-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هكذا ينبغي إدارة الحرب الإعلامية…

هكذا ينبغي إدارة الحرب الإعلامية…

الحرب اليوم بالإضافة إلى ركائزها الثلاث الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية هي إعلامية بامتياز، على جبهة الصراع الفكري قبل أن تكون على ساحات القتال أو التنافس الاقتصادي أو العمل الدبلوماسي… لقد تغيرت تلك المعادلة التقليدية التي كانت تجعل من الإعلام مرافقا للصراع على الجبهات الثلاث ليُصبح هو من يقودها جميعا نحو النصر أو الهزيمة…

بالفعل، تَحدُث الهزيمة اليوم في العقول والنفسيات والإرادات قبل أن تَحدُث في ميدان المعركة العسكرية، وتتم السيطرة على أذواق الناس وصناعة حاجاتهم الاستهلاكية قبل السيطرة على أسواقهم التجارية والانتصار عليهم في المعركة الاقتصادية، وتُحاصَر الهيئات الدبلوماسية للدول بالتقارير والمعلومات المغلوطة والمُعَدة بإِحكام في كُبرى المراكز البحثية قبل أن يتم ذلك في أروقة البعثات أو الهيئات الدولية. ونُهيَأ نحن كمواطنين لمستقبل قادم من خلال أفلام هوليودية مُعدّة بإحكام تصورنا كإرهابيين نُهاجم أكبر قوة في العالم(الأفلام الأمريكية الأخيرة)، أو بواسطة شبكات للتواصل الاجتماعي تتحكم في كل صورة وكلمة نتلقاها لتوجهنا كما تريد نحو تنفيذ السيناريو الذي تريد….

هكذا هي معركة اليوم وهكذا ستكون معركة الغد، وعلينا الانتباه إلى ذلك، وقبل ذلك علينا أن نُدرك أننا لن نعرف الهزيمة في أي من المعارك الرئيسة الثلاث إذا لم ننهزم مسبقا فكريا ونفسيا ولم نُصبِح مستعدين لقبولها، وبالرغم من أننا نمتلك في هذا الجانب رصيدا لا يُستهان به من الخبرة والتجارب والتحصين، إلا أننا في حاجة إلى المزيد إذا أردنا التَّمكن من الانتصار في معاركنا القادمة، ذلك أن المخطط القادم تجاهنا لن يقوم على التحطيم من الخارج بالوسائل التقليدية إنما من الداخل بما استحدث إعلاميا ونفسيا وثقافيا من أدوات تجعلنا نقوم بالتدمير الذاتي ونحن نعتقد أننا نُحسِن صُنعا…

الحرب الإعلامية والنفسية التي تستهدف العقول قبل الأبدان والميدان، لا تقوم باستمرار على الحقائق الكاذبة والمغالطات وبناء السيناريوهات الخيالية، وليست كلها أكاذيب بلا أساس، إنما تستثمر  في شبه الحقائق، وفي تلك المساحة الرمادية الفاصلة بين الواقع والسيناريو المُعد سلفا، لذا علينا أن نبدأ الحرب المضادة من هذه النقطة بالذات: أن نصنع حقائقنا بأنفسنا، وأن لا نُزيف الحقيقة التي نملك بيننا. ليس من مصلحتنا أبدا أن نصف حزبا سياسيا بأنه “يثير الفتنة” لمجرد استقباله لوفد أجنبي في نطاق القوانين والأعراف ونحن نعرف وطنيته وإخلاصه وتجذره في هذا البلد، وليس من حقنا أن نتهم وسيلة إعلامية وطنية أنها في خدمة الأجنبي فقط لأنها اتخذت موقفا لا نرضاه أو كشفت بعض الحقائق التي لا تُريد جهات معينة أن يطلع عليها الرأي العام، كما أنه ليس من حقنا أن نُشكِّك في كل مُعارِض عَبَّر عن رأيه في أخطاء ترتكبها الحكومة أو نَتهم كل شاب خرج للمطالبة ببعض حقوقه سواء أكان طالبا جامعيا أو بطالا بأنه مُحرَّك من قبل اليد الأجنبية…

أبدا ليست هذه هي وسيلة مواجهة الحرب الإعلامية  أو الضغوط النفسية التي نتعرض إليها، مواجهة هذه الحرب ينبغي أن تبدأ بإفشاء روح الثقة بين الحاكم والمحكوم، وفي الاعتراف بأن يكون القانون هو الفاصل بينهما وهو الأعلى فوق الجميع، بعيدا عن كل تخوين أو تخويف من هذا أو ذاك، وبعيدا عن كل لجوء لوسائل التشويه الداخلية المعتَمَدة لتحقيق انتصاراتٍ محلية لن تلبث أن تصب في خدمة الأهداف التي تكون قد حَدَّدتها المخططات الأجنبية الشاملة المُوجَّهة ضدنا.

وقد حدث مثل هذا السيناريو في أكثر من بلد عربي، حيث ما لبثت المطالب المشروعة للشعوب أن تحولت إلى وسائل لتدمير هذه الشعوب ذاتها، والوسائل القمعية المستخدمة ضد هذه الشعوب من قبل الأنظمة الحاكمة إلى أدوات لإضعاف هذه الأنظمة ذاتها، لينتصر في آخر المطاف من تَمكَّن من إدارة المعركة خلف الستار، سواء أكان خلف ستار شبكات التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام التقليدية أو صراع  الفرق واللوبيات والجماعات ذات الطابع الديني والعرقي وذات المصالح  المالية والاقتصادية والعسكرية المتداخلة.

نحن أيضا لسنا الاستثناء الذي سيفلت من هذه المعادلة، ولككنا يُمكن أن نكون كذلك إذا ما انتبهنا إلى  سد ما نعرف من ثغرات أمام ثلاثة مداخل رئيسية:

ـ مدخل الهوية والدين.

ـ مدخل الجبهة الاجتماعية.

ـ مدخل الديمقراطية.

في مدخل الهوية والدين، بالرغم مما امتلكنا من تجربة في هذا الميدان ـ  لمنع أي تسلل من هذا الباب، تبقى الهوية نقطة ضعف كبرى ينبغي علاجها، حيث مازال التشكيك بشأنها قائما، ومازالت المنظومة التربوية غير قادرة على تشكيل الهوية الموحدة للشعب الجزائري، ومازال المجتمع المدني غير قادر على لعب دوره في هذا الميدان، خلافا للدين حيث لا نعيش مشكلة كبرى بيننا كجزائريين تجاهه من حيث التمسك الشديد به، ووجود إجماع شبه تام بيننا على أساس أنه لا يمكن أن ننزل به إلى مستوى الصراع الحزبي أو نحاول من خلاله تبرير هذا السلوك السياسي أو ذاك… لذا فإنه إذا ما كان من مدخل ينبغي تعزيزه في المستقل المباشر هو طبيعة الهوية الجزائرية ومكوناتها وكيفية صقلها من خلال أنسب الوسائل، (المنظومة التربوية، الإعلام، الثقافة…) لمنع أي تلاعب بها أو محاولة تزييف المعركة بشأنها…

وفي المقام الثاني تأتي الجبهة الاجتماعية التي يُعَد التلاعب بمكوناتها أمرا في غاية الخطورة، وبالأخص عندما يتعلق الأمر بالظلم في توزيع الثروة، ذلك الظلم الصانع للفوارق الاجتماعية الكبيرة والمُنتِج للفقر والتهميش، وأيضا بعدم احترام القانون، أو سوء تطبيقه في مختلف المجالات (السكن، الوظيفة، القضاء، الاستثمار…). وكثيرا ما يتجلى هذا في ما نعرفه من أمراض اجتماعية كثيرة كالتسويف المفرط في تحقيق الوعود من قبل المسؤولين والوعود الكاذبة، وتَفشي الفساد والرشوة في أكثر من مستوى، وتزايد مظاهر الغنى الفاحش بما ينتج عنها من إحساس بالقهر الاجتماعي والضغوط النفسية التي كثيرا ما تُستَغل في تحطيم ما بقي متماسكا على مستوى هذه الجبهة.

وأخيرا يبقى مدخل الديمقراطية كثالث باب هش لم نتمكن من تعزيزه بممارسات تمنع عنه الاختراق، إذ مازالت لحد الآن القوانين غير شفافة والانتخابات لا تحظى بثقة كافة الشرائح الاجتماعية، والشعور بأنها الوسيلة الأفضل لانتقاء النخبة التي تقود المجتمع غير مؤكد، مما يُضفي مزيدا من القلق في هذا الجانب بإمكانه أن يكون مادة دسمة للحرب الإعلامية على بلادنا ومدخلا لإلحاق الهزيمة بها في هذا الجانب.

لذا فإنه لا خيار لنا اليوم سوى أن نقف على هذه الثغور الثلاث إذا أردنا حماية أنفسنا من المخاطر القادمة، وأن نسعى لنزع كل ما بها وحولها من ألغام ظاهرة ومستترةـ إذا أردنا الانتصار في الحرب القادمة، وذلك ممكن إذا ما توفرت الإرادة والوعي الكاملين، خاصة وأننا على جبهات الصراع التقليدية الأخرى  مازلنا نمتلك من المقدرات والوسائل  ما يسمح لنا بالصمود أكثر…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!