“هجرة الأطبّاء”.. نزيف آخر في قطاع الصحة
أثار نجاح 1200 طبيب جزائري في مسابقة معادلة الكفاءات التي تنظمها فرنسا جدلا كبيرا في أوساط الجزائريين، خاصة في هذه الظروف الصحية الاستثنائية، فالقطاع الصحي ببلادنا مهدد بفقدان ألف طبيب دفعة واحدة.
مرابط: 16 ألف طبيب جزائري يتواجدون حاليا بفرنسا
وهو ما يطرح تساؤلات بشأن وضعية مهنيي الصحة في الجزائر، وهل من أمل في استرجاع الادمغة المهاجرة لاستغلالها في تطوير قطاع الصحة بالجزائر؟
شكّل الإعلان عن قائمة الأطباء الفائزين في امتحان معادلة الشهادة بفرنسا، واقتطاع الأطباء الجزائريين كعادتهم حصة الأسد في قائمة الناجحين، جدلا كبيرا في الشارع الجزائري، حيث ظفر أكثر من 1200 طبيب جزائري بمنصب مُنتظر بفرنسا، حسب ما نشر في قائمة رسمية.
وحسب المُعطيات المنشورة فقد شارك في هذه الدّورة آلاف الأطباء من حوالي 24 دولة خارج الإتحاد الأوربي، نجح منهم حوالي 2000 طبيب منهم أكثر من 1200 من جنسية جزائرية، يليهم التونسيون ثم المغاربة ثم باقي الدول المعنية من خارج الإتحاد الأوربي.
خياطي: راتب الطبيب الجزائري الأقل في المغرب العربي
وبعد النجاح في الامتحان النظري، سيخضع الناجحون لتربص تطبيقي في المستشفى مدته سنتين (دون إعادة دراسة)، يتقاضى فيها المتربص نفس راتب المتربص الفرنسي، ليتضاعف الراتب بعد نهاية التربص إلى نفس راتب الطبيب الفرنسي، ويسجل في مجلس عمادة الأطباء الفرنسيين، ما يعني أن أكثر من 1000 طبيب جزائري، ستفقدهم منظومتنا الصحية دفعة واحدة، وبصفة نهائية.
جامعاتنا تكوّنهم وتؤطرهم وفرنسا تخطفهم!!
وتفاعل رواد منصات التواصل الاجتماعي مع هذا الحدث، فالبعض رأوا بأن الطبيب في الجزائر “لا يحظى بالاحترام المطلوب، وهو ما يجعل إداريا يتحكم فيه”. وآخرون دعوا إلى إعادة النظر في ظروف عمل الأطباء الجزائريين، لمنع هجرتهم.
وتساءلت حليمة قائلة “تهميش الأطباء في الجزائر، أمر يدعو للحيرة، وكأنه مقصود لدفعهم إلى الذهاب نحو فرنسا لتستفيد منهم، فكيف لطبيب درس وتفوّق وأصبح مختصا يتقاضى بضع دنانير، في حين يعيش عامل بالأجرة أحسن منه”.
ولام بعض المعلقين، الأطباء المشاركين في امتحان فرنسا، معتبرين أن الجزائر درّستهم مجانا وصرفت عليهم أموالا “ثم يغادرونها للعمل في فرنسا”. فكتبت هجيرة “علينا عدم نكران الجميل، الجامعات الجزائرية أطّرت أطباءها وكونتهم وتخرجوا منها بكفاءة، وهو ما جعلهم ينجحون في امتحانات فرنسا، وهذا دليل قاطع على أن جامعات الطب ببلادنا مستواها عال جدا”.
المسار المهني للطبيب في الجزائر غير محفز
وفي الموضوع، أكد رئيس النقابة الوطنية لمهنيي الصحة، إلياس مرابط لـ”الشروق”، الذي نقل تفاصيل الامتحان، استنادا إلى صفحة وزارة الصحة الفرنسية، أنّ الإشكال في هذا الموضوع، هو تواصل نزيف الأطباء الجزائريين نحو الخارج، ففي فرنسا لوحدها يتواجد أكثر من 16 ألف طبيب جزائري، هاجروا من الجزائر مباشرة نحو فرنسا، خلال الـ20 سنة الأخيرة بصفة رسمية، وهم مسجلون في عمادة الأطباء الفرنسية.
وحسبه، هذه الهجرة لا تشمل فرنسا فقط، بل تمتد إلى دول الخليج وكندا وألمانيا، وأسبابها متعددة، على رأسها أسباب اجتماعية ومهنية، إذ قال محدثنا “مكانة الأطباء الاجتماعية غير لائقة، مع تدني مستوى الأجور، كما أن المجتمع الجزائري، يعامل الطبيب بنوع من الإجحاف”.
والجانب الآخر، حسبه، متعلق بظروف عمل الطبيب، ومساره المهني غير المحفز، سواء في القطاع العمومي أو الخاص، وكشف بأن أطباء خواص شاركوا في هذا الامتحان.
وأبرز محدثنا، بأن تحسين مهنة الطبيب، هي مسؤولية مشتركة، بين كل الوزارات، “خاصة وأن نزيف الأدمغة، لا يقتصر على السلك الطبي فقط، فكل سنة يهاجر طلبة من مختلف الاختصاصات الجامعية، وإطارات من مختلف القطاعات” على حد قوله.
ودعا مرابط، الدولة لعدم الوقوف موقف المتفرج أمام ظاهرة نزيف الكفاءات، التي تستفيد منها شعوب أخرى، مُطالبا الحكومة بتخصيص اجتماع طارئ، لهذا الإشكال، مع حضور جمعيات ونقابات تمثل هذا القطاع، ونبحث بصفة استعجالية في الحلول.
الأطباء يهاجرون بحثا عن مستقبل أفضل
وبدوره، اعتبر رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث “فورام” مصطفى خياطي في تصريح لـ”الشروق”، بأن الطلب كبير على الأطباء الجزائريين من مختلف الدول، وبالخصوص من دولة فرنسا ومنذ القدم، وليست بالظاهرة الجديدة.
وعن سبب تفضيل كثير من أطبائنا خاصة المتخصصين، ايجاد فرص عمل بالخارج، قال محدثنا “غالبية الأطباء الجزائريين، لا يلقون الاهتمام الذي يبحثون عنه في منظومتنا الصحية، فمثلا لا يستفيدون من مزايا العمل، ولا يتحصلون على راتب شهري يناسب، ويعكس قيمتهم في المجتمع ومجهودهم الكبير”.
وأكد خياطي، بأن راتب الطبيب الجزائري، يصنف في المرتبة الأخيرة بين رواتب أطباء دول المغرب العربي، رغم كفاءتهم.
وهو ما جعلهم خاصة المتخصصين يفضلون “الهجرة” نحو الخارج، بحثا عن مستقبل أفضل، وعن قيمة واحترام أفضل.