الرأي

هل حنّون غير معنيّة برسالة الرئيس تبّون؟

بينما كان الجميع يظنّون أن تدخل رئيس الجمهورية، خلال مجلس الوزراء المنعقد بتاريخ 06 سبتمبر الجاري، قد وضع النقاط على الحروف بخصوص الإصلاحات التربوية، ليقطع كل مبررات الجدل التربوي والسياسي والأيديولوجي، عادت لويزة جنون بالساحة الوطنية إلى المربع الأول من النقاش.

قائدة “حزب بلا عمال” منذ نصف قرن من دون تغيير، وإن حاولت الاختفاء وراء قرارات مجلس الوزراء، فإنّ ظهورها السياسي بمنطق الوصيّ على وزير القطاع والمدرسة الجزائرية أصبح يثير تساؤلات محيّرة عن دورها؟ والجهات التي تنطق باسمها في كل مرّة، باعتبارها لا تمثل سوى تشكيلة مجهرية بالمعايير الانتخابيّة؟

حنّون، وفي آخر ندوة صحفية لها، تصف إلغاء الإصلاحات في قطاع التربية الوطنية خلال طوريْ الثانوي والمتوسط فقط من دون الابتدائي، بأنه تطبيق جزئي لقرارات رئيس الجمهورية، وتطالب بتوضيحات حول الحجم الساعي للفرنسية في الطور الأول، مُبديةً قلقها على مخاوف الأساتذة تجاه تقليص تدريسها.

وهنا تتجاوز لويزة موقع الوصيّ غير الشرعيّ على وزارة التربية إلى المحامي غير الموكل للحديث باسم الرئيس تبون نفسه، ناهيك عن انتحال صفة أساتذة اللغة الفرنسية وكل نقابات القطاع!

سنعود قليلا إلى الوراء حتى نستوضح خلفيات تحركات حنون وفريقها الخفيّ، فقد دعت، قبل شهر ونصف، رئيس الجمهورية إلى تأجيل الإصلاح التربوي، مختفية وراء ضرورة “فتح نقاش وطني واسع، بإشراك الخبراء المختصين في البيداغوجيا واللسانيات، والنخب الجامعية بعيداً عن أي خلفيات إيديولوجية”، وفق زعمها المفضوح.

إنّ النقاش المختص، وحتى المؤسساتي والمجتمعي أحيانًا، مطلوب في أي إصلاح قطاعيّ، غير أنّ ما ادعته حنون هو “شعار حق يراد بها باطل ساطع”، بدليل أنه يوم كانت حليفتها الفكريّة، نورية بن غبريط، تعبث بالمنظومة التربوية، إلى درجة التوجه نحو حذف البسملة من الكتب المدرسية والسعي لاعتماد “العاميّة” في لغة التعليم، وتجسيد كوارث ما سميّ بـ”الجيل الثاني”، على سبيل المثال لا الحصر، لم نسمع منها صوتًا للحوار الموسّع، بل دافعت عن تمرير أطروحات الوزيرة، واصفة إيّاها بالكفاءة العالية، مع أنها وقتها كانت “منتحلة صفة معارِضة للنظام”، في تناقض صارخ مع الأخلاقيات السياسيّة، لكن إذا حضرت الأيديولوجية سقطت كل القيم في عقيدة التروتسكيّين الماديّين.

ثم إننا نعرف من هم هؤلاء الخبراء الذين تقصدهم حنون (أغلبهم كانوا فرنسيّين في عهد بن غبريط)، إذ أنّ كبيرهم أحمد تسّة، وهو عيّنة مكشوفة عن شرذمة العرّابين لأجل مدرسة تغريبيّة فرونكوفيليّة، أيديولوجي حتى النخاع في الدفاع عن مقارباته، وسنقتبس لكم في هذه السانحة فقرات من حواره الأخير مع موقع إلكتروني وطني، لتحكموا بأنفسكم عن منطق تفكيره ورؤيته لمخالفيه.

يقول تسّة في حقّ المتبنّين لزحزحة مكانة الفرنسية في الجزائر “ما يشغلهم هو الإقصاء التام للغة الفرنسية من المنظومة المدرسية بأكملها، وليس من الطور الابتدائي فحسب. وها هم بعض السياسيين ذوي التوجّه الوهّابي يتحدثون عن إزالة هذه اللغة من التعليم المتوسط”.

وفي موضع آخر يصرح: “ما كان لمشكلة اللغات أن تُطرح في الجزائر أصلًا لو توفّر شرطان، أولهما وضع حدّ حازم للمناورات الأيديولوجية، ذات الأغراض السياسية، والتي يقوم بها ممثلو التيار الوهّابي الدولي في الجزائر”.

وهذا يعني أن “الدعاية المناهضة للغة الفرنسية لم تتوقف، وهي تصدر عن البالغين: بعض الأولياء، وبعض المعلمين، وأفراد من مهن أخرى، من بينهم وسائل إعلام ناشطة وأحزاب سياسية ذات توجه وهّابي”، برأي تسّة دائمًا.

ما يعني في منظور الخبير غير الجدير، أنّكم، أيّها المنادون بالانفتاح على الإنجليزية بوصفها لغة العلم والعالم، لستمْ سوى وهابيّين، يا له من اكتشاف تربوي خارق من مختص مارق!

وعوْد على بدء في السؤال أعلاه، نتساءل في استغراب: هل حنّون غير معنيّة برسالة الرئيس تبّون، علما أنه أمر، خلال ترؤسه اجتماع مجلس الوزراء المذكور سالفًا، بإبعاد المؤسسة التربوية عن كل التيارات الإيديولوجية والصراعات السياسية، ليبقى النقاش داخل القطاع بيداغوجيّا محضًا.

في تقديرنا الخاصّ، فإنّ وزير التربية محمد الصغير سعداوي لم يقحم المدرسة في أي صراع مقصود ضمن بيان مجلس الوزراء، بل مارس فقط مهامه التنفيذية، على المستوى الإجرائي التقني، في إطار رؤية رئيس الجمهورية نفسه، بخصوص خيار الانتقال اللغوي نحو الإنجليزية.

ومع ذلك، فقد سارع الرجل إلى توجيه مصالحه نحو التنفيذ الفوري والدقيق لتوجيهات الرئيس، وفي مقدمتها حماية الفضاء التربوي من التجاذبات السياسية، ومظاهر التطرف، والعنف الفكري، ثم إلغاء التعديلات الخاصة بمرحلتي التعليم الثانوي العام والتكنولوجي والمتوسط للموسم 2026-2027.

لذلك، فإن رسالة مجلس الوزراء كانت موجهة بالأساس إلى أحزاب مفلسة وقيادات فاشلة، فقدت حضورها الشعبي والسياسيّ، فراحتْ تركب ظهر المدرسة لتسجيل مكاسب سياسيّة وأيديولوجيّة خارج إرادة الأغلبية، والتي يمثلها حصريًّا، من الناحية الدستورية، رئيس الجمهورية، باعتباره منتخبًا عنها، إلا إذا كانت حنون ورفاقها في تيّار الأقلية، لا تقرّ عمليًّا بشرعيّة الرئيس تبون، مُحاولةً في كلّ مرة الضغط على الرئاسة والوزارة لفرض أجندات اللوبي الخفيّ!

لقد اختار رئيس الجمهورية، التزامًا بتنفيذ برنامجه الانتخابي، التوجّه التدريجي نحو اللغة الانجليزيّة، وفق رؤيّة علميّة مدروسة في التعليم العام والجامعي. لذلك، فإن الصراخ والتشويش القائم الآن ليس معارضة لفلان أو علاّن في واقع الحال، بل سيؤول في نهاية المطاف إلى مصادمة لقرار الرئيس الشرعي المجسد لخيار الأغلبية الشعبيّة، فلماذا تصمّ حنون آذانها عن الرسالة الرئاسيّة بتحييد المدرسة عن لعبتهم القذرة؟ وتصرّ على أداء دور الناطق الحزبي باسم أقليّة الخفافيش؟

ينبغي التذكير في الختام أن حنون صوبت سهامها الحاقدة مبكرًا على سعداوي، لكونه رأس حربة حاليًّا في مشروع المدرسة الوطنية، يوم رمتْه زورًا بدعم مترشحين وتوجيه النقابات خلال تشريعيات 02 جويلية 2026، لكن الوزير المترفع تنازل عن دعواه القضائية في حقها.

مقالات ذات صلة