-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
طريقة القبض على "هشام الوهراني" ترعب المنحرفين

هبة شعبية لحصار المجرمين

نادية سليماني
  • 1885
  • 0
هبة شعبية لحصار المجرمين
هشام الوهراني

شكّلت “الهبة الشعبية” التي صنعها الجزائريون للبحث وإلقاء القبض على المدعو “هشام الوهراني” سابقة أولى من نوعها، جعلت المشتبه فيه محاصرا ومذعورا، لا يدري أين يختبئ بعد فعلته المشينة، إلى أن وقع بين أيدي مواطنين سلموه “آمنا” إلى مصالح الأمن. فالجريمة التي صورها شاهد عيان رقمي هو الهاتف الذكيّ، وختمتها لُحمة الجزائريين، الذين استنفرتهم “الحقرة” وتجندوا للبحث عن المجرمين، ستوثق لظاهرة جديدة عنوانها ردع المجرمين الخطرين بتلاحم المواطنين.

شهدت جميع ولايات الوطن، خلال الأيام الأخيرة، هبةً شعبية غير مسبوقة عقب تداول فيديو جريمة المشتبه فيه المكنى “هشام الوهراني”، الذي روّع المواطنين في حيّه بسلوكاته الإجرامية، ونجح في الإفلات من العدالة لفترة قبل أن تتحرّك قوى المجتمع بقوة، بعدما تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى “خلية بحث” وطنية قادت إلى تضييق الخناق عليه، دعما لجهود وملاحقات مصالح الأمن له.

ويرى ملاحظون أن واقعة إلقاء القبض على الهارب “هشام الوهراني” تعد مثالًا نادرًا عن تفاعل المجتمع مع القضايا الأمنية، إذ لم يكتف المواطنون بدور المتفرج، بل تحركوا بمسؤولية ووعي، ما أسهم في تسريع عملية القبض على المعني، بعدما تحولت منصات التواصل إلى فضاء تعبوي إيجابي، بعيدًا عن الإشاعات والفوضى، حيث جرى تداول صور ومعلومات عن الهارب بحذر ووعي، وفي احترام لتعليمات السلطات الأمنية.

المحامية صارة حسني: تطور الجريمة يستلزم تطور آليات محاربتها

هذا التلاحم بين الشعب ومصالح الأمن أظهر الوجه الحقيقي للمجتمع الجزائري، الذي يعتبر من أكثر المجتمعات نبذا “للحقرة” ورفض السلوك الإجرامي.

وأثبتت هذه التجربة أيضا، أن الوعي الرقمي يمكن أن يكون أداة فعالة في دعم الدولة ومساندة جهود الأمن، متى ما وُجه بطريقة مسؤولة، كما أنه يعتبر رسالة قوية للمجرمين، بأن الشعب في صف العدالة.

رادع نفسي قوي للمجرمين

وفيديو إلقاء القبض على “هشام الوهراني” من طرف الجماهير، عن طريق هبة شعبية، سيكون رسالة واضحة إلى كل مجرم أو عصابة تسوّل له نفسه المساس بأمن المواطنين، فاليوم لم تعد الأجهزة الأمنية وحدها من تلاحق الجريمة، بل أصبح كل مواطن جزائري شريكًا في حماية وطنه.

وكما أن تعاون المواطنين، بهذا الشكل الواسع يمثل رادعًا نفسيًا قويًا لكل المجرمين، ويؤكد أن العدالة المجتمعية قادرة على تحقيق الأمن حتى قبل صدور الأحكام القضائية.

ويرى مختصون أن ما أظهره الجزائريون من تضامن ويقظة في قضية “هشام الوهراني” ليس حدثًا عابرًا، بل تحولٌ اجتماعي هام، نحو تشكيل وعي جماعي متزايد بأن الأمن مسؤولية الجميع، وأن مواجهة الإجرام تبدأ من يقظة المواطن قبل تدخل القانون، وأن مهمة كشف الجرائم ليست مقتصرة على رجال الأمن السنوات الأخيرة، فالمواطن أصبح اليوم شريكاً فاعلاً في المنظومة الأمنية، وهو ما نرصده في انتشار عديد مقاطع الفيديو التي ينشرها شهود عيان على مواقع التواصل الاجتماعي أو يقدّمونها للشرطة، التي ساعدت في تفكيك شبكات إجرامية وتحديد هوية الجناة في العديد من القضايا، في ظرف زمني قياسي.

المشرع الجزائري أشرك المواطن في القضاء على الجريمة

وفي الموضوع، تؤكّد المحامية صارة حسني، أنّ من خصائص الجريمة أنها مُتطوّرة وتتطوّر معها القوانين العقابية والإجرائية، فالجريمة في الجزائر تطوّرت وبطبيعة الحال تطورت معها آليات محاربتها ومكانيزمياتها “نذكر منها جرائم العصابات التي أولى لها المُشرع الجزائري أهمية كبيرة لما تشكلها من تهديد لاستقرار وأمن المنطقة”.

وتقول المحامية لـ “الشروق”، بـأن المشرع الجزائري سعى إلى إشراك المواطن للحد من هذه الظاهرة، بالإبلاغ عن أي جريمة، خاصة جرائم العصابات للحدّ من انتشارها.

وأضافت أن المشرّع الجزائري أقرّ الأمر رقم 20-03، المتعلق بالوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها، “ويأتي هذا الأمر كخطوة استباقية لتعزيز الأمن والسلامة العامة في الجزائر، حيث يشهد المجتمع الجزائري انتشارًا متزايدًا لهذه الظاهرة في السنوات الأخيرة”.

وقالت المُحامية صارة حسني، بأن هذه التشريعات تهدف إلى وضع إطار قانوني شامل وخاص لمواجهة هذا النوع الجديد من الإجرام وتقليل آثاره المدمرة على الأفراد والمجتمعات، حيث تعتمد الاستراتيجية المتبعة على تعزيز التوعية والرّدع، بالتعاون مع الهيئات الرسمية المدنية والأمنية، وبمشاركة جمعيات المجتمع المدني والخبراء في مجالات مختلفة.

ألو شرطة ” للتبليغ عن الجريمة صورة وصوتا

ومن بين صور التبليغ، بحسبها، تصوير وتوثيق الجريمة، بحيث وضع الجهاز الأمني تحت تصرف المواطن تطبيق “ألو شرطة” التي تقوم بحفظ الفيديوهات على مستوى التطبيق وإرساله للجهة المختصة أمنيا.

وكذلك أجاز القانون تصوير الجريمة والمجرم ولكن “للاستعمال القانوني” فقط، بمعنى أنه يجب على الشخص الذي التقط الفيديو أو الصورة إرسال تلك الأدلة للجهات الأمنية أو القضائية (وكيل جمهورية أو قاضي التحقيق) لفتح تحقيق في الجريمة.

وتعتبر المحامية صارة حسني، أنّ ظاهرة تصوير الجرائم لها أهمية كبيرة ودور مهم في معرفة هوية المجرم، وتسهل كثيرا مرحلة معرفة الفاعل الرئيسي للجريمة، كما أنها تختزل الوقت على رجال الأمن في مرحلة التحقيق الأولي البحث والتحري.

وأضافت محدثتنا قائلة، بأن التبليغ عن الجرائم، يدخل ضمن الإطار المنصوص عليه في قانون الوقاية من المخدرات ومحاربتها بالقانون رقم 25-03، فالجزائر، بحسب تعبيرها “تنتهج سياسية تشريعية حديثة مواكبة للعصر وللدول المتقدمة.. وكما يجب على كل فاعلي المجتمع المدني تحسيس المواطن على ضرورة التبليغ سواء التبليغ التقليدي أم الحديث بالصوت والصورة لما له من دور رئيسي في التقليل من انتشار الجريمة خاصة جرائم العصابات الخطيرة”.

فالمجتمع الآمن لا يُبنى فقط بالقوانين، بل أيضاً بمواطنة واعية ومسؤولة تعرف كيف تتضامن مع الشرطة، لردع الجريمة والمجرمين في المجتمع، كما يمكن للشرطة أن تستثمر هذه المشاركة عبر إنشاء منصّات رسمية لتلقي البلاغات المصورة، بدل تركها تنتشر عشوائياً على شبكات التواصل، ما يضمن حفظ الأدلة واحترام الإجراءات القانونية.

زوبيري: هبّة المواطنين “مطلوبة” شرط ألا تكون عاطفيّة

ويعتبر أستاذ علم الاجتماع، حسين زوبيري، أن واقعة إلقاء القبض على المطلوبين للعدالة من طرف الشعب “حتى وإن كانت مقبولة أحيانا، ولكنه لا يجب أن يأخذ هذا السّلوك منحنى أو ردود أفعال عاطفية، حتى لا نحصل على نتائج عكسيّة”.

وفسّر المتحدث في تصريح لـ” الشروق”، قائلا بأن الهبات الاجتماعية تحتاج إلى شرعية اجتماعية بعد الشرعية القضائية طبعا، حتى “لا تتسيب الأمور، لأن سيف العدالة هو الأولى لردع العصابات والمجرمين” على حدّ قوله.

وأكد حسين زوبيري أن الشعب الجزائري عاطفي جدا، وقد تأثر جدا بفيديو الاعتداء من طرف عصابة “هشام الوهراني”، الذي كرس الحقرة والظلم ضد شخص آخر، وهو ما تسبب في شحن المواطنين عاطفيا وأجج مشاعر الغضب في نفوسهم، ما جعلهم يسارعون لإلقاء القبض على المشتبه فيه بمجرد التعرف عليه.

والسؤال المطروح، بحسبه، لماذا لم يتحرك المواطنون في جرائم اعتداء سابقة، رغم أنها حدثت في وضح النهار وأمام أعين المارة، ولعل أبرزها حادثة الشيخ الذي تعرض للسرقة والطعن بسكين في وضح النهار والجميع يتفرج؟

وبالتالي، بحسب مُحدثنا، على المجتمع التحرك لردع الجريمة في حينها، وتشكيل هبات اجتماعية لإنقاذ ضحايا الجرائم في حينها.

ويرى أستاذ علم الاجتماع، بأن القانون الأخير المتعلق بمحاربة جرائم المخدرات، الذي شجع المواطنين على التبليغ، هو “ما ساهم في ظهور هذه الهبّة الاجتماعية وأعطاها شبه شرعية، ولكن لابد من ضوابط وقيود على هذا الفعل”.

ولتحقيق ردود أفعال حقيقية ومتوازنة، في مجتمع مستقر، فلابد بحسب قوله، من محاربة السلوك الإجرامي الذي تغلغل في مجتمعنا أولا، عن طريق مقاربات اجتماعية وثقافية وتربوية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!