الرأي

هذا‭ ‬القلق‭ ‬الجزائري،‭ ‬داءٌ‭ ‬مُزْمِن،‭ ‬أم‭ ‬حالة‭ ‬مَــَرضِـيَّة‭ ‬ظرفيـة؟‭..‬

علي بن محمد
  • 7815
  • 1

    عندما يلقى الجزائريون أصدقاءهم، سواء من أشقائنا العرب، أو من المتعاملين الغربيين الذين يتـرددون على بـلادنا، ويـزورونها لمختلف الأسباب، منها ما هو تجاري، ومنها ما هو للمشاركة في المؤتمرات والندوات وما شاكلها من الـلقاءات ذات الـتـسميات الكـثيرة، ومنها ما هو لأسباب أخرى لا حصر لها.. فإنه من المعـتاد أن يـسألهم مستقبلوهم من أهل الـبلد ذلك السؤال التـقليدي الذي كثيرا ما يتـخـذونه مجرد وسيـلة »تـقـنـية« لـفتح باب الـكلام، والولوج منه إلى فِـناء دار الأحاديث ذات الـفنون والشـجون، وهو، »كيف وجدتم جزائرنا هـذه المرة؟‭…‬‮«‬

    كان المألوف، من أصدقائهم أولئك، أن يكون منهم الذين يميلون إلى مصارحتهم بما يُـقـلقهم شخصيا من قـبـيح عاداتنا، فيشتكوا لهم من ضراوة البيروقراطية الجزائرية، وتـفـَنـنِها في إبداع العراقيل والمعوقات.. ثم يحكون لهم ألوانا من آخر ما حدث لهم من طرائفها، فيضحكون‭ ‬معهم‭ ‬لغرابتها،‭ ‬وفي‭ ‬الصدور‭ ‬منهم‭ ‬مُضغة‭ ‬تـَنـْزف‭ ‬دمًا‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬وطني‭ ‬يعرفون‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬قـَصُّوه‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬غرائبه‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قطرةًً‭ ‬من‭ ‬بحر‭ ‬زاخر‮!‬‭..‬
 
     ولكنّ فريقا آخر، من أولئك الأصدقاء الضيوف، يفضلون المجاملة والملاطفة، وإن كانوا يعرفون أن أصدقاءهم الجزائريين يعرفون أنهم إنما يـجامـلون، لأن المجاملة طـبع حضاري مـركب فيهم، لا يفارقهم، ولا يفارقونه، إلا في حالات معدودة!.. فلذلك يزعمون لهم أنهم لاحظوا تحسينات لافتة في هذا المجال أو ذاك، كتوفر سيارات الأجرة في المطار ليلا، أو تحسن الإضاءة الليلية في الشوارع الرئيسية للعاصمة، أو ظهور علامات الاهتمام بنظافتها، أو انتشار الكتابة بحروف عربية جميلة على واجهات المحلات التجارية…(كان هذا، طـبـعـا، قبل أن يُـنـْفى الحرف العربي نهائيا، بل ويُعْـدم، من تلك الواجهات، وحتى من واجهات وأوراق الكثير من المقرات الرسمية، ومِن هياكل حافلات النقل العام، التي هي مِلك للشعب، وقد صارت تـُجَلـَّـلُ، من رأسها إلى ذيلها، ومن سطحها إل عجلاتها، برداءٍ إشـهاريّ سابغ، فيه خشونة ظاهرة، وسوء ذوق بَـيِّـن، يُروِّج لبضاعة أجنبية، باللغة الأجنبية وحدها، دون أن يتسلل إلى حَرَمها المَصون حرفٌ عربيّ واحد!!. إن هذا لهو الأمر العجيب. بَيْدَ أن الذي هو أعجب منه، إنما هو أن ذلكم المُنكر لم يعد يثير استنكار أحد!)
    ذاك ما كنا ألفناه من زوارنا منذ سنوات كثيرة، غير أنه بدا، بشكل واضح لنا، ولكثير من رفاقنا، كأن اتجاه كلام ضيوفنا المعتاد قد غير منحاه، في هذه الفترة الأخيرة، دون أن يَهْجُـر السابق من فحواه بصفة كلية.. فقد ترك المجاملون قـدْرا من مجاملاتهم التي عـوّدونا إياها، وترك المشتكون قِـسْما مما دأبوا عليه من حكايات ذلك الوحش الإداري المفترس، وأضحت كثير من ملاحظات هؤلاء وأولئك تلتقي في صعيد واحد مع ما صار يلاحظه كثير من المراقبين الجزائريين لتطور أحـوال المجتمع الجزائري، وهو أن حالة من الـقـلق ترتبط بخوف غامض من مجهول‭ ‬مُـبْهَـم‭ ‬القسمات،‭ ‬آخذة‭ ‬في‭ ‬الانـتـشار‭ ‬بشكل‭ ‬مُطـَّرد،‭ ‬لا‭ ‬تخص‭ ‬طبقة‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬دون‭ ‬أخـرى،‭ ‬ولا‭ ‬فـئة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬دون‭ ‬غيرها،‭ ‬ولا‭ ‬تميّز‭ ‬بين‭ ‬أحوال‭ ‬الناس‭ ‬المادية‭ ‬ومراتبهم‭ ‬في‭ ‬درجات‭ ‬سُلم‭ ‬المجتمع‭..‬
    كان الجزائريون معروفين، على نطاق واسع، عند من يخالطونهم من جيرانهم، ومن زوّارهم، بأن فيهم شـدةً…لا يترددون، أحيانا، في ذكر الاسم الذي يجول بخاطرهم لها، وهو الـعُـنف. والجزائريون أنفسهم، كثيرون منهم لا ينكرون هذه الصفة، على ما فـيها من المبالغة حين تـُعـمّم. ولكنّ الذي صار يَلفِـت الأنظار، ويستوقف الملاحظين، في المدة الأخيرة، هو نوع من القـلق الجديد عليهم. وهو من ذلك النوع الذي يطرأ على الـمرء في ظرف معين، ولا يـكون، عـادة، صفـة ملازمة لصاحبه، لأن المفترض فيه هو أن يزول إذا زالت أسبابه.. وهو لهذا مختلف تماما‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يُـنعَـت‭ ‬بألفاظ‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬هــو‭ ‬
أقـرب‭ ‬إلى‭ ‬العامية‭ ‬حيـن‭ ‬يوصف‭ ‬من‭ ‬ينـفعل‭ ‬بـشدة،‭ ‬ويفـقـد‭ ‬سـريعا‭ ‬وسائل‭ ‬ضبط‮ ‬نفسه‭ ‬ومراقبتها‭.. ‬بأنه‭ ‬إنسان‭ ‬‮»‬مْـقـَـلـَّـقْ‭ ‬‮«‬‭… ‬
    إن حالة »الـقـلـق« هذه التي نتحدث عنها ليست حالة مزاجية عابرة، وإنما هي حالة مَرَضية أخرى، يَعرفها علماء النفس معرفة جيدة، وقد درسوها بالتفصيل، وعرّفوها بدقة، وذكروا كل ما هو وارد من أنواعها المتباينة. ومن التعريفات المتداولة لحالة القلق المرضية هذه، أن »الـقـلق كغيره من العمليات الانـفعالية، له جانب شعوري، وآخر لاشعوري. فأما الجانب الشعوري للـقـلق فيتمثل في النواحي التالية: الخوف، والفـزَع، والشعور بالعجز، والإحساس بالذنب و(مُعاناة) مشاعر التهديد..« وهو إلى جانب هذا »يشتمل على عمليات معقدة، متداخلة، يعمل الكثير منها دون وعي الفرد بها، بمعنى أن الفرد يعاني الخوف، مثلا، دون أن يدرك العـوامل التي تدفعه إلى هذه الحالات.« (عـن د./م. فهمي، في كتابه، الصِّحة النفسية..) وقد قـسّم عالِمُ التحليل النفسي، النمساوي الشهير/ سيكموند فريود،(1856 ـ 1939) ظاهرة الـقلق هذه إلى ثلاثة أنواع، هـي، القلق المَوضوعي، والقلق الـعُصابي، والقلق الخُـلقي. وهو يجعل للقلق العُـصابي، (وهو الذي يهمنا هنا)، ثلاثة أنواع، سمَّى أحدها »القـلـق الـعـام« وهو الذي »يمثل القلق في أدنى صوره؛ إذ إنه غير مرتبط بأي موضوع محدّد. وكل ما هناك أن الفرد يشعـر‭ ‬بحالة‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬الغامض،‭ ‬المنتشر،‭ ‬العام،‭ ‬غير‭ ‬المحدد‮«‬‭ ‬‮(‬السابق‭ ‬نفسه‮)‬‭.‬
    وللقلق العام أعراض نفسية، تظهر جلية في السلوك، ولا يخطِئُها الملاحظ العادي. وهي التي يلخصها علماء النفس عادة في »الخوف الشديد، وتوقع الأذى والمصائب، وعدم القدرة على تركيز الانتباه، والإحساس الدائم بالهزيمة أو توقعها، والعجز، والاكتئاب، وعدم الثقة وانعدام الطمأنينة،‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الهرب‭ ‬عند‭ ‬مواجهة‭ ‬أي‭ ‬موقف‭ ‬من‭ ‬مواقف‭ ‬الحياة‮«‬‭ ‬‮(‬نفسه‮)‬‭. ‬
    يخالجني الآن إحساس عميق بأن الشعب الجزائري لو يُتاح له أن يُعرض، ككتلة واحدة، على نخبة من المحللين النفسانيين، لوجدوا معظم أعراض القلق العُصابي لديه. ولوَجدُوا بصفة خاصة، أن الخوف، والإحساس بالهزيمة، والاكتئاب، وانعدام الثقة في كل شيء، والهروب، لا من مواجهة مشاكل حياتِـيّة لم تعد تـُحْـتمل، بل الهروب من الوطن، وحتى الهروب من الحياة نفسها!. وباءٌ واسع الانتشار. ومن أبرز علاماته ظاهرة ارتـفاع أعـداد المنتحرين، و»الحـراقـة«، وانـتـشار حوادث القتل لأتـفه الأسباب، وما تـنشره الصحف يومـيا من فظائعه الإجرامية المرتكبة في أقرب المقرّبين.. من الوالدَين، إلى الزوجة، أو الزوج، والأولاد، إلى الجد والجدة!. فضلا عما يقع منه فيما بين الشركاء، والزملاء، والجيران.. ولكن هذه الظواهر الفظيعة كلها لا يبدو اليوم أنها تشغل أحدا!. فإذا ما ورد ذكرُها، عَرَضًا، جاء التركيز فيها على تافه الأسباب التي كانت الدافعَ لها. بينما كان الأحْرى، والأجدى، أن تكون تلك التفاهة بالذات هي التي تحْمِل مؤسسات الدولة، والهيئات المنتخبة، والمراكز البحثية المتخصصة، (إن كان لها وجود؟) على دراستها، واستنباط المؤشرات العامة من سياقها وظروف حدوثها، لعلاجها‭ ‬بوصفها‭ ‬ظاهرة‭ ‬ًمجتمعية‭ ‬ـ‭ ‬نفسانية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬حالات‭ ‬فردية‭ ‬متكررة‭ ‬يشار‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬‮»‬أخبار‭ ‬متفرقة‮«‬‭… ‬
  إن الذي يداوم على الاستماع إلى وسائط الاتصال العمومية عندنا يخرج بصورة فردوسية للمعيشة في الجزائر، لا تـُعَكرها، من حين لآخر، إلا »مجازر حوادث الطرقات التي تـتسبب فيها مجموعة من مجانين السياقة المجرمين!« وقد بات راسخا في أذهان حكامنا، وأعوانهم، أنه لن يَرتـَدِع »مجانين السياقة« إلا بقمع من ليسوا بمجانينها، وذلك بمضاعفة الممنوعات، وإخضاع رخص السياقة، وتجديدها، لمزيد من التعقيدات، والمبالغة في طلب الأوراق الضرورية لها.. كل هذا، وأولئك »المجانين« ماضُون في جنونهم وجرائمهم، بشهادة البيانات الرسمية، في زيادة مستمرة‭.‬
    إن أخطر أنواع القلق هي التي تتغلغل في النفس، وتكتسي صورة خوف من شيء غير محدد، ولكنه ذو وجود معنوي كثيف، تكاد تمسكه الأصابع.. وهو شامل تجده، أو تتوجس منه خيفة، في كل مجال يمتد إليه بصرك، وفي كل شيء يتناوله فكرك. وما على المتشكك أو المُكـذب إلا النزول حيث يرى الناس في واقعهم الحي، ويستمع إليهم في أماكن تفاعلهم اليومي مع مطالب معيشتهم. فإذا فتحت باب الحديث مع أي منهم قص عليك من أخبار معاناته، وعرض عليك سيلا من تخوفاته من مستقبل أيامه، في كل مجال.. العمل، التقاعد، راتب التقاعد، المشاكل الصحية، توفر الدواء، المصاريف،‭ ‬انقطاع‭ ‬الماء،‭ ‬فاتورة‭ ‬الكهرباء،‭ ‬جمع‭ ‬القمامة،‮ ‬دراسة‭ ‬الأبناء،‭ ‬تخرجهم،‭ ‬شغلهم،‭ ‬سكنهم،‭ ‬زواجهم‭… ‬
    ويتكلم الإنسان مع ناس من ذوي الأوضاع المختلفة، فتختلف مستويات الحيرة ومجالاتها، ولكنه يحس أن الخيط الناظم لها واحد، وهو يتلخص في فقدان مُـِريع للـثقة! لا تكاد تلمس اطمئنانا عند أحد. القلق يَـعْـمُر حياة الجميع.. الخوف من ذلك الشيء الغامض، المُبْهم، الذي لا تستبين ملامحه بدقائقها لأحد، ولكن فرائص الجميع ترتعد منها. فيهم الشيخ والشاب، المُعْــِوز والـمُـوسِر. مَن هو في الدرجات العليا من السلم، ومن هو في أسفلها، أو من ليس في السلم مطلقا. وفيهم البعيد من السلطة والراكب في قطارها، وحتى من لم يعرف عنه أنه نزل منه أبدا، ولكل واحد مخاوفه، وأسبابه.. وفي المُحَصِّلة، يبدو أن كل الناس غير مطمئنين. ولسائل أن يتساءل، فلمن هي هذه الجزائر إذن؟؟.. على شاكلة قول من قال »كلّ مَن لاقيتُ يشكو حظه … ليت شعري هذه الدنيا لِمن«
‭ ‬    قلت‭ ‬لمتقاعـد،‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الدرجات‭ ‬الرفيعة،‭ ‬في‭ ‬لهجة‭ ‬استفزاز‭ ‬مقصودة،‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تثق‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬كنتَ‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الحاكم‭ ‬فيه؟‭ ‬أجاب‭ ‬ببرودة‭ ‬قاتـلة‮:‬
كيف‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أثـق‭ ‬فـي‭ ‬بلد،‭ ‬تـَعِدنا‭ ‬سلطته‭ ‬بالقضاء‭ ‬على‭ ‬الفـساد،‭ ‬وهو‭ ‬مُـسْتكنّ‭ ‬في‭ ‬الخلايا‭.. ‬ونحن‭ ‬نراها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تمنع‭ ‬المفرقعات‭ ‬وهي‭ ‬تلعْـلِعُ‭ ‬في‭ ‬السماء‭!‬

مقالات ذات صلة