هزيمة الصهيونية باستيعاب بني إسرائيل
ليس العربيُ وحده هو من لا يقرأ وإذا قرأ لا يفهم ـ كما يُنسب إلى الصهيوني بن غوريون ـ فقد تصحُّ المقولة أكثر لتوصيف الأوروبي الذي لا يقرأ ما يصرِّح به قادة الكيان الصهيوني وأشهر حاخاماته على مدار الساعة، لأن هذا الكيان الصهيوني الخزري هو في عداء أسطوري تاريخي ـ يقول الحاخامات ـ مع “أمتين”: أمة “إشماعيل” (العرب من أبناء إسماعيل) وأمة “إيدوم” (أبناء عيسو توأم إسحاق) لأن أسطورة “شعب الله المختار” التي يقوم عليها الكيان الصهيوني لا تصلح إلا باستعداء أبناء عمومة بني إسحاق.
مع هذه الخلفية التلمودية للكيان الصهيوني، يمكن فهمُ طبيعة الصراع القائم مع العرب، وما يبشِّر به التلمود وكتب القبالة مثل “الزهار” من صراعات مع إيدوم (الغرب الأوروبي) حتى إنك لا تفاجَأ بخطب على “اليوتوب” لحاخامات وهم يستبشرون خيرا بالحرب القائمة بين العرب من بني إسماعيل والغرب من بني عيسو أو إيدوم، وقد بشر بعضُهم الصهاينة بقرب اندلاع حربٍ شاملة بين بني إسماعيل والأوروبيين من بني عيسو، وأن “المشيخ اليهودي” لن يظهر حتى يُفني العربُ والأوروبيون بعضهم بعضا.
وليس من قبيل الصدفة أن يقدِم نتنياهو على إنهاء مسار أوسلو ولعبة الدولتين في هذا التوقيت بالذات، وأن يشرع في تنفيذ أوسع برنامج لبناء المستوطنات في الضفة منذ توقيع معاهدة أوسلو تحسُّبا لاستيعاب هجرة جماعية ليهود أوروبا كان الكيان قد فشل في تحقيقها على مدار سبعة عقود من وجوده رغم الإغراءات المادية الكبيرة.
لا نعلم يقينا كيف ستتصرَّف النخب والشعوب الغربية مع هذا المخطط الماكر؟ لكننا نحتاج كفلسطينيين إلى مواجهته وإفشاله بيُسر، بدءا بتسريع تفكيك بقايا برنامج أوسلو، وحل السلطة الفلسطينية إدارة وشرطة، وإلقاء أعباء الحالة الاستعمارية على المحتلّ، وكعرب ومسلمين بوسعنا إفشال الجزء الآخر من المخطط بتأطير جالياتنا في أوروبا وصرفها عن الدخول في صِدام عدمي مع المجتمعات والدول الأوروبية.
ما نعلمه يقينا أن الكيان قد دخل مرحلة حرجة يفتقد فيها عامل الزمن، قد تفرض عليه نقل قطعه فوق رقعة الشطرنج بسرعة من غير تفكير وتدبُّر للعواقب، فهو لا يمتلك أكثر من خمس أو ست سنوات قبل أن تنفجر من حوله الألغام التي زرعها في محيطه العربي: مصر والشام، وقبل أن يُفتضح أمام المجتمعات الغربية ككيان راع للحروب الأهلية ولخراب أوروبا، وبوصفه المسؤول الأول عن العمليات الإرهابية التي ينفذها الموساد تحت راياتٍ كاذبة.
على المستوى الفلسطيني، ليس توسُّع رقعة الاستيطان هو ما يهدِّد الفلسطينيين، وقد استوطن المحتلُّ الفرنسي أرضا أوسع من فلسطين، وشعبا أقلَّ نفيرا من الفلسطينيين، ثم اضطرَّ إلى الرحيل، وليس هدمُ المسجد الأقصى هو ما يرعبنا لأن ما يُهدَم اليوم سوف يعاد بناؤه غدا، ولم يعد الكيان يمتلك أدوات قمع انتفاضة ثالثة لا يخرِّبها تناحر الفصائل على الزعامات. ويبقى أكبر معوق أمام تحرير فلسطين هو تردُّد الفلسطينيين حيال واجب التحرُّر من سلطة أوسلو وسلطة كل فصيل يقاتل اليوم على كراسي الإمارات الكارطونية قبل تبنِّي خيار تحرير فلسطين من النهر إلى البحر بطرد الصهيونية واستيعاب أبناء العمومة من بني إسحاق.