الرأي

هذا ما قاله لي حافظ أسرار صدام حسين

عمر أزراج
  • 5319
  • 5

في ذلك اليوم، سافرت من مطار هيثرو إلى مطار عمان الدولي واستغرقت الرحلة ساعات طويلة وكنت خلالها أتساءل مع نفسي: هل ستعيدني السلطات الأردنية من حيث جئت وتحول دون دخولي إلى العراق المحاصر من كل جهة، بعد أن شنّت 32 دولة وفي طليعتها مجموعة من الدول العربية حربا ضروسا على جيشه وأخرجته من الكويت بالقوة، خاصة وأن تلك السلطات نفسها قد رفضت من قبل منحي تأشيرة الدخول لإلقاء محاضرة هناك.

بعد نزول الطائرة، قدمت جواز سفري لشرطة الحدود وختموا عليه إيجابيا وتنفست الصعداء، وعندما وصلت إلى العاصمة عمان استأجرت سيارة لها خلفية واسعة للبضائع، ثم اتجهت مع سائقها إلى أقرب محل تجاري واشتريت المواد الغذائية المتنوعة بما في ذلك عددا من الكيلوغرامات من الحليب المسحوق الخاص بالأطفال وذلك من أجل توزيعها على العائلات الفقيرة المتضررة أكثر من جهنم الحصار المسمى بالدولي.

اتفقت مع السائق الأردني أن يخلق قصة مقبولة لكي أتمكن من تمرير تلك المواد عند وصولنا إلى نقطة التفتيش الأخيرة على الحدود الأردنيةالعراقية فطمأنني، وانطلقت السيارة بنا وكان أمامنا ما لا يقل عن 920 كلم لنقطعها في ذلك الليل المظلم، وفي الطريق إلى بغداد سرق النوم عينيّ فجأة ولم استفق إلا ونحن أمام شرطة الحدود الأردنية. مرّت الأمور بسلام وانطلقنا من جديد لنجد أنفسنا أخيرا داخل الأراضي العراقية. وبعد انتهاء الإجراءات مع شرطة الحدود هناك، قال لي السائق حينذاك إنه أخبر الشرطة الأردنية أنني جئتُ لعقد قران الزواج من شاعرة عراقية، وأن المواد الغذائية والحليب موجّهة لحفل العرس، ولقد أضحكني عندما روى لي أن الشرطي الأردني الذي ختم على جواز سفري علّق على قصته المختَرعة بمزاح قائلا: “الحليب الجزائري أوصى عليه النبيّ وأنه سيسهّل أمور الدنيا مع شاعرته العراقية“.

في الصباح الباكر أشرقت الشمس وبدأت بغداد تقترب منّا، وما هي إلا دقائق حتى كنا أمام باب فندق الميليا منصور، لم أجد في بوابة الفندق إلا رجلا واحدا وفهمت منه بعدئذ أنه يعمل بوزارة الثقافة وجاء خصيصا لترتيب إقامتي بالفندق ومرافقتي لمقابلة وزير الثقافة يوسف حمادي وحافظ أسرار الرئيس صدام حسين، وذلك بعد أن أكون قد قضيت قسطا من النوم.

أنزلنا كميات الغذاء من السيارة وحملناها بأنفسنا إلى غرفة نومي في ثلاثة مراحل، ثم ودّعت السائق الأردني، وعون وزارة الثقافة العراقية. وبعد فترة راحة ونوم، رنّ الهاتف فنزلت إلى البهو فوجدت ذلك الرجل ينتظرني هناك فاتجهنا مباشرة إلى مقر الوزارة، حيث وجدت الوزير حمادي بانتظاري. دخلنا إلى مكتبه بعد انصراف مرافقي وأغلق الباب ثم شرعنا في الحديث الذي استمر ثلاث ساعات كاملة وسجّلته في نسختين واحدة له وأخرى لي ولا أزال أحتفظ بها في أرشيفي إلى يومنا هذا.

كان الحديث بيننا صريحا جدا، أول نقطة في مجرى حديثنا كانت حول التعددية الحزبية التي حجَرها العراق سنوات طويلة الأمر الذي جعلحزب البعثينفرد بكل شيء ما أدى إلى استبعاد الرأي المخالف من الساحة السياسية، وإلى لجوء المعارضة العراقية إلى بلدان أخرى، ثم إلى ارتكاب النظام الحاكم خطأ اجتياح الكويت في ظل غياب المشورة، فضلا عن أخطاء تتعلق بكشف خاصرة الأمن الوطني مثل عرض الصواعق النووية في التلفزيون العراقي أمام مرأى الغرب وإسرائيل.

في تلك اللحظات، قام الوزير يوسف حمادي بفتح درج مكتبه وأخرج منه وثيقة قانون التعدّدية الحزبية الرسمية التي كانت القيادة العراقية تنوي حسب قوله إطلاقها. قرأت الوثيقة كاملة أمامه ثم اقترحت عليه أن أنشرها بسرعة أملاً في أن تبدأ بعد ذلك مرحلة أخرى في التاريخ السياسي العراقي، وفي نفس الوقت أوضحتُ له أن نشر هذه الوثيقة خطوة مهمة ولكنها لا تكفي حيث أنني دعوته إلى الإدلاء بتصريح رسمي بموجبه يتم السماح للمعارضة العراقية في الخارج بالعودة مع ضمان سلامتها، وفتْح الباب للنشاط السياسي التعددي في مناخ يمكن أن يعيد ترتيب البيت العراقي في إطار الحوار يسفر عن حكومة منتخبة لها شرعية تفاوض العالم لتجنيب العراق العدوان عليه مجددا.

وبهذا الخصوص أذكر أن الوزير حمادي قد أوحى لي بدبلوماسية المحترف بأن أمرا بهذا الحجم يحتاج إلى بعض الوقت، ولكنه سلم لي وثيقة قانون التعددية الحزبية الرسمية وأرسلتها بدوري عن طريق الفاكس إلى جريدةالعرب الدوليةونُشرت فورا وهي لا تزال موثقة في أرشيفها.

في تلك الجلسة ذاتها، حدّثني الوزير حمادي عن عدد من الأشخاص العرب، ومن بينهم  إعلاميون ومثقفون، كان شغلهم الشاغل التردّد على بغداد وتحصلوا على البطاقات المخصصة، وكانت أرباح هؤلاء من تلك الصفقات تقدر بملايين الدولارات. وبواسطة تلك البطاقات وطرق أخرى تمّ بيع النفط العراقي بأثمان بخسة وفقا لتلاعبات منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وكانت النتيجة حصول العراق على كمشات من المواد الغذائية بما في ذلك بعض لوازم التعليم منها أقلام الرصاص التي كانت تخضع للتفتيش الدوليالصارمخوفا من استخدامها فيالأغراض العسكرية؟

ونحن نواصل النقاش اقترحت على السيد حمادي أن يعمل العراق قبل فوات الأوان بنصيحة رئيس وزراء بريطانيا السابق، إدوارد هيث، لربط المفاوضات مع الغرب ومجلس الأمن الدولي، حول إخلاء العراق من بقايا أسلحة الدمار الشامل ، بتوقيع مجلس الأمن الدولي على التعهد الرسمي الملزم بتنفيذ العراق لما طُلب منه وبعدم تعرّضه على نحو متزامن للضربة العسكرية أو للاحتلال، وهنا لمست منه الحماس ولكن لا شيء من هذا تحقق فيما بعد. وحسب ما صرح لي الوزير حمادي، فإن الحصار المضروب على العراق هو حصار عربي لأن الغرب ليس له حدود مع العراق، وأن الهدف منه هو تحطيم البنية الاجتماعية والاقتصادية كلية لإلحاق الوهن به ليسهُل غزوه، وهذا ما تحقق فعلا فيما بعد.

 

في اليوم التالي قمت بتوزيع تلك المواد الغذائية التي حملتها معي على عدد من العائلات الأكثر فقرا وعلى بعض الكتاب والأدباء الذين أعلموني أنهم باعوا كل ممتلكاتهم وصرفوها ولم يعد لديهم شيء، وأنهم وأولادهم وزوجاتهم لم يأكلوا منذ أيام واكتفوا بشرب الماء ليحافظوا على حياتهم مؤقتا.

مقالات ذات صلة