنوز الداي وأموال الدولة.. التي اشترك الضباط والجنود الفرنسيون في نهبها والسطو على جزء منها قبل تحويل الباقي – و هو ذو قيمة عالية – إلى فرنسا..
لقد شكل التخريب الفرنسي ونهبه للأموال الخاصة والعامة، أولى المظاهر “البربارية في بلاد “البار بار”. لقد ارتكب الجنود أعمالا تخريبية حول مدينة الجزائر، حيث قاموا -حسب شهادة المؤرخ الفرنسي ” بول أزال “- بتخريب الفيلات (الأحواش) وقطع أشجار الحدائق من أجل إيقاد النار، وثقبوا أنابيب المياه لملء أوانيهم منها. كما هدموا سواقي المياه لإيراد دوابهم، إضافة إلى تسببهم في تفجير مخزن للبارود، أدى كل ذلك في الأخير إلى انتشار الأمراض والأوبئة، حيث يذكر المتصرف “Dinier ” أنه في 24 جويلية، كانت المستشفيات قد امتلأت عن آخرها بعد أن دخلها 2500 مريض.