-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هكذا يكون المجد حقا.. كلمة وداع للدكتور أبي القاسم سعد الله (2)

الشروق أونلاين
  • 2495
  • 1
هكذا يكون المجد حقا.. كلمة وداع للدكتور أبي القاسم سعد الله (2)

وإني أستطيع أن أقول بأن المجتمع الجزائري عانى من قصور الوعي التاريخي حتى بعد مرحلة الاستقلال، فهرعت بعض نخبه مبكرا ذات اليسار نحو الاشتراكية، بل والشيوعية، وذات اليمين نحو الرأسمالية، وباتجاه التلفيقية التي لا لون لها ولا طعم ولا رائحة، إلا رائحة المصالح الفردية أو الفئوية أو الجهوية.. وقد كان لذلك كله الأثر السيئ على مسيرة ومصير النهضة الحضارية الوطنية، التي توفرت الكثير من شروطها المعنوية والنفسية والاجتماعية والسياسية، عبر الإنجاز التاريخي الضخم للثورة الجزائرية الكبرى، والكثير من شروطها المادية، وعبر الثروات الضخمة التي يتوفر عليها المجتمع الجزائري، وعبر الشروط البشرية ممثلة في الاستعداد غير العادي لأجيال المجتمع الجزائري للتضحية من أجل تحقيق النهضة.

إن كل هذه الشروط الاستثنائية للنهضة الحضارية، تبخرت بين أيدينا، بسبب اضطراب وضمور الوعي التاريخي، حتى وصلنا إلى مرحلة نادى فيها بعض طلبتنا: “التاريخ في المزبلة”!؟ وصار الحديث باللغة الوطنية أو ارتداء الأزياء الوطنية منقصة لدى كثير من النخب! والحديث بلغة المستعمر وتقليده في عاداته وتقاليده وأوضاعه، دون حاجة إلى ذلك، حاجة نفسية واجتماعية لدى هؤلاء! وتحول الإسلام ذاته إلى عامل صراع واهتلاك اجتماعي بعد أن كان عامل لحم وتأليف وشحذ للطاقات، ولو دُرست وقُيِّمت مسيرة المجتمع الجزائري بعد الاستقلال، ومصير نهضته الحضارية، من منظور الوعي التاريخي، لتأكد لدينا فعلا مدى مسئولية قصور أو اضطراب الوعي التاريخي عن ذلك كله.

وبمناسبة الحديث عن مركب الدونية والغثائية والإمعية، الذي حرص المشروع الاستعماري على زرعه في أعماق الإنسان والمجتمع الجزائريين، من خلال ضرب وعيهما التاريخي وحرمانهما منه، نذكر بأن الدكتور أبو القاسم سعد، يعطينا نموذجا حيا في هذا المجال عن الأهمية الكبيرة للوعي التاريخي في تحصين الأفراد والمجتمع، وتحقيق توافقهما النفسي، وانسجامهما الاجتماعي.

فهو رحمه الله كان يتقن الإنجليزية، ويعرف الفرنسية والألمانية.. ودرس في الولايات المتحدة حتى نال شهادة الدكتوراه، وانفتح على الثقافة العالمية المعاصرة وآدابها وتياراتها ومناهجها، في سن عمْرية حساسة، وفي مرحلة تاريخية كان العالم فيها يغلي بالأفكار اليسارية واليمينية والتلفيقية، التي جرفت واستوعبت جل النخب الوطنية والعربية والإسلامية.. وحولتها إلى دعاة ومبشرين بها ومجسدين لها في حياتهم الخاصة، وفيما يتاح لهم من مسئوليات ثقافية أو اجتماعية أو سياسية عامة في المجتمع، ومع ذلك لم تستوعبه أي من هذه الثقافات، أو يجرفه أي تيار من هذه التيارات العالمية، شرقية كانت أم غربية، بل ظل جزائريا مسلما خالصا معتقا، أخذ كل ما في هذه الثقافات العالمية من خيرية وبركة، وهضمها واستوعبها جيدا، وأعاد صياغتها على ضوء معطيات المعادلة الثقافية والاجتماعية والحضارية لمجتمعه وأمته، فكان ما قدمه لنفسه ولمجتمعه ولأمته خيرا خالصا بإذن الله.

وإني أرى بأن ما ذكره شاعر الإسلام الكبير محمد إقبال، عن تمكنه من الإفلات من سحر وأسر واستلاب الثقافة الغربية المعاصرة، حينما قال: “لقد كسرت طلسم العصر الحاضر، وأبطلت فكره، التقطت الحبة، وأفلت من شبكة الصياد، يشهد الله أني كنت في ذلك مُقلِّدًا لإبراهيم، فقد خضتُ في هذه النار واثقًا بنفسي، وخرجت منها سليمًا محتفظًا بشخصيتي ” ـ روائع إقبال للندوي ـ. ينطبق على الدكتور سعد الله إلى حد بعيد.

واستكمالا للصورة في عمقها، أرى أنه من المفيد تربويا أن نذكر هنا كذلك، بأن الدكتور سعد الله وهو يقضي جزءا كبيرا من حياته مطلعا على التراث الثقافي الإسلامي، وعلى تياراته الفكرية والسياسية والدعوية.. لم يستوعبه أي تيار من هذه التيارات في المشرق أو في المغرب، ولم ينحاز إلا لما هو أصيل ونافع وداعم لبناء وتجديد الوعي التاريخي للفرد والمجتمع والأمة. لقد كان متوازنا على الصعيد الذاتي، وكان منصفا وموضوعيا إلى حد بعيد على المستوى العلمي والمنهجي، ولذلك فهو يصنف ضمن المدرسة الفكرية الحضارية الجامعة، التي تقوم على الاعتزاز النفسي والفعلي بثوابت الهوية الذاتية للمجتمع والأمة من ناحية، وعلى الانفتاح الفعلي على رشد الخبرة السننية البشرية أينما كانت من ناحية أخرى، وعلى احترام المعادلة الثقافية والاجتماعية للمجتمع الجزائري ومراعاة مصالحها الحيوية من ناحية ثالثة، وعلى روح المنافسة التكاملية بين مكونات المجتمع والأمة على خدمة النهضة الحضارية المنشودة من ناحية ثالثة، وعلى التكاملية الحضارية الإنسانية من ناحية رابعة.

من هنا تتجلى الأهمية الكبيرة للجهد المعرفي التربوي الذي قام به الدكتور أبو القاسم سعد الله في مجال إعادة بناء وتجديد الوعي التاريخي لأجيال المجتمع الجزائري، كما تتجلى كذلك المكانة الكبيرة التي يحتلها هذا الرجل في تاريخ المجتمع الجزائري المعاصر، حتى وإن لم تتح لجهوده الضخمة فرص الانتشار والتعميم المطلوب مرحليا، وحوصر هو نفسه وضيِّق عليه، حتى اضطر إلى الهجرة حفاظا على حياته وكرامته، وحرصا على إتمام مشروعه الثقافي الكبير.

وكعادة الله سبحانه وتعالى في مباركة الجهود المخلصة والتمكين لها، فإن ما قدمه الدكتور سعد الله يلقى قبولا لدى عموم فئات المجتمع، وسيزداد الاهتمام به اتساعا وعمقا مع مرور الزمن. وإنني عندما أرى نماذج من تعليقات أجيال مختلفة في مواقع التواصل الاجتماعي، على وفاته رحمه الله، وكيف غمره من يعرفه ومن لا يعرفه بالدعاء الخالص له بالمغفرة وجزيل الثواب. وعندما أرى واحدا من هذه الأجيال يكتب في تعليقه مخاطبا له: “لأول مرة في حياتي تفيض عيناي دموعاً على إنسان لم أعرفه ولم أسمع عنه حتى هذا اليوم، نعم الرجال أنت يا أبا القاسم”.

وقبل أن أترحم عليك، نرجو منك أن تسامحنا على تقصيرنا وتجاهلنا لشخصية عظيمة مثلك وعدم الاستفادة من كنوزك oussama ـ تقرت، الشروق اليومي:14 . 12 . 2013 . وعندما أرى نوعية من حضروا جنازته، من العلماء والمفكرين والباحثين والأدباء والفنانين وجموع المواطنين، رغم بعد المسافة .

عندما يرى الإنسان كل هذا، ويستحضر ما قيل فيه من شهادات من زملائه وتلامذته وقرائه، والسيل الغامر من الأدعية الصادقة التي ليس وراءها مطامع أو مخاوف، يتأكد فعلا بأن الله تعالى يبارك جهود المخلصين من عباده، ويكتب لها القبول، ويضمن لها الذيوع والانتشار والخلود، وهو كل ما يتوق إليه كل ذي بصيرة في هذه الدنيا، بأن يجعل الله له لسان صدق في الآخرين، كما قال أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام: “وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ”.

وفي التاريخ وعت سيدة مقام أهل العلم عند الله وعند الناس، وأدركت دورهم المحوري في تاريخ المجتمعات الإنسانية، وكانت لها كلمة عظيمة تكتب بحروف من نور في ذاكرة كل إنسان بصفة عامة، وأمام صاحب كل مسئولية وولاية على الناس خاصة، رأيت أن أسوقها بمناسبة وفاة شيخ المؤرخين وأستاذ الأجيال الدكتور أبي القاسم سعد الله رحمه الله، لتعتبر بها الأجيال، وتضع نفسها حيث ينبغي لها أن تكون. فقد كان رحمه الله ممن تنطبق عليهم هذه الكلمة بحق.

روي أن الخليفة هارون الرشيد وعبد الله بن المبارك، قدما من غير اتفاق سابق بينهما، إلى الرقّة، فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتقطّعت النعال، وارتفعت الغَبَرة، من شدة الزحام، والرغبة في طلب العلم، والتبرك بأمير المؤمنين في الحديث: “فأشرفت أمّ ولد أمير المؤمنين من برج الخشب، فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟! قالوا: عالم أهل خراسان قدم الرقة يقال له عبد الله بن المبارك. فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون، الذي لا يجمع الناس إلا بشُرَطٍ وأعوان “!.

وأنا أقول في ختام خاطرتي هاته: هذا والله هو المجد حقا، وليس الملك فحسب، فالمجد سلطان ممتد لا ينقطع، لأنه يرتكز على العلم النافع للأجيال، والمحصِّن لها من التيه والدونية والعدمية التاريخية، وفي السنة النبوية: “مَن سَنَّ سُنَّةً حَسنةً فعمِلَ بِها، كانَ لَهُ أجرُها وَمِثْلُ أجرِ مَن عملَ بِها، لا يَنقُصُ مِن أجورِهِم شيئًا ومن سنَّ سنَّةً سيِّئةً فعملَ بِها، كانَ عليهِ وزرُها وَوِزْرُ مَن عملَ بِها من بعده لا ينقصُ من أوزارِهِم شيئًا” رواه ابن ماجة .

هذا هو الدرس البليغ الذي تستفيده الأجيال من حياة الدكتور أبي القاسم سعد الله، وأن تقتدي به فيه، إن أرادت فعلا أن يكون لها نصيب من المجد الخالد. إن على كل فرد في المجتمع أن يختار المجال الحيوي المناسب له، ويركز جهده عليه، ويذهب بعيدا في الإبداع فيه، وخدمة القضايا والمصالح الحيوية لمجتمعه وأمته من خلاله، بكل إخلاص وصبر ودأب وفعالية واحتسابية.

والأسئلة التربوية الهامة التي أود إنهاء هذه الخاطرة بها، وأرجو من أصدقاء وتلامذة ومحبي الدكتور سعد الله رحمه الله الإجابة عنها هي: كيف اهتدى إلى الاهتمام بهذه المضغة المحورية في الوعي الثقافي: أي الوعي التاريخي؟ خاصة وأنه بدأ أديبا صاحب ملكات وقدرات كبيرة، فكيف فلت من سحر الأدب وسلطانه، وتماهى مع الفن التاريخي ومتاعبه؟ وكيف لم تؤثر فيه الثقافات التي أمتلك زمام أوعيتها اللغوية كالانجليز والفرنسية والألمانية..؟ وكيف حافظ على توازنه الفكري والسلوكي أمام عواصف التيارات اليسارية والليبرالية والتلفيقية؟ من أين جاءته قوة التوازن الفكري والنفسي والسلوكي ؟ هل هذه الأمور خاصة به لا يمكن تكررها؟ أم إنها تتكرر بمعرفة أسبابها وشروطها والأخذ بها؟ كيف نصنع نماذج علمائية وفكرية من هذا الطراز العالي؟ من المسئول عن ذلك؟ ما دور السلطة في ذلك؟ وما دور المجتمع في ذلك؟ وما دور الأسرة في ذلك؟ وما دور الإعلام ورجال المال وغيرهم في ذلك؟ كيف تستمر جهود هذه المدرسة التاريخية الجزائرية على نفس الروح الرسالية العالية، وعلى نفس المنهج العلمي الموضوعي المتوازن؟ 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • سعد

    للاجابة عن اسئلتك اقول بان الوسط العائلي الذي تربي فيه الفقيد ، ومحيطه ،حيث كان بعض اقربائه ذووا مكانة ثقافية مثل الطاهر التليلي وهالي الحفناوي من الايمة المصلحين وكذلك استعداده الفطري، هذه العناصر هي من ساهمت في تكوينه.