الرأي
مرافعة بأسئلة لا تحتمل الهروب

هذا الخريف ستهاجر اللقالق جنوباً… أمّا غزة فلا تستطيع

لعلى بشطولة
  • 80
  • 0

في كل خريف، تغادر اللقالق البيضاء أوروبا نحو الجنوب. تعبر سماءً أقدم من الحدود التي رسمها البشر تحتها. لا تعرف السيادة، ولا الحواجز، ولا تصاريح العبور. تعرف الريح والماء والمسافة، وتعرف أن الأرض إذا ضاقت بها، واصلت الطيران حتى تجد مكاناً آخر تحط فيه. هذا الخريف ستهاجر اللقالق من جديد. أما غزة فلا تستطيع.

إذا أصبحت الأرض غير صالحة لطائر، غادرها. أما مليونا إنسان تحاصرهم الحرب والحدود والقرارات السياسية، فلا يملكون هذا الامتياز البسيط. لا يستطيعون التحليق فوق حاجز، ولا تجاوز حصار، ولا الرحيل مع الفصول إلى أرض أخرى. من هنا تبدأ هذه المرافعة. لا من الدين، ولا من الهوية، ولا من كراهية شعب، بل من سؤال أبسط وأقسى: من يملك السلطة، وماذا يفعل بها؟ من يقرر؟ من يسلّح؟ من يفرض الوقائع؟ من يحمي؟ ومن يستطيع أن يغيّر شيئاً ثم يختار ألا يفعل؟

وهنا يجب أن يبقى الحد واضحاً: الحكومة ليست شعباً، والجيش ليس عرقاً، والدولة ليست ديناً. B’Tselem إسرائيلية. Yesh Din إسرائيلية. Breaking the Silence أسسها جنود إسرائيليون. وصحفيون ومحامون وناشطون وعائلات أسرى إسرائيليون واجهوا سياسات حكومتهم. هؤلاء ليسوا متهمين في هذه المرافعة. بعضهم شهود فيها. فلنترك إذن الذنب الجماعي جانباً، ولنسأل عن المسؤولية.

إلى الدولة التي تسمي سبعةً وخمسين عاماً «مؤقتة»

كم سنة يحتاج المؤقت حتى يصبح دائماً؟ في 19 يوليو 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن على إسرائيل إنهاءه بأسرع ما يمكن، ووقف الاستيطان الجديد، وإخلاء المستوطنين، وجبر الضرر. كما قررت أن على الدول الأخرى ألا تعترف بالوضع غير القانوني، وألا تساعد على استمراره. لكن الاستيطان استمر. والهدم استمر. والوقائع التي تُزرع في الأرض كل يوم استمرت. إذا لم تكفِ سبعة وخمسون عاماً، فكم نحتاج؟ ستين؟ سبعين؟ ومتى تتوقف المدة عن أن تكون فشلاً دبلوماسياً وتصبح دليلاً على تصميم سياسي؟

إلى «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»

داخل حدود إسرائيل المعترف بها دولياً توجد انتخابات وأحزاب ومحاكم ومؤسسات برلمانية. لكن في الضفة الغربية المحتلة قد يعيش مستوطن إسرائيلي وفلسطيني على بعد مئات الأمتار، بينما يخضع الأول أساساً للقانون المدني الإسرائيلي، ويخضع الثاني للقانون العسكري. الاعتقال، التنقل، البناء، التراخيص، الأرض: حياتان قانونيتان في المكان نفسه. وصفت B’Tselem وHuman Rights Watch وAmnesty International هذه البنية، كل وفق تحليله، بأنها فصل عنصري. إسرائيل ترفض الوصف. حسناً. لكن رفض الاسم لا يمحو الشيء المسمّى. إذا كان «الفصل العنصري» هو المصطلح الخطأ، فما الاسم الصحيح لنظام يعيش فيه شخصان متجاوران تحت قانونين مختلفين لأن أحدهما مستوطن والآخر فلسطيني؟

إلى المستوطنين الذين يسمّون أنفسهم رواداً

تقولون إن العنف عمل متطرفين. فلننظر إلى الحساب. في أكتوبر 2025، سجلت الأمم المتحدة 264 اعتداءً للمستوطنين الإسرائيليين أسفر عن إصابات أو أضرار مادية أو كليهما، وهو أعلى رقم شهري منذ بدء التسجيل المنهجي عام 2006: نحو ثمانية اعتداءات في اليوم. ثم تأتي المحاسبة. وجدت Yesh Din، بعد متابعة امتدت عقدين، أن أكثر من 93 في المائة من ملفات الجرائم الأيديولوجية التي ارتكبها إسرائيليون ضد فلسطينيين أُغلقت بلا لائحة اتهام. القانون لا يُقاس بما يحرّمه على الورق، بل بما يحدث لمن ينتهكه. وعندما تنتهي أكثر من تسعة تحقيقات من كل عشرة بلا اتهام طوال عشرين عاماً، فهل ما زلنا أمام خلل؟ أم أمام بيئة تعلّم فيها المعتدي أن العقاب احتمال بعيد؟

إلى «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم»

تقولون إن عملياتكم تميّز بين المقاتل والمدني. هذا ليس امتيازاً أخلاقياً. إنه واجب قانوني. بحلول 2026 كانت سلطات غزة الصحية تتحدث عن عشرات الآلاف من القتلى، بينهم آلاف الأطفال، فيما وثقت هيئات دولية دماراً كارثياً أصاب البيوت والمستشفيات والمياه والبنية المدنية. تقول إسرائيل إن الأرقام تشمل مقاتلين من حماس. إذن لنسأل بدقة: كم عددهم؟ كيف حُددوا؟ وأين المنهجية والأدلة القابلة للفحص المستقل؟ إذا كان «التمييز» أساس الدفاع، فلا يجوز أن تبقى أدلته خلف الستار.

وفي يونيو 2026، قالت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إن القوات الإسرائيلية قتلت أكثر من عشرين ألف طفل فلسطيني وأصابت أكثر من 44 ألفاً منذ أكتوبر 2023. وذكر عضو اللجنة كريس سيدوتي حالة فتى في الرابعة عشرة أصابته دورية إسرائيلية خارج منزله، في منطقة لم يكن يدور فيها قتال. بقي ينزف على الأرض، بينما ظل الجنود قريبين منه خمسةً وأربعين دقيقة، يتحدثون وبعضهم يدخن، حتى مات. رفضت إسرائيل تقرير اللجنة واتهمته بالتحيز. هذا موقفها. لكن تبقى خمس وأربعون دقيقة تحتاج إلى جواب. إذا كان هذا هو «الجيش الأكثر أخلاقية»، فماذا يفعل الجيش الأقل أخلاقية؟

ثم هناك الجوع. في 2 مارس 2025، أوقفت إسرائيل دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة لأكثر من أحد عشر أسبوعاً قبل استئناف محدود. قالت إن الهدف الضغط على حماس بشأن الأسرى. لكن الضغط لم تتحمله حماس وحدها. تحمله الأطفال والمرضى والحوامل والمستشفيات. والطفل لا يأكل أوراق التفاوض. فماذا كان مطلوباً منه أن يفعل حتى تنجح «الضغوط»؟

إلى من يقول إن «7 أكتوبر يفسر كل شيء»

نعم، حدث 7 أكتوبر. قُتل مدنيون إسرائيليون، واختُطف أشخاص، ودُمّرت عائلات، وارتكبت حماس ومجموعات فلسطينية مسلحة جرائم خطيرة بحق المدنيين وأخذت رهائن. لا شيء هنا يمحو ذلك أو يبرره. لكن لا شيء ارتكبته حماس يستطيع أيضاً أن يجعل ما يحظره القانون على إسرائيل مباحاً. لا توجد في اتفاقيات جنيف مادة اسمها «استثناء 7 أكتوبر». ولا يوجد حزن يلغي حماية المدنيين، ولا رهينة تمنح حق العقاب الجماعي. الجريمة لا تمنح الجريمة التي تأتي بعدها حصانة. وإذا كان القانون لا يُطبّق إلا على عدوك، فهو لم يعد قانوناً. أصبح أداة.

إلى الوزير الذي حوّل نزع الإنسانية إلى سياسة

إيتمار بن غفير ليس صوتاً هامشياً. إنه وزير الأمن القومي الإسرائيلي. في أغسطس 2026، دعا خلال حديث مع الأسير السابق روم براسلافسكي إلى قتل «30 إلى 40» شخصاً في غزة كل ليلة، وتحدث عن أناس «لا يستحقون الحياة» و«ليسوا بشراً»، ودعا إلى تهجير واسع للفلسطينيين وإعادة الاستيطان في غزة. ليس السؤال هل يوافقه كل الإسرائيليين. لا. السؤال: ماذا يجب أن يقول وزير حتى يصبح بقاؤه في الحكومة مستحيلاً؟ إذا لم تكن الدعوة إلى قتل عشرات البشر كل ليلة كافية، فأين الخط الأحمر؟ الإفلات من العقاب لا يحتاج إلى موافقة الجميع. يكفي ألا تترتب عواقب.

إلى واشنطن… حارسة «النظام القائم على القواعد»

تعهدت الولايات المتحدة، في مذكرة المساعدات العسكرية 2019–2028، بـ38 مليار دولار لإسرائيل. وبعد 7 أكتوبر جاءت مساعدات وتسليح وحماية إضافية. ثم أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، في 21 نوفمبر 2024، مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت. اعترضت واشنطن، ومن حقها الاعتراض. لكنها عاقبت أيضاً مسؤولين وقضاة في المحكمة، حتى شملت العقوبات بحلول أغسطس 2026 تسعة من قضاتها الثمانية عشر، بينهم رئيستها توموكو أكاني. وهنا يصبح السؤال قانونياً قبل أن يكون سياسياً: إذا كانت المحكمة مخطئة، فلتُواجَه بالحجة. لماذا يجب أن يصبح الحكم على حليفكم مكلفاً للقاضي نفسه؟ الدولة الواثقة من حجتها تجادل المحكمة. لا تعاقب من يجلس على منصتها.

إلى باريس… «بلد حقوق الإنسان»

اعترفت فرنسا بدولة فلسطين. خطوة ذات معنى، لكن الاعتراف امتحان للاتساق أيضاً. استمرت بعض الصادرات المرتبطة بالقطاع العسكري إلى إسرائيل، مع تأكيد باريس أنها دفاعية أو مخصصة لإعادة التصدير أو متوافقة مع التزاماتها. وكشف تحقيق في 2026 عن أكثر من 525 شحنة لمكونات عسكرية فرنسية إلى شركات دفاع إسرائيلية بين أكتوبر 2023 ومارس 2026. فرنسا ترفض اعتبار ذلك دعماً للعمليات الهجومية. لكن السؤال يبقى: ماذا يعني الاعتراف بدولة إذا بقيت أرضها محتلة، واستمرت العلاقات المادية مع القوة المحتلة في مساراتها العادية؟ هل الاعتراف يحمي قرية؟ يفتح طريقاً؟ يمنع هدماً؟ يطعم طفلاً؟ ومتى يتحول الاعتراف من موقف إلى سياسة؟

إلى من يسمّونهم إخوتهم… ماذا بعد «نندد»؟

ثم نصل إلينا. إلى الحكومات العربية والإسلامية التي تقول عن الفلسطينيين: إخوتنا. نددنا بالقصف. نددنا بالقتل. نددنا بالحصار. نددنا بالاستيطان. نندد. والتنديد أفضل من الصمت. وبعض الدول توسطت، وبعضها أرسل المساعدات، وبعضها اتخذ مواقف حقيقية. لا يجوز إنكار ذلك. لكن بعد غزة أصبح للكلمة سؤال يطاردها: ماذا بعد نندد؟

السؤال ليس للشعوب التي تظاهرت وتبرعت وقاطعت ودعت وطالبت. إنه للحكومات، لأنها تملك ما لا تملكه الشعوب: الدبلوماسية، التجارة، الاستثمار، الطاقة، الأجواء، الموانئ، الاتفاقيات، المؤسسات الدولية، والقدرة الجماعية على جعل العلاقات مشروطة. لا أحد يطالب بالحرب. فالاختيار ليس بين الحرب والصمت. بين الحرب و«نندد» توجد تقريباً كل أدوات الدولة. فاستخدموها.

إذا كانت غزة قضية إخوة حقاً، فأي علاقة أصبحت مشروطة؟ أي اتفاق أُعيد النظر فيه؟ أي امتياز جرى تعليقه؟ وأي كلفة فُرضت حتى يصبح استمرار التدمير أغلى من وقفه؟ الأخوّة التي لا تتجاوز البيان لم تصبح بعد سياسة. والتضامن الذي لا يرتب كلفة على الفاعل يترك الكلفة كلها على الضحية.

وأخيراً… إلى الدولة التي تقول إننا نستهدفها وحدها

لا. لسنا نحاكم اليهود، ولا الإسرائيليين كجماعة. نحن نسأل الدولة، والجيش، والحكومة، والمستوطنات، والداعمين، كلّاً بقدر ما يملك من سلطة ومسؤولية. الحكومة ليست شعباً. الجيش ليس عرقاً. والدين ليس مجلس وزراء. جريمة الإسرائيلي لا تصبح جريمة يهودية، كما أن جريمة حماس لا تصبح جريمة فلسطينية.

وبعد إسقاط الذنب الجماعي لا تصبح القضية أضعف، بل تصبح أدق: دولة، جيش، مستوطنات، قوى دولية، وحكومات تقول إن الفلسطينيين إخوتها. كل طرف يُسأل عما فعل، وعما كان يستطيع أن يفعل، وعما اختار ألا يفعله.

أما اللقالق فلن تسأل أحداً. ستمر هذا الخريف فوق ما بقي من الأرض، ثم تواصل طريقها جنوباً حتى تجد مكاناً يسمح لها بالهبوط. وتحتها سيبقى رجال ونساء وأطفال لا يملكون ممراً إلى الجنوب.

وهنا تنتهي المرافعة، لا بسؤال من أنتم، بل بسؤال أبسط وأثقل:

ماذا أنتم مستعدون أن تفعلوا، بعدما اكتمل هذا القدر من الوقائع؟ وهل سيأتي يوم تصبح فيه لكل هذه الوقائع عاقبة؟

مقالات ذات صلة