هل تعتمد وزارة التربية التبادل بين الأساتذة بصفة دائمة؟
أدت صيغة التبادل بين الأساتذة، والتي فتحتها وزارة التربية الوطنية، مؤخرا، إلى تمكين الكثير من المربين من الاستفادة من تدابير “التحويل التقليدي” خارج الحركة التنقلية السنوية، حيث ساهمت، باعتبارها آلية عملية بديلة، في تحسين ظروف عمل الآلاف منهم، ومنح التلاميذ تعليماً أكثر استقراراً، وتقليص عدد الغيابات.
كما أعطت هذه الآلية نفسا إضافيا للمؤسسات التربوية التي تعاني من اختلالات في التغطية البيداغوجية، الأمر الذي دفع بأفراد الجماعة التربوية إلى المطالبة بأهمية تحويل هذا التعيين المؤقت إلى صيغة دائمة فوراً، حتى لا يبقى الأستاذ في وضعية “تحت الاختبار” المستمر.
ورغم ما يعانيه هذا الإجراء من نقائص، إلا أن الجميع أجمع على أنه يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، إذا ما دُعم بضمانات قانونية وإدارية أكثر صلابة.
أفادت مصادر “الشروق”، أن المنظومة التربوية تشهد بين الحين والآخر جملة من التدابير التنظيمية الرامية إلى ضمان السير الحسن للمؤسسات التعليمية وتحقيق التوازن بين التوزيع البيداغوجي والموارد البشرية عبر مختلف ولايات الوطن.
ومن أبرزها لجوء الوزارة الوصية إلى اتخاذ قرار يقضي بالترخيص للأساتذة للاستفادة من صيغة التبادل والتحويل التقليدي بينهم، كآلية عملية بديلة، قد ساهمت بدورها وبشكل كبير في تدارك وتصحيح بعض اختلالات الحركة النقلية السنوية التي يجري فتحها سنويا، وسمحت للعديد من الاستقرار قرب عائلاتهم.
وفي هذا الصدد، لفتت مصادرنا إلى أنّ هذه الصيغة، ورغم الإيجابيات العديدة التي حملتها والنتائج المرضية التي أسفرت عنها، تظل مرتبطة بإشكالية إدارية تتعلق بالتعيين المؤقت لمدة سنتين فقط، وهو ما يثير جدلاً واسعاً في الأوساط التربوية بين مؤيد يرى في ذلك حلاً براغماتياً لتسيير الموارد البشرية، وبين معارض يعتبره مساساً بالاستقرار المهني والاجتماعي للأستاذ.
وإلى ذلك، لفتت ذات المصادر إلى أن مبدأ التبادل يقوم بالدرجة الأولى على السماح للأستاذ بالانتقال من ولاية إلى أخرى أو من مؤسسة تربوية إلى مؤسسة أخرى وفق اتفاق ثنائي، غالباً ما يكون برغبة الطرفين وتحت إشراف مصالح مديريات التربية للولايات المختصة.
وبهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بترقية أو إدماج، بل بعملية تنظيمية تراعي ظروف المربي الاجتماعية والعائلية، وتسمح في الوقت ذاته بضبط التوازن في التوزيع عبر الخريطة التربوية الوطنية.
ومن هذا المنطلق، أبرزت المصادر نفسها أن هذه الآلية قد أثبتت نجاعتها خصوصاً في الحالات التي يصعب فيها تلبية رغبات النقل العادية، أو حين تكون المناصب المالية في ولايات معينة مشبعة، بينما ولايات أخرى تعاني خصاصاً حاداً.
وعليه، فالتبادل هنا يمثّل وسيلة للتخفيف من معاناة الأساتذة الذين يضطرون لقطع مئات الكيلومترات يومياً من أجل الالتحاق بمناصبهم المالية، كما يمثّل متنفساً لمديريات التربية للولايات، التي تبحث دوماً عن سدّ العجز في بعض المواد.
هذه إيجابيات مخرجات التبادل
وبناء على ما سبق، أوضحت مصادرنا أنه رغم الجدل، إلا أنّ حصيلة التبادل بين الأساتذة جاءت في الكثير من الحالات إيجابية على أكثر من صعيد، فقد مكنت هذه الصيغة آلاف الأساتذة من الاستقرار قرب عائلاتهم، خاصة النساء اللواتي يواجهن صعوبات جمّة في التنقل اليومي أو العيش بعيداً عن أسرهن.
وانعكس هذا الاستقرار مباشرة على نفسية المربي، وعلى توازنه الاجتماعي، وهو ما ينعكس بدوره على جودة أدائه داخل القسم، وبالتالي تحقيق بعدين في آن واحد اجتماعي وإنساني، تشرح مصادرنا.
بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الآلية من شأنها المساهمة في تحسين المردودية البيداغوجية، ذلك أن الأستاذ لما يشعر بالاستقرار النفسي والاجتماعي، يكون أكثر قدرة على الإبداع في التدريس، وأكثر تفرغاً لمهامه البيداغوجية، في حين أن التبادل قد ساعد في تقليص حالات الغيابات، وخفّف من الإرهاق الناتج عن التنقلات الطويلة، ما قد ينعكس بالإيجاب على نتائج التلاميذ في مختلف المستويات.
وإلى جانب ذلك، فقد مكن التحويل التقليدي مديريات التربية للولايات من تحقيق نوع من التوازن بين الولايات، فإذا كانت بعض الولايات تعاني فائضاً في أساتذة مادة معينة، بينما ولايات أخرى تواجه عجزاً فيها، فإنّ التبادل أتاح إعادة توزيع هذه الموارد البشرية من دون اللجوء إلى مسابقات جديدة أو إلى حلول ترقيعية، استجابة لحاجيات الخريطة التربوية.
وفي مقابل ذلك، فقد ساعدت عمليات التبادل على امتصاص جزء من الاحتياجات الطارئة للمؤسسات التربوية، مما منح الوصاية مهلة أكبر للتخطيط لمسابقات التوظيف الخارجية وفق احتياجات ولائية دقيقة، في حين أضفت الصيغة ذاتها مرونة في التسيير، على خلاف النقل العادي الذي يتطلب وقتاً طويلاً وإجراءات معقدة، فإن التبادل يُنفّذ في آجال معقولة وبإجراءات أقل تعقيداً، وهو ما سمح باستجابة أسرع للانشغالات الملحة.
“التعيين المؤقت” لموسمين.. إشكالية بحاجة إلى حلول
وفي المقابل، ظلّت الإشكالية الأبرز مرتبطة بكون هذا التعيين الناتج عن التبادل يعتبر مؤقتاً لمدة سنتين، على أن يُعاد تثبيت الوضعية بعد ذلك، وعليه، فالأساتذة يعتبرونها مساساً بالاستقرار المهني، إذ أنّ بقاء الوضعية معلقة لمدة عامين يضعهم في حالة من القلق وعدم اليقين، ويجعلهم يتوجسون من إمكانية إعادة تحويلهم أو إلغاء التبادل لأي سبب إداري.
ومن ثمّ، فإن البعد الاجتماعي يتأثر، فالأساتذة الذين غيّروا مقرات إقامتهم واستقروا مع أسرهم يجدون أنفسهم مهددين بالعودة إلى نقطة الصفر بعد سنتين، وهو ما يُضعف من جدوى العملية برمتها.
أما من الناحية الإدارية، تُبرّر الوزارة هذا الشرط بكونه يضمن مرونة التسيير، ويسمح بإعادة تقييم الخريطة التربوية دورياً، فالتعيين المؤقت يمثل بالنسبة لها صمام أمان إداري، يتيح لها إعادة النظر إذا ما طرأت متغيرات كزيادة عدد التلاميذ أو فتح مؤسسات تعليمية جديدة أو إحالات على التقاعد.
وفي مقابل ذلك، اعتبرت الوزارة الوصية أنّ تثبيت التبادل التقليدي منذ البداية، قد يتسبب في خلق مشاكل إضافية على المدى الطويل.
بين جدوى الإجراء وإرادة الإصلاح
وبالاستناد إلى ما سبق، أكدت مصادرنا على أنه من الواضح أنّ صيغة التبادل بين الأساتذة ليست سوى محاولة للتوفيق بين الحاجات البيداغوجية والظروف الاجتماعية، فالمؤسسة التربوية في حاجة إلى موارد بشرية متوازنة، والأستاذ في حاجة إلى استقرار وظيفي وأسري.
لكن، ورغم الإيجابيات الكبيرة، تبقى مدة السنتين المؤقتة عقبة تحتاج إلى مراجعة أو على الأقل إلى ضمانات قانونية أكثر وضوحاً. وبالتالي، طالبت بعض النقابات المستقلة بضرورة تحويل هذا التعيين إلى صيغة دائمة فوراً، حتى لا يبقى الأستاذ في وضعية “تحت الاختبار” المستمر.
واستخلاصا لما سلف، فإنه لا يمكن إنكار أنّ مخرجات التبادل بين الأساتذة، كانت إيجابية على الميدان، سواء على مستوى الاستقرار الاجتماعي للمربين أو على مستوى مردودية المؤسسات التعليمية، فقد ساهمت هذه الصيغة في تقليص العجز، وفي تحسين ظروف عمل آلاف الأساتذة، وفي منح التلاميذ تعليماً أكثر استقراراً.
وعليه، فإنّ نجاح أي إصلاح تربوي يمرّ عبر خلق التوازن بين الإدارة والمربي، وبين البعد الاجتماعي والبعد البيداغوجي. وصيغة التبادل، رغم ما تعانيه من نقائص، تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح إذا ما دُعمت بضمانات قانونية وإدارية أكثر صلابة.