هل تبتلع الرمال فرنسا؟!
تغوص فرنسا بكلتا قدميها في صحراء الساحل، وبعد حين قد لا يرى منها إلا أياديها تستغيث، فهل من مغيث؟! تجمعت عدة عوامل جعلت من التدخل العسكري الفرنسي في مالي محاولة للانتحار السياسي وسببا فاعلا في انهيار اقتصادي منتظر قد يودي بالدولة الفرنسية ويحدد مكانتها بشكل مضبوط في اطار التحولات الدولية الخطيرة شرقا وغربا.
من أهم هذه العوامل ان الزعامة الفرنسية الحالية تفتقد إلى الكاريزما التاريخية التي ترافق الحملات الاستعمارية والحروب الكبرى التي تخوضها الدول الكبيرة.. ولعل عقدة نابليون التي تطارد كل زعيم فرنسي تقترن بالغزو والدور في الغزو، الأمر الذي يتخيله كل زعيم فرنسي، حيث لا يتصور نفسه الا محاربا وفاتحا لدول وفاتكا بشعوب وأقوام.. يجتمع إلى ذلك انتشار السلاح الفتاك بأيدي كل من سعى إليه وتكلفة الحروب الحالية التي ترهق الخزينة وتعطل مشاريع ويضاف إلى ذلك، انه لا يوجد حماس دولي كاف لإسناد الهدف الفرنسي الذي يسير ضمن سياق العدوان الفرنسي المتواصل على افريقيا ودول الجنوب للسيطرة على مواردها ونهب ثرواتها.
وعلى الجبهة المقابلة فإن اهل الصحراء الأكثر صبرا على مواصلة الحرب والأكثر معرفة بصحرائهم وبكيفية الحرب فيها والمجهول عددهم وعدتهم على وجه الدقة والتحديد.. أن هؤلاء قادرون على جعل الحرب طويلة بما يكفي لتعرية الموقف الفرنسي وبما يعني تماما ان فرنسا غاصت في رمال الصحراء.
من هنا يجيء التكتم على سير المعارك بعد أيام من قصف الطائرات الفرنسية لما أسمته فرنسا أهدافا رئيسية للارهابيين وانعدمت الصور التلفزيونية، واكتفى الصحفيون المرافقون للحملة بالتقارير الموجهة تماما.. ولم تنتظر فرنسا كثيرا حتى أخذت تستنجد بالحلفاء الأوربيين وتحاول توريط القوات الإفريقية بعد أن فشلت في إقحام جيوش المغرب العربي في الحرب.. وفي الأيام الأولى طار هولاند الرئيس الفرنسي إلى الإمارات العربية ليستنجد بها ماليا!! وتساءل كثيرون لم الإمارات العربية؟! يكون قد غاب عن هؤلاء ان فرنسا تمد يدها لتتسول من الإمارات مذكرة لها بفضل فرنسا بإقامة قاعدة عسكرية فرنسية كبيرة وخطيرة على أرض الإمارات “لحمايتها من ايران”.. ولم يبق في جعب الخارجية الفرنسية اي سلاح إلا وقد استخدمته.
الحل السلمي في مالي كان الأولى لإخراج الساحل الصحراوي من مسلسل العنف، اما وقد شنت فرنسا حربها فإن ذلك يعني تعفين المناخ السياسي كله واطلاق رصاصة الرحمة على البقية من الاستقرار في الساحل الصحراوي، وأن المجموعات المسلحة ستجد من المبررات ما يكفي للتجنيد والتجييش وسحب القوات الفرنسية إلى مزيد من التدحرج إلى الأسفل.
من الغريب ان هذه الدول التي تحاول اظهار اكبر قدر من المسئولية داخل حدودها تبدو وكأنها عصابات إجرام خارج الحدود.. فضرب كلب في شوارع باريس يعتبر جريمة تستوجب المحاكمة القاسية وستجد آلاف جمعيات حقوق الحيوان التي ستعقد اجتماعاتها وتصدر بياناتها مذكرة بحقوق الحيوان.. اما القتل المجاني في الصومال والسودان والعراق وافغانستان فلا أحد يسائل الحكومات الفرنسية عن طبيعتها الاستعمارية التي تتملك قياداتها تجاه شعوب الأرض الفقيرة والمقهورة.. اجل كل شيء يتغير في هذه الدول، الا طبيعتها الاستعمارية.. وهذا ما سيحكم على نموذجها الحضاري بالفناء وما سيمنح الفرصة كاملة للمستضعفين كي يوحدوا صفوفهم ضد الطغيان الغربي.