الرأي

هكذا تخشع في صومك

سلطان بركاني
  • 626
  • 1
ح.م

ربّما تعجب أخي الصّائم لهذا العنوان، لأنّه ربّما انقدح في ذهنك أنّ الخشوع متعلّق بالصّلاة خاصّة، ولا علاقة له بسائر العبادات الأخرى، وهذا فهم خاطئ تَشرّبه كثير من المسلمين، لأنّ الخشوع واجب ومطلوب في كلّ العبادات؛ في الصّلاة وفي الوضوء وفي الصّيام وفي الذّكر وقراءة القرآن، بل وفي برّ الوالدين وصلة الأرحام؛ فكلّ عبادة يرجو العبد ثوابها عند الله، يُطلب منه أن يستحضر فيها نيته وقلبه، وألاّ يكون حظّه منها ما تأتيه جوارحه.

روى الإمام أحمده في مسنده عن أبي أيوب الأنصاريّ -رضي الله عنه- أنّ رجلا جاء إلى النّبيّ-صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: يا رسول الله، عظني وأوجز، فقال الحبيب عليه الصّلاة والسّلام: “إذا قمْت في صلاتك فصلِّ صلاة مُودّع، ولا تَكَلّم بكلام تعتذر منه غدا، وأجمع اليأس ممّا في أيدي النّاس”.

انظر-أخي الصّائم- كيف دلّ الحبيب المصطفى-صلَّى الله عليه وسلَّم-الرّجل على أهمّ سبب يعين على تحصيل الخشوع في الصّلاة، أن يصلّي صلاة مودّع، بأن يستحضر في نفسه أنّ تلك الصّلاة التي يقوم إليها ربّما تكون آخر صلاة له.. وهذه الوصفة النبويّة، تصلح للعبادات كلّها، وبينها الصّيام، بل إنّ من أنجع الأسباب المعينة على الخشوع في الصيام أن يصوم العبد المؤمن صيام مودّع، بأن يقنع نفسه بأنّ رمضان هذا العام يمكن أن يكون آخر رمضان يصومه، وآخر فرصة له لعتق رقبته من النّار ومغفرة ما تقدّم من ذنوبه.

ربّما يكون العبد المؤمن قدّ صام في هذه الدّنيا أكثر من 20 رمضانًا، لكنّه لا يذكر أنّه عاش روحانية الصيام في تلك الأعوام، بل ربّما يجد للصّيام ثقلا على قلبه ونفسه وجوارحه، ويحسّ بأنّه يصوم لأجل أن يؤدّي فرض الصيام، ويقوم بعض الرّكعات في صلاة القيام، لأنّ النّاس من حوله يقومون.. كلّ هذا لأنّه ربّما لم يخطر على باله أنّه يضيّع أهمّ مطلب من مطالب الصّيام، وهو الخشوع، وفوق ذلك يصوم وفي خلده أنّه لا تزال أمامه سنوات مديدة من عمره، وأنّ رمضان الذي يعتق فيه من النّار وتغفر به ذنوبه التي سلفت، لم يحن بعد!

لو خاطب العبد المؤمن نفسه في الأيام الأولى من رمضان، بل وعند سحور كلّ يوم، أنّ رمضان هذا العام الذي امتنّ الله عليه بإدراكه، ربّما يكون آخر رمضان له في الدّنيا، وأنّه قد مُنح الفرصة الأخيرة له ليكون رمضان شاهدا له عند الله؛ لو فعل العبد المؤمن هذا لوجد اختلافا في قلبه وحاله وفي صيامه.

فاحرص أخي الصّائم على أن تستحضر هذا الشّعور لترى الفرق في خشوع قلبك وروحك وفي إقبال جوارحك على طاعة الله.. صم صيام مودّع، وأبشر بكلّ خير.

مقالات ذات صلة