هكذا يكون المجد حقا.. كلمة وداع للدكتور أبي القاسم سعد الله(1)
تلقت “مؤسسة السننية للدراسات الحضارية ” كما تلقى الجزائريون عامة والنخبة المثقفة منهم خاصة، نبأ وفاة شيخ المؤرخين الجزائريين الأستاذ الدكتور أبي القاسم سعد الله رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى من جنته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، فحزن أعضاؤها كثيرا على ما انقطع بوفاته من علم ومعرفة وقدوة وجهاد رسالي نموذجي، نحن في أمس الحاجة إليه، في مرحلة تتعرض فيها هويتنا الثقافية وأمننا الاجتماعي والحضاري لتحديات كبيرة وخطيرة، ظل رحمه الله يواجهها طيلة حياته، من خلال مرابطته النموذجية في ثغر بناء الوعي التاريخي لأجيال المجتمع، باعتباره الشرط القاعدي الأساس لاستكمال استقلالنا الوطني وحمايته من ناحية، والتخلص من مركبات وعقد الدونية والاستلابية الثقافية والحضارية من ناحية أخرى، والانفتاح الواعي على الثقافات والخبرات العالمية بروح المساهمة والمنافسة من ناحية ثالثة، واستثمار ذلك كله في بناء نهضتنا الحضارية الوطنية من ناحية رابعة.
وإن اختيار الدكتور أبي القاسم سعد الله للمرابطة في هذا العمق الحيوي من الساحة الثقافية، من توفيق الله تعالى له، فقد أحسن رحمه الله تحديد مضغة وأولوية الاهتمام لديه منذ وقت مبكر، عندما ركز جهده على المساهمة في بناء الوعي التاريخي لأجيال المجتمع الجزائري، من خلال العناية بكتابة تاريخ المجتمع الجزائري، وأبدع في ذلك أيما إبداع، وترك لنا ثروة عظيمة لا تقدر بثمن، فهي تقع ضمن دائرة أم الثروات الاستراتيجية، لأنها الثروة التي تساعدنا على معرفة من نحن؟ وما وزننا في التاريخ؟ وما دورنا فيه وواجبنا تجاهه؟ وماذا نملك من مقومات وشروط لأداء هذا الدور؟ وأين أخطأنا وأين أصبنا؟ ولماذا أخطأنا أو أصبنا؟ وكيف تشكل حاضرنا بالصورة التي هو عليها؟
إن الساحة التاريخية بمحتواها الفكري والثقافي والحضاري، كانت ولا زالت وستظل، الميدان الذي دارت وتدور وستدور فيه أقوى معارك المواجهة الفكرية والثقافية والاجتماعية والحضارية بين المشروع الاستعماري الاستئصالي الاستكباري البغيض، أو أي مشروع استضعافي هيمني آخر، وبين المجتمع الجزائري بل ومنطقة الشمالي الإفريقي، أو أي مجتمع آخر ينشد الحرية والعدالة واستقلالية الإرادة الوطنية. ولولا بقايا الوعي التاريخي الذي صمد في وجه المشروع الاستعماري زمنا طويلا (قرنا وأزيد من ثلث قرن)، لتغير وجه التاريخ في هذا الشمال الإفريقي وفي أجزاء واسعة من القارة الإفريقية، كما تغير قبل ذلك في الضفة الجنوبية الغربية للبحر الأبيض المتوسط، في حركة التطهير العرقي والديني التي تعرض لها الوجود الإسلامي فيما كان يعرف بالأندلس.
فالوعي التاريخي السنني الأصيل، محرك أساسا من محركات التاريخ، من أمتلكه من أفراد أو مجتمعات، نمت قواه الذاتية وطموحاته الاجتماعية، واستعصى على الاستلاب والتبعية، وتحررت إرادته الحضارية، وامتلك زمام إمكانه الحضاري، واستقلالية وفعالية فعله الثقافي والاجتماعي والحضاري. ومن افتقده كان عرضة لشتى صنوف الاستلاب والتبعية، ووهنت إرادته الحضارية، وفقد استقلاليته، وعرَّض وجوده للخطر.
فقصور الوعي التاريخي الأصيل، هو الذي جعل، على سبيل المثال، أحد أقطاب النخبة الوطنية في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو فرحات عباس رحمه الله يقول: ” فرنسا هي أنا.. ولو أني اكتشفت وجود الأمة الجزائرية لكنت وطنيا. فالرجال الذين ماتوا من أجل طموحهم الوطني يكرمون يوميا ويحترمون، ولا قيمة لحياتي أكثر من حياتهم، على أني غير مستعد لهذه التضحية، فالجزائر كوطن ليست سوى أسطورة، أنا لم أكتشفه. سألت عنه التاريخ، سألت عنه الأموات والأحياء، زرت المقابر: لم يحدثني عنه أحد .
والوعي التاريخي السنني المتكامل، هو الذي جعل قطبا آخر من أقطاب النخبة الوطنية في نفس الفترة، وهو الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله، يقول مناقشا لفرحات عباس ومسائلا لفئات من النخبة الوطنية التي بدأ وعيها التاريخي يعاني من آثار الاستلاب الثقافي: “لا يا سادتي… إننا نحن فتشنا في صحف التاريخ، وفتشنا في الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا، ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال، ولها وحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها الخاصة وعوائدها وأخلاقها، بما فيها من حسن وقبيح، شأن كل أمة في الدنيا.
ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت. بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج. ولها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة، والذي يشرف على إدارته العليا السيد الوالي العام المعين من قبل الدولة الفرنسية” (آثار الإمام عبد الحميد بن باديس 3 / 308).
وقد كان لهذا الوعي التاريخي الأصيل، الذي كانت تستند إليه مواقف ومبادرات وحركة الأمام عبد الحميد بن باديس وحركة الإصلاح خاصة، وجمهرة الحركة الوطنية عامة، تأثيره المباشر لدى الزعيم الوطني الكبير فرحات عباس، فتجاوز هذا الارتباك في وعيه التاريخي، ليقف وجها لوجه أمام ليل الاستعمار البهيم، ويساهم في فضح بشاعته، وكشف زيف أطروحات الرسالة التحضيرية لفرنسا فيما وراء البحار !
لهذا تمنح الأمم الحية مكانة خاصة للوعي التاريخي، وتجند له أعزَّ ما لديها من العبقريات الفكرية، ومن الإمكانات البشرية والمادية والوسائل الفنية، والشروط القانونية، حتى تنمي هذا الوعي التاريخي في الأجيال، وتحررها من الشعور بالدونية، وتغذي فيها الثقة بالنفس، والاعتزاز بالانتماء، والإحساس بالمسؤولية، وروح المبادرة والمنافسة والمكابدة، من أجل إثبات الوجود وتفعيله ثقافيا واجتماعيا وحضاريا. بل إن بعض المجتمعات الفقيرة في الوعي التاريخي، تلجأ إلى الأساطير والخيال الفني، لتستدرك بعض النقص الذي تعانيه في مجال الوعي التاريخي! لشعورها بما للوعي التاريخي من ثقل تربوي وثقافي واجتماعي وسياسي غير عادي في مجال صناعة النهضة الحضارية والمحافظة على استمراريتها في الوقت نفسه.
من أجل هذا قلت في مطلع هذه الخاطرة، بأن اختيار الدكتور أبي القاسم سعد الله للمرابطة في هذا العمق الحيوي من الساحة الثقافية، هو من توفيق الله تعالى وتكريمه له، ليكون في عداد خالدي الذكر، بما يقدمه من خدمة فكرية وثقافية وتربوية جادة، في إحدى أهم بؤر ومضغ إعادة بناء وتجديد الوعي التاريخي لأجيال المجتمع الجزائري، وتحريرها من نفوذ وسطوة وزيف المدرسة التاريخية الاستعمارية، التي عملت وما تزال تعمل بكل قوة، على إقناع أجيال المجتمع والأمة والعالم، بأن الاستعمار كان يحمل رسالة تحضيرية إنسانية للمجتمع الجزائري ! وأن وجوده قد أنهى فترة الغزو العربي والتسلط التركي ! كما تدل على ذلك محاور مقرر دراسة التاريخ في العهد الاستعماري، التي كانت مصاغة بعناية وحنكة بيداغوجية وسيكولوجية، كما يلي: ( الوجود الروماني، الغزو العربي، التسلط التركي، مجيء الفرنسيين ) (مولود قاسم، أصالية أم انفصالية)! ناهيك عما كان يدور على الساحات المعرفية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأخرى، من معارك شرسة، تتمحور كلها حول ضرب مقومات الوعي التاريخي لأجيال المجتمع الجزائري، وتجريدها من الشعور بذاتيتها الثقافية والحضارية، وتحويلها إلى كتلة غثائية هامشية مسخرة للأعمال والمهام القذرة!
وبمناسبة الإشارة إلى الرسالة التحضيرية التي رفع الاستعمار شعارها، واستباح بها مجتمعات وهتك بها أعراضها، وعبث بمقدراتها، وقصم ظهورها، أثبت هنا مقولة ذات دلالات عميقة على النزعة الاستكبارية المركزية التي كانت تقف وراء “مشروع البتر والإلحاق ” الذي واجهه المجتمع الجزائري طيلة الوجود الاستعماري الفرنسي. هذه المقولة المؤسسة والمغذية للمركزية الاستعلائية الاستكبارية، جاءت في خطاب الكاتب والسياسي الفرنسي العنصري جول فيري في 28 جوان 1885، قال فيه: “أيها السادة، ينبغي أن نتكلم بصوت أعلى وأقوى! ينبغي أن نقول بكل صراحة إن للأعراق العليا حقا على الأعراق الدنيا، قلت إن لها حقا بمعنى أن لها واجبا . أن عليها واجب إدخال الأعراق الدنيا في الحضارة” (سيكولوجية الجماهير /26).
هكذا كان العلم يُسخَّر لخدمة الأغراض الاستعمارية، وهكذا كان العلماء يوظفون عبقرياتهم العلمية، وأوزانهم العلمية والاجتماعية لتغذية روح القهر والتدمير لمجتمعات أخرى، ونهب مقدراتها، باسم واجب إدخال الأعراق الدنيا في الحضارة!
إن ما أنجزه الدكتور سعد الله رحمه الله في مجال إعادة بناء وتجديد الوعي التاريخي لأجيال المجتمع الجزائري، ومواجهة هذه الروح الاستعمارية الاستكبارية، يقع ضمن الثروات الإستراتيجية الحقيقية الخالدة، بل يعد أمًّا لهذه الثروات الإستراتيجية البشرية منها والطبيعة أو الفكرية.. لأن الوعي التاريخي بأبعاده العقدية والفكرية والثقافية والحضارية، هو الذي يمنح أجيال المجتمع عامة، والنخب الفكرية والسياسية والاجتماعية فيه خاصة، البصيرةَ الفكرية والروحية الرسالية الهادية، ويشحذ غيرتها الوطنية، ويرفع مستوى إخلاصها وتفانيها في خدمة الوطن ورعاية مصالحه العليا بكل أمانة.