هل تغيرت المعادلة الأمنية في الشرق الأوسط بعد الحرب؟
من أهم نتائج العدوان الأمريكي-الصهيوني على إيران، أنه أكد مكانتها كقطب أساس في الشرق الأوسط بدل محاولة تهميشها أو القضاء عليها.
وعكس ما كان مخططا له، بدل محاولة فرض الكيان الصهيوني كقطب وحيد وقوة مهيمنة في المنطقة من خلال الحرب، كشفت هذه الأخيرة عوراته العديدة وبات واضحا أنه كما يملك نقاط قوة لديه نقاط ضعف، وهو قابل للهزيمة كغيره من القوى القائمة على أسلوب فرض سياسة الأمر الواقع من خلال القوة.
من ناحية أخرى، كشفت هذه الحرب أيضا أنه أصبح لزاما على الدول العربية المشرقية أن تراجع جذريا عقيدتها الأمنية، وأن تُسارع للتشكل في قطب موحّد تقوده دولة مركزية إذا أرادت التأثير في ميزان القوة الإقليمي والتمكن من الدفاع عن نفسها مستقبلا.
لقد أصبح واضحا بعد 40 يوما من التدمير المنهجي لقدرات إيران العسكرية والاقتصادية والمدنية أن الطرف المعادي استخدم كافة ما يملك من وسائل لتحقيق أهدافه باستثناء السلاح النووي. لم تترك الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وسيلة فائقة التطور إلا استخدماها في الأسابيع الماضية.
كانا يريدان بالفعل استسلاما إيرانيا غير مشروط يؤدي إلى الإطاحة بالجمهورية الإسلامية وإحلال نظام آخر موال لهما يقوده ابن شاه إيران الذي أطاحت به الثورة سنة 1979 أو أي طرف آخر شبيه له، إلا أن هذا لم يتحقق، بل عكسه هو الذي أصبح واقعا ملموسا: الجمهورية الإسلامية تعزّزت بمساندة شعبية أكبر، وربحت فوق ذلك ورقة إستراتيجية من الوزن الثقيل في ميزان القوة مع أعدائها لم يعرف العالم قيمتها الحقيقية إلا بعد أن لحقته آثارها الكبيرة عمليا، والأمر هنا يتعلق بمضيق هرمز الذي كان الإيرانيون يراهنون على دوره في المعركة حين يقع الاعتداء عليهم، ولكن العالم لم يتصور حقيقة هذا الدور وأهميته ودرجة تأثيره في الاقتصاد العالمي إلا بعد أن تحوّل إلى جزء من الحرب. وهو اليوم أثمن ورقة إيرانية في المفاوضات الجارية في باكستان.
وهذه الحقيقة بقدر ما باتت تفيد إيران في تعزيز موقفها التفاوضي وفي الدفاع عن مصالحها، كشفت للدول الخليجية أن بناء إستراتيجيتها الأمنية على الخوف من تدمير منشآتها أو حماية نفسها من إيران أقلّ فعالية من بنائها انطلاقا من خوف العالم على المساس بهذه المنشآت ومن آثار تدميرها أو تعطيل تصدير الغاز والبترول بسبب مهاجمة إيران! بل حتى الولايات المتحدة أكبر المنتجين وأكثر المبرّرين لوجودها في المنطقة من أجل حماية مصادر الطاقة العالمية، اضطرّت في آخر المطاف إلى الإعلان عن وقف إطلاق النار والعودة إلى المفاوضات لعلها تعيد ترتيب المعادلة الأمنية في الشرق الأوسط، وإن بدت محاولتها وكأنها تأتي بعد فوات الأوان!
بمعنى أن المعادلة الأمنية تتجه نحو التغير جذريا بعد هذه الحرب، إن في الجوانب العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية ومرتكزاتها ستكون كالتالي:
– الجمهورية الإسلامية الإيرانية أصبحت حقيقة لا يمكن تجاوزها ولا جدوى من التفكير في محاولة الإطاحة بها مستقبلا.
– الردع لن يكون بالضرورة نوويا، ولا حاجة لإيران لتخصيب اليورانيوم لأغراض عسكرية من الآن فصاعدا إن كانت لديها النية سابقا فاليوم لم تعد في حاجة إلى ذلك.
– يبقى مضيق هرمز ورقة كافية لردع أي تهديد اقتصادي أو عسكري.
– ستضطرّ الدول الخليجية إلى بناء قطب دفاعي موحد اعتمادا على قدراتها الذاتية من دون حاجة إلى القواعد العسكرية الأمريكية.
– تحالف دول الخليج سيكون مجديا أكثر مع تركيا وإيران ومصر منه مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
– ستنفتح دول الخليج أكثر على الصين وروسيا لاستباق أي تهديد مستقبلي من إيران بدل الاعتماد على الولايات المتحدة بدرجة كبيرة.
وبهذا يكون العدوان الأخير على إيران، وإن حقق أهدافا تدميرية على الأرض، فإنه بدل أن يغير المعادلة الأمنية في المنطقة لصالح الولايات المتحدة، جعلها تتشكّل موضوعيا ضد هذه الأخيرة وكافة الإشارات إلى حد الآن تشير إلى ذلك.