-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
عضو لجنة التفاوض مع "الفيس" محمد الصالح خرّاز لـ"الشروق":

هؤلاء خدعوا “الشاذلي” وخططوا للسطو على عرشه!

الشروق أونلاين
  • 20029
  • 22
هؤلاء خدعوا “الشاذلي” وخططوا للسطو على عرشه!

حمّل محمد الصالح خراز، المحامي الأول لقيادات “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” المحلّة، حكومة قاصدي مرباح مسؤولية تعطيل الإصلاحات السياسية التي أقرها الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، متّهما القائد السابق لجهاز المخابرات زمن بومدين، أنه لم يكن يعنيه شيء سوى السطو على منصب الرئيس، وقد خطّط، حسبه، لهذا الهدف، عبر منح الاعتماد القانوني السريع لحزبي “الفيس” و”التجمع من أجل الثقافة والديمقراطيّة”، وذلك بغرض التمهيد لإحداث الفوضى في البلاد، ضمن مخطط حسابات شخصيّة، تمكّنه من الاستمرار في موقعه الحكومي، حيث يكون الرئيس مرغما على الاحتفاظ به، بحكم خبرته الأمنية، للتحكم في التطورات السياسيّة والاجتماعية الطارئة على المشهد.

وللتدليل على حكمه في حقّ الرجل، يستند المحامي الذي مكث أيضا فترة في قصر الدكتور سعدان كمستشار لدى رئاسة الحكومة، أنّ الرئيس بن جديد أنهى مهامه في 09/09/1989، أي مباشرة بعد يومين من منحه الاعتماد لحزبي “الفيس” و”الأرسيدي” بتاريخ 06/09/1989.

ويكشف محمد الصالح خراز في حوار مع “الشروق” تفاصيل المفاوضات مع عباسي مدني، والتي قادها الشريف مساعديّة ضمن لجنة خماسية كان المتحدث أحد عناصرها، لإقناع الرجل بالعدول عن فكرة العصيان المدني صيف 1991، أو على الأقل تأمين تلك المظاهرات، من خلال التنظيم المحكم وتطبيق جملة من المقترحات، لكن قيادة “الفيس” أخلفت وعودها، حسبه، تحت أهازيج الجماهير الغفيرة في شوارع العاصمة وخارجها.

كما يؤكد الرجل أنّ وزير الداخلية حينها، قد تمكن عن طريق رئيس ديوانه السعيد عبديش من وقف الزحف الجماهيري نحو مقر وزارة الدفاع، موضّحا أن المرحوم عبد الحميد مهري قد أنقذ الموقف في ساحة أول ماي رفقة عبد العزيز بلخادم، حينما أقنعا عباسي مدني بإخلاء سبيل رجال الدرك المحاصرين من أنصار الحزب، كما يسرد الكثير من تفاصيل خطة التدخل الأمني التي أقرها المجلس الأعلى للأمن ومحاولة فرض تطبيقها على حكومة مولود حمروش قصد توريطها مع الشعب، على حدّ تعبيره.

إذا انطلقنا من أحداث 05 أكتوبر 1988، على أي أساس عيّن الرئيس الشاذلي قائد المخابرات، قاصدي مرباح، والوزير في عدة قطاعات، رئيسا للحكومة في هذه الفترة الحرجة؟

م تعيين قاصدي مرباح على رأس الحكومة بإيعاز من العربي بلخير، وذلك الاعتبارين تم تسويقهما للشاذلي، تمثل الأول في ضرورة توظيف الخبرة المخابراتية لقاصدي مرباح، من أجل تجاوز تداعيات تلك المرحلة الحساسة التي أعقبت أحداث 05 اكتوبر 1988، والثاني عربون مودة إرضاء لمنطقة القبائل التي لم تشارك في تلك الأحداث.

كيف تعامل قاصدي مرباح كرجل طامح للسلطة، مع هذه الفرصة الثمينة؟

قاصدي مرباح منذ أحداث 05 اكتوبر 1988 تأكد يقينا أن قطار النظام قد أخذ وجهة مغايرة، وأن الرئيس سيرحل لا محالة وفي القريب العاجل، فرتب نفسه ضمن فريقه الطبيعي لتولي منصب الرئيس والعمل لذلك، قائلا: لقد جاءتنا الفرصة.  

وبذلك قبل مرباح تولي رئاسة الحكومة، ليس من أجل الحكومة في حد ذاتها أو لتطبيق الإصلاحات، بل للوصول الى منصب الرئاسة من باب الحكومة.

أنت تتهم قاصدي مرباح بخذلان الرئيس في هذه الحالة؟

هذه هي الحقيقة، حكومة قاصدي مرباح لم تطبق سياسة الاصلاحات التي يراها الرئيس خطته المستقبلية لاستمرار حكمه، أو على الأقل تحقيق الطلاق مع ممارسات نظام شارف على الانهيار، تمهيدا لتأسيس نظام جديد يخلد له تسمية أب الديمقراطية في الجزائر.

لقد حاول قاصدي مرباح تكريس فكرة أن رئيس الحكومة مسؤول أمام المجلس الشعبي الوطني دون سواه، ولا يمكن إزاحته من منصبه إلا بسحب الثقة من حكومته من طرف السلطة التشريعية، بعد أن حاز برنامجه ثقتها، وبذلك تتعطل وبصفة تلقائية سلطات الرئيس في إقالة الحكومة، وهو الموقف الذي أعلنه عشية إقالته رافضا المغادرة.

ما دليلك على تخطيط “مرباح” لتعطيل الرئيس وإصلاحاته المعلنة؟

قاصدي مرباح تأكد خلال شهر أوت 1989 بأن حكومته سترحل، فاستقبل ملف التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية “RCD” يوم 16/08/1989 وملف الحزب الوطني للتضامن والتنمية يوم 20/08/1989 وملف الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ يوم 22/08/1989 واعتمدت جميعا دفعة واحدة، ونشر ذلك يوم الأربعاء 06/09/1989 بالجريدة الرسمية رقم 38، رغم أن الأول يقوم على أساس جهوي، والثاني كان يعتمد في إدارته على المهندسين الفلاحيين بما جعله يشبه النقابة أو التعاونية الفلاحية، فكان في المفهوم القانوني ذا طابع فئوي، أما الثالث فكان يقوم على أساس ديني، وهي اعتبارات لا تجد لها سندا شرعيا في الدستور القائم، بل ويمنعها صراحة.

لكن اعتماد تلك الأحزاب تمّ في كنف الانفتاح الدستوري والسياسي؟

الاعتماد كان ظاهره الاصلاح والانفتاح السياسي، نعم، لكن باطنه وضع البلد على صفيح ساخن يهدد أمنه بجدية، وهو الخطر الذي كان يراهن عليه قاصدي مرباح، إما أنْ يظل في منصبه للتعامل مع الوضع اعتبارا لحنكته المخابراتية، وإلا فإن بعدي الطوفان، ليقينه أن ممارسة السلطة في ظل هذه المعارضة لن تدوم طويلا.

قياسا للتقارب الزمني بين الحدثين، هل كان ذلك من أسباب إبعاد قاصدي مرباح وحكومته؟

لم يعد أمام رئيس الجمهورية أي خيار للحفاظ على وحدة القرار السياسي في البلاد، إلا إقالة حكومة قاصدي مرباح، ففعل ذلك يوم السبت 09/09/1989، وقام بتعيين السيد مولود حمروش رئيسا للحكومة. 

هذا الأخير كان يرأس لجنة الإصلاحات عندما كان أمينا عاما للرئاسة، وهي التي أعدت مجمل الإصلاحات التي تبناها الرئيس الشاذلي بن جديد، وكان مفترضا أن تطبقها حكومة المرحوم قاصدي مرباح. 

كيف تصرّفت حكومة حمروش مع الوضع الموروث عن مرباح؟

حكومة حمروش ورثت تركة ثقيلة على كل الأصعدة، ومع ذلك حاولت تجسيد سياسة الاصلاحات وبادرت بإصدار ترسانة من نصوص قانونية وتنظيمية دخلت حيز التطبيق في وقت قياسي، إلا أن الهياكل السياسية الجديدة الموروثة لم يكن من السهل تجاوزها، لاسيما وأن البلاد على أبواب انتخابات محلية، فإما أن تلغى هذه الأحزاب لمخالفتها الدستور (الفيس والأرسيدي)، وهو ما كانت تدفع إليه الجهات التي ساهمت في وجودها، وبذلك سيتعقد الوضع الأمني، لأن الإلغاء القانوني لا يعني الإلغاء المادي والاجتماعي والأيديولوجي، فكان استبعاد هذا الخيار حلا تمليه المصلحة العليا للوطن.

لكن مع ذلك، سعى حمروش لقطع الطريق أمام “الفيس” في الانتخابات اللاحقة عبر قانون الدوائر الانتخابية؟

شاركت هذه الأحزاب في الانتخابات المحلية، واكتسحت الجبهة الاسلامية الساحة من حيث عدد البلديات التي حصدتها، رغم الفارق البسيط بين الأصوات الإجمالية التي تحصلت عليها وتلك التي تحصل عليها غيرها، فاكتشفت الحكومة أن خللا جديا في خارطة توزيع الأصوات من شأنه أن ينعكس سلبا على التمثيل السياسي الموضوعي، وتبين أن الدوائر الانتخابية التي تم إعدادها في ظل سيادة الحزب الواحد لم تعد مناسبة لانتخابات برلمانية تعددية، إذ سنسقط من جديد في الأحادية إن أبقينا عليها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نكون قد عجلنا باختلال السلطة بما يخلق تناقضا وصراعا ضمنها، يفقدها السلاسة والتوازن ومرحلية التغيير، وهو ما سيهدد أمن البلد، وهو الهدف الذي كان مخططا له، فعمدت حكومة حمروش إلى إعداد مشروع قانون تقسيم الدوائر الانتخابية وطريقة الاقتراع.

وهو ما كان وراء قرار “الفيس” بالدخول في العصيان المدني؟

الجبهة الاسلامية المنحلّة رفضت القانون، والذي رأت فيه أنه سيحرمها من مقاعد كثيرة لا تحقق لها الأغلبية داخل المجلس الشعبي الوطني، فعمدت، وهي مدفوعة بالغرور والوعود وانعدام التجربة إلى فكرة العصيان المدني بهدف شل حركة البلاد في مطلع صيف 1991، بغية الوصول إلى إقالة أو استقالة حكومة حمروش ومن بعدها الإطاحة بالرئيس.

نصل إلى سؤال جوهري الآن بخصوص تعامل حكومة حمروش مع الموقف، وهي متهمة بالمناورة مع قيادات “الفيس”؟

حكومة حمروش رفضت قمع “الفيس” رغم تجاوزاته ليس من باب التعاطف معه، لكن من باب المحافظة على أمن الوطن ومصلحته، فبعد أن رأت بأن وقف هذا العصيان لا يمكن أن يكون فوريا بأساليب سياسية، اتفقت مع “الفيس” على تحديد أربع ساحات بالعاصمة للاعتصام بها، على أن لا يتجاوز عدد المعتصمين 5000 شخص في كل ساحة، ذلك أن الداخلية لا تتوفر بالعاصمة إلا على أربع فرق للشرطة، وبذلك فإن عدد الساحات وعدد المعتصمين سيكون متحكما فيه من جهة، ومحميا من جهة أخرى من أي انزلاق أو انفلات، كانت بوادره واضحة حتى في أفقه القريب.

هل قبلت قيادة “الفيس” وهي في عنفوانها الجماهيري بتلك “الشروط”؟ 

وافقت قيادة “الجبهة الإسلامية ” على ذلك، لكنها أخلفت وعدها في الميدان، لأن “الجبهة” التي كانت تحاول إسقاط الحكومة، لم تكن تدري أن من يدفعها لذلك هو ذاته من سينحرها بمجرد حدوث أي خلل في الأمن، فجازفت قيادتها بتوجيه جموع المعتصمين نحو وزارة الدفاع لاقتحامها، اعتقادا منها أن ذلك سيجعل الجيش يتدخل بسرعة وبقوة لإقالة الحكومة، لكن الحقيقة التي كانوا يجهلونها أن مقرات الجيش وعلى رأسها وزارة الدفاع تعد من الخطوط الحمراء في كل دول العالم، إذ يعد المساس بها من أي كان، بمثابة إعلان الحرب ضدها، وهو ما يبيح لها الرد بالآلة الحربية المناسبة والفعالة، والجزائر لا تشكل استثناء في هذا الخصوص.

وبات من المؤكد أن مئات، بل آلاف الشباب سيسقطون قتلى أمام مبنى الوزارة، فالجموع تسير نحوها بخطى حثيثة، والوزارة على أتم الاستعداد للمواجهة، وليس هناك أي سلطة يمكن أن تمنعها من الدفاع عن هيبة الجيش ووحدته، والشيخ عباسي ما يزال يقود القاطرة غير مهتم لأي شيء. 

لكن المعلوم أن جماهير “الفيس” تراجعت عن الوصول إلى مقرّ وزارة الدفاع، كيف حصل هذا التحوّل؟

لقد كان إنقاذ الوضع يتطلب إما معجزة أو مغامرة، فما كان من وزير الداخلية السيد محمد الصالح محمدي إلا أن يوفد رئيس ديوانه المرحوم السعيد عبديش ودون حراسة متناسبة مع تلك الجموع الزاحفة، ليعترض طريقهم قبل وصولهم إلى فندق الأوراسي، واستطاع الرجل أن يقنعهم بالعدول عن التوجه إلى وزارة الدفاع، وبقدرة قادر اقتنعوا ورجعوا إلى الساحات.

هذا الذي يعتبره وزير الداخلية حقنا للدماء وحفاظا على الأرواح وصيانة لهيبة الدولة لاسيما جيشها، ويعده انتصارا للمواطن والوطن، اعتبره آخرون فشلا لخطة كانت مبيتة للقضاء على الحكومة و”الفيس” في آن واحد.

من هو الطرف الذي كان يدفع بقيادة “الفيس” نحو الاقتحام لينحره على حدّ تعبيرك؟

واضح جدا في تلك المرحلة أن الطرف الذي كان يدفع بقيادة “الفيس” نحو مزيد من التهور، هو الجهة المناهضة للديمقراطية، والتي شكلت فيما بعد ما يعرف بالتيار الاستئصالي.

التوجه إلى مقرّ وزارة الدفاع سقط لكن العصيان تواصل، وكان للجنة خماسية، أنتم أحد أفرادها، دور في التفاوض مع عباسي مدني، ماذا دار بينكم؟ 

يوم 28/06/1991 انتقلت لجنة مشكلة من المرحومين محمد الشريف مساعدية وعبد الرحمن عجريد، رفقة سليمان مقدم ومحمد الصالح خراز وضابط من الجيش يدعى فضيل، وكان من المفترض أن تضم محمد الصالح يحياوي، إلا أن الاتصال به قد تعذر، وكذا المرحوم رابح بيطاط الذي اعتذر مساعدية نيابة عنه، انتقلت اللجنة إلى بيت عباسي مدني بعد صلاة العشاء، من أجل اقناعه بضرورة التخلي عن الاعتصام والعصيان، والتعاون مع الحكومة لإيجاد حلول للمسائل المطروحة بأساليب أخرى تبعد الاحتجاج عن الارتجالية وتجنب البلاد أي عنف محتمل، إلا أن السيد عباسي مدني لم يقتنع بالطرح، إذ كان واثقا أن ما يقوم به هو عين الصواب، منهيا اللقاء بقوله لقد استمعت إليكم، حينها قال له المرحوم مساعدية أتمنى أن تكون قد استمعت لنا لا سمعتنا، وانتهى اللقاء.

من كلّف هذه “اللجنة الخماسية” بالتفاوض مع عباسي مدني للعدول عن العصيان المدني؟

أنا متأكد من أن قاصدي مرباح الذي أدرك أن الأمور قد بلغت حدا من الخطورة لم تكن في الحسبان، وأن المغامرين من الطرفين قد يجرّان البلاد إلى كارثة حقيقية، هو من كان وراء تشكيل هذه اللجنة، وهو من كلف الضابط السابق فضيل بتمثيله، وكان على اتصال بالسيد عجريد الذي طلب منا (أنا وسليمان مقدم) الاتصال بمساعدية ويحياوي وبيطاط، وقد كانت الحكومة وجبهة التحرير الوطني على علم بهذه اللجنة ومسعاها.

لكن لاحقا حصل التدخل بالقوّة لفضّ الاعتصام، كيف حدث ذلك التطور في التعاطي مع الموقف؟ 

اجتمع المجلس الأعلى للأمن وتم تغييب وزير الداخلية عن حضوره، والذي هو عضو أساسي فيه بحكم الدستور، واتخذ المجلس قرارا بمداهمة ساحة أول ماي ليلا وإخلائها من المعتصمين الذين كان عددهم 5000 شخص.

أعطيت الأوامر لوزير الداخلية من أجل تطبيقها وتنفيذ الهجوم، وكانوا يتوقعون أحد أمرين، وهما إما أن يعتذر وبذلك تسقط الحكومة، أو أن يقوم بالمهمة ويتحول الخلاف مع “الجبهة الاسلامية” إلى مواجهة دامية، لكن الوزير تكلم بمنطق رجل الدولة الذي يلتزم بتنفيذ الأوامر العليا ضمن الإمكانات والإمكانيات والآليات المتاحة التي تضمن نجاح المهمة، لا أن تلحق بالسلطة هزيمة تفقدها هيبتها، موضحا أن فرقه الأربعة غير مؤهلة لإخلاء ساحة واحدة، فضلا عن أنه لا يمكن سحب الفرق الأخرى من الساحات الثلاث الباقية من أجل ساحة أول ماي، ذلك أن النتيجة واضحة وهي انفلات أمني في كافة ربوع العاصمة اذا ما أشعل فتيل ساحة أول ماي، عندها حاول خالد نزار وزير الدفاع إسقاط حجة وزير الداخلية، وذلك بأن يمده بقوات من الدرك الوطني لتنفيذ اقتحام الساحة وإخلائها.

هل صحيح أنّ هذه المعلومات الأمنيّة تسرّبت بطريقة خاطئة إلى عباسي مدني قبل تنفيذ الخطة؟

فعلا، قبل اقتحام الساحة بمقتضى هذا القرار الخطير الصادر عن المجلس الأعلى للأمن، تم تسريب الخبر إلى عباسي مدني بأن حمروش قد أخلف وعده معه، وأنه سيهاجم ساحة أول ماي من أجل إخلائها، وأن الدور سيأتي على باقي الساحات تباعا (ساحة الشهداء، الحراش، حسين داي).

ضخ عباسي مدني إلى ساحة أول ماي وبسرعة فائقة 50.000 شخص، منهم من تمركز بالساحة ومنهم من أحاط بها من كل الجهات.

جاءت ساعة الهجوم واقتحم الشرطة والدرك الساحة وسقط الضحايا، لكن التفاف المحيطين بالساحة وكان عددهم كبيرا ومخيفا، جعل الشرطة والدرك ينسحبون إلى الوراء، باستثناء مجموعة من الدرك وجدت نفسها محاصرة، في وضع لا تستطيع فيه الدفاع عن نفسها ولا الانسحاب.

لم يعد عباسي مدني يثق في أي مسؤول لإخلاء سبيل الدرك، فضلا عن أن ذلك يراه انتصارا على حكومة حمروش، فنزل مستوى مطالب وزير الدفاع من إخلاء الساحة إلى إخلاء سبيل أفراد الدرك المحتجزين ولم ينجح.

لكن روايات تتحدث عن تدخلات من عبد الحميد مهري في اللحظة الحاسمة؟

عندما وصلت الأمور إلى هذا الحد تدخل المرحوم عبد الحميد مهري والسيد عبد العزيز بلخادم أطال الله عمره، وانتقلا إلى ساحة أول ماي ليقنعا عباسي مدني بضرورة فتح الطريق لرجال الدرك من أجل الانسحاب، إذ أنهم أبناء الجزائر، لا اختلاف بينهم وبين من يحاصرهم، فالكل تحت الأوامر غير الموزونة، فضلا عن أن ذلك يعتبر تصعيدا خطيرا قد يعجل بما لا تحمد عقباه، اقتنع عباسي مدني وأمر بفسح الطريق وانسحب الدرك، وبذلك انحدرت السلطة إلى مستوى المفاوضة لفك الحصار عن البعض من أعوانها.

سي عبد الحميد مهري وعبد العزيز بلخادم، اللذان انقذا البلاد من مغامرة متهورة، وحفظا ماء الوجه لأصحابها، أصبحا يوصفان بالخونة بعد مؤتمر “سانت ايجيديو”.  

بمعنى أنّ “الفيس” ضيّع فرصة تأمين التجربة الديمقراطية بتطرفه السياسي؟

كان من الممكن أن تنقذ حكومة مولود حمروش التعددية السياسية العرجاء، وتؤمن التجربة الديمقراطية، لكن “الفيس” ساعد من حيث يدري أو لا يدري إلى ايصالها حد الطريق المسدود، ومع ذلك ظلت الحكومة تحاول تغليب الحكمة والحل السياسي ويدعمها في ذلك حزب جبهة التحرير الوطني، إلى أن تقرر تغليب الحل الأمني، وتم فرض حالة الحصار، فقدم حمروش استقالة حكومته، ونصبت بعدها حكومة غزالي التي اعتقلت قادة “الجبهة الإسلامية” ومكنتها من قانون انتخابي مفخخ، يحقق لها الأغلبية الساحقة ومنها إلى إلغاء المسار الانتخابي ودخول البلاد في دوامة.

في هذه الفترة رافعت كأول محام عن قيادات “الفيس” المعتقلة؟

مباشرة بعد اعلان حالة الحصار، تم فرض حالة حظر التجول ببعض الولايات، فكانت ولاية الوادي من ضمنها والتي انطلقت منها حملة اعتقالات ومحاكمات في صفوف من كانوا معتصمين، وقد كنت أول محام على المستوى الوطني يدافع عنهم أمام العدالة، رغم تباين الرؤى بيننا سياسيا ومنهجيا. 

كثيرا ما يطرح الغموض والمناورة في علاقة مهري السياسية بحكومة حمروش، ما تعليقكم؟

الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني المرحوم عبد الحميد مهري كان داعما لتوجه حكومة مولود حمروش في نهجها الإصلاحي ومنهجها التدرجي في إرساء دعائم الديمقراطية، مشجعا على التعامل مع الواقع بمنطق الدولة.

ولذلك ظلّ حمروش على وفاق مع مهري بعد خروجه من الحكومة؟

فعلا.. بدليل أنّ مولود حمروش لم يكن من الموقعين على لائحة سحب الثقة من المرحوم عبد الحميد مهري من قيادة “الأفلان” في 1996، وعند ترشحه للأمانة العامة للحزب في مواجهة الدكتور بوعلام بن حمودة كان المرحومان عبد الحميد مهري ومحمد الشريف مساعدية من المصوتين لصالحه، لكن الغريب أن هناك البعض ممن هم محسوبون على حمروش قد صوتوا لصالح بوعلام بن حمودة، حفاظا على مصالحهم مع السلطة، بل فيهم من اعتذر من حمروش قبل عملية التصويت، باعتبار أن الأمر فوق طاقته.

في حدود معلوماتكم.. بن حمودة كان مرشح “السلطة الفعلية” حينها لخلافة مهري؟

كان من المتفق عليه أن يتم استخلاف عبد الحميد مهري بالعقيد محمد الصالح يحياوي على رأس الأمانة العامة للحزب، لكنه في آخر الرحلة أعلن هذا الأخير عدم رغبته وبإصرار، واقترح بوعلام بن حمودة.

ما موقف مهري من رئاسيات 1999؟

قبل إعلان الترشيحات الرسمية لرئاسيات 1999، صرح مهري عبد الحميد بأنه إن صح ترشح بوتفليقة، فإنه هو الذي سيتولى السلطة بدعم من النظام القائم ويفوز رئيسًا، لقناعته بأنه الوحيد من المرشحين المحتملين الذي يمكن أن يجاريهم.

لكن مهري كان مقتنعًا برئاسة بوتفليقة منذ 1994؟

قبيل انتهاء عهدة المجلس الأعلى للدولة، كان مهري موافقا على أن يتم ترشيح بوتفليقة للرئاسة، لكن شريطة أن يتم ذلك عبر انتخابات عادية وهادئة، تكون فاتحة لانفراج سياسي وبادرة لإبداء حسن نية السلطة في الحل السياسي، بعيدا عن الكل الأمني. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
22
  • TABLATI

    هل تعرف حكاية 188 مقعد قبل الاحداث و هل تعرف حكاية واد الناموس و رقان و هل تعرف حكاية التنازلات لتكوين الحكومة و هل تعرف حكاية la peur doit changer de camps ... الله يرحم كل من مات في العشرية السوداء

  • samir

    شعب غير مهيأ للديمقراطية،فهو يحتقر بعضه البعض. و هدا هو سبب فشل التجربة الديمقراطية في التسعينات لأنها كانت مبنية على العاطفة الدينية و بعضهم ظن أن الشعب الجزائري غير مسلم و جاء ليعلمه الإسلام .

  • بدون اسم

    ايران عندها الاكتفاء الذاتي و تصنع سلاحها يا غافل

  • محمود

    هذا السيد يتهم قاصدي مرباح بأنه هو اللذي قام بالاعتماد دفعة واحدة في 89/09/06 أي قبل تنحيته في 89/09/09 كل من حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية والحزب الوطني للتضامن والتنمية و الجبهة الإسلاميّةللإنقاذ، فهذا غلط!فالحقيقة أن هذه الاحزاب قامت بايداع طلب اعتمادها لدى وزارة الداخلية عهد مرباح في أوت 1989 و ان ما نشر في الجريدة الرسميةفي 89/09/06 رقم 38 ما هو الا وصل ايداع ملف التصريح بتأسيس جمعية ذات طابع سياسي لهذه الاحزاب الثلاثة لدى الداخلية! الاعتماد كان في 89/09/16 أي في عهد حمروش !

  • الهول

    الدين خدعوه يتربعون الان على عرش الحكم و لن يتركون شيئا وراءهم

  • بدون اسم

    لولا الانقلاب العسكر على الشعب ما وقع الذي وقع - الان هم عند الله و سوف ينبئهم بما يفعلون

  • بدون اسم

    بسم الله ارحمن الرحيم: ...............يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا و ينقلب إلى أهله مسرورا و أما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا و يصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا................صدق الله العظيم.

  • جيلالي

    الاستاذ احمد طالب الابراهيمي له معلومات شافية و كافية عن ما حدث في التسعينيات ; من يهمه الامر يرجع الى اليوتيوب فيديوهات مع الجزيرة .

  • بدون اسم

    تماما كما وقع في مصر - انقلاب على الشرعية ثم حصار و قتل و اعتقال المعتصين ثم حل الحزب الفائز ثم اخذ اسلطة والحكم بقوة الحديد و انار و الرجوع الى ما كان عله من استبداد و قمع

  • أيمن

    شيء جيد أن نكون صرحاء مع أنفسنا ...على الأقل الأجيال القادمة تعرف كيف تبني على الأخطاء وتعرف من أين يأتي الخطر وتفهم طرق الخداع والتآمر الممنهج...المشكل أن كل ماحدث في الجزائر في الثمانينات كان بإيعاز أجنبي وفرنسي أمريكي بالخصوص ..الغرض بالطبع هو دخول الشركات الفرنسية والأمريكية لتنهب هنا بإسم الرأسمالية والديمقراطية والحرية وماإلى ذلك من الشعارات التي دائما ما يرددونها . فحروبهم سواء المكشوفة أو الخفية تقوم أولا على الخداع . وآل سعود كان لهم دور كبير بماأنهم كلهم شركاء ..كما حدث بالضبط لسوريا.

  • saby

    يا سي عبد الحميد عثماني على الاقل ما تسوطيش اهم مرحلة وهي استقالة الشاذلي وقيام المجلس الاعلى كي نعرف في حواركم هدا الرؤوس التي دبرت للخراب من اجل الحكم

  • السعدي

    توقفب عند كلامك حول قانون الدوائر الانتخابية وتبريرك له بمنطق فاسد مما يدل على داتية وعدم احترام عقولنا دلك ان هدا القانون تم اعداده بحسابات حزبية ضيقة بائن عوارها ومستفزة ولم يستطع يمها اي واحد تبريرها مثل بعض التصرفات الاخرى عبثا يحاول البعض لي الحقائق والبناء على الاكاديب

  • samira samuora

    لو كنت راجل لو تكلمت لما كان على قيدى الحياة الرجل مات الله يرحمه برحمته الواسعة كان مجاهد و بطل من أبطال الثورة من انتم حتى تتكلمون عن أسيادكم .هم حرور الجزائر انتم ماذا فعلتم للجزائر الكلام فقط لسان الطويل لا أكثر ولا اقل

  • نصيرة/بومرداس

    وهل نبش الماضي سيرجع ما خسرته الجزائر...بالتاكيد لن يغير شيئا لكن يجب ان يكشف ليسجل التاريخ...

  • مبروك

    رغم انه ورث وضعية حساسة بعد تعينه كرئيس داخليا الصراعات بين اطراف السلطة من البعثيين الاسلامين الوطنيين المتغربين الخ و خارجيا النضرة الحذرة للغرب و العرب نضرا لمواقف بومدين قبله الا انه كاد ان يتسبب في انهار الجزائر كجمهورية بتهاونه مع التيار الاسلامي ليس فقط بترسيم الفيس كحزب سياسي و ما حصل بعده بل قبل ذلك بالتلاعب بهذا التيار ضد المطالبة الديمقراطية و الحرية للشعب و ترك المجال للاسلامين بالسطو على الجامعات المنضومة التربوية و الدينية و التهاون في قضية الافغانيين لارضاء المواقف الغربية

  • fares

    عبد الحميد مهري رحمه الله هو الشجرة التي كانت تغطي الغابة , كان وسطي ,يستطيع التفاهم والتاقلم مع جميع الااطراف (عباسي,حمروش,ايت احمد...)
    الله يرحم كل من قدم شئ لهذا البلد .

  • مراد أوذيع

    لقٌتل نصف الشعب الجزائري ولارجعنا للعصور الوسطي بسبب الفكر الوهابي المدمر العصبي الذي لا يمت الصلة بديننا الحنيف
    في الأخير و إنصافا للحق لا ننسي الرجال الذي ماتوا من أجل إنقاذ الجزائر من الدمار و اللذين ضحوا بحياتهم و تركوا زوجاتهم أرامل و أبنائهم يتمامي من رجال مختلف الأسلاك الأمنية و من فئات الشعب وأقول لهذا الرجل اصمت الجراح لم تلتئم بعد واحترم الأموات و لاتنبش في القبور

  • مراد أوذيع

    هذا الرجل الذي كان يدافع عن الفيس بحكم تطابق فكره مع هذا الحزب وأنا متأكد أنه كان يجد التبريرات و الحجج عندما يُقتل ، آنذاك ، أي دركي أو شرطي أو مواطن علي أيادي الجماعات المسلحة كما أقول أن هذا المحامي سكت حتي مات الرجال وأطلق العنين للسانه ليجرح في رجال أفنوا حياتهم للدفاع عن الوحدة الوطنية و الوطن لأن التاريخ لا يمكن أن يصنف المرحوم قاصدي مرباح في خانة الخونة و المرتزقة و السراق لأن هذا الرجل لم يتسبب في موت مائتي ألف جزائري ولم يتسبب في اغتصصاب الجزائريات الفقيرات بحجة الزواج

  • Paco

    الحمد لله قضاو علئ المهرجين سلفيين...لولا تدخل الجيش لكانت بلاد كاايران....ربي يرحم لماتو كلهم.

  • شاهدة عيان

    *(الفيس) كان جزبا سياسيّا معتمدا خرج للسّاحة في خضمّ الديمقراطية الموؤودة من طرف من نصّبوا أنفسهم أوصياء على الشّعب.
    *طرح برنامجه للشعب الجزائري فزكّاه مرّتين (2)هذا الشّعب الذي يميّز بين الغثّ والسّمين .
    كما زكّ الحزب الديمقراطي FFS وزكى الحزب الوطني FLN . فالشعب يعرف ألدا الحسين ومهري رحمهما الله.
    *الإستئصاليون لم تعجبهم النتيجة التي مازالت مدونة في الجريدة الرسمية فقلبوا الطاولة.
    *أدخلوا قادة الفيس في معتقلات الصحراء وحلّوا الحزب لتبقى غنم بلا راعٍ وتعم الفوضى لتكون لهم الحجّة وبدأت الكارثة..

  • Amine

    قبل التعليق أوُدُّ أن أوضّح للقراء بأني لست من المتعاطفين مع الفيس المنحلْ.
    إنّ السبب الرئيسي وراء إلغاء المسار الإنتخابي هو مواصلة التعتيم على التاريخ الحقيقي للبلاد لأنّ فيه ما يتقال منذ فجر الثورة إنطلاقا من الجنرالات القدماء و الذين لم يطلقوا ولو رصاصة واحدةً ووصولا إلى الحاليين و الذين لم يتركوا أخضرا و لا يابسا إلا و إلتهموه رفقة أصحاب الثراء الفاحش الجدد من قبيل حداد أويحي....

  • TABLATI

    قلت انني ساتعامل مع من اختاره الشعب و بعد ما قرر الشعب و اختار امام العالم خنت الامانة و استقلت و ذهبت الى قصرك في بوصفر (وهران) و تركت الشعب بين المجرمين يذبح و يمزق . مهما كانت الضغوطات فقوتك كانت في شعبك و كما نقول الموت وحدة ...... حسبنا الله و نعم الوكيل