هل ستكون قسنطينة عاصمة للثقافة الإسلامية قريبا؟
عندما ودّعت مدينة تلمسان، تظاهرة عاصمة الثقافة الإسلامية، زعم القائمون على التظاهرة، بأن الثقافة في عاصمة الزيانيين لن تتوقف بنهاية زمان العرس، وستستغل المدينة المنشآت الثقافية التي تم إنجازها لتكون قطبا ثقافيا كبيرا على الأقل على المستوى الوطني، ولكن السنوات التي تلت التظاهرة التي صرفت فيها الدولة على الحدث الثقافي فقط رقما فلكيا فاق الـ1400 مليار، أبان بأن التظاهرة من دون صدى، بدليل السبات الثقافي الشتوي والصيفي، الذي تعيشه عاصمة الزيانيين منذ نهاية تظاهرتها الثقافية في عام 2012.
لا يوجد في تلمسان أي مهرجان سينمائي أو غنائي أو مسرحي يضاهي على الأقل المهرجانات التي تعيشها المدن المغربية المجاورة لتلمسان، وأشدّ المتفائلين لن يصدّق كل الوعود التي تهاطلت على قسنطينة في الفترة الأخيرة بأن تعيش الحدث الثقافي على مدار السنوات القادمة، وكان آخرها ما قاله الوزير عز الدين ميهوبي في الندوة الصحفية التي عقدها صباح الأحد في قاعة العروض الكبرى أحمد باي بعد نهاية التظاهرة الثقافية العربية التي تشرفت باستقبالها قسنطينة .
سخروا منه بتمثال لا يشبهه وفيلم في “الوقت الضائع”؟
أول عمل إعلامي قام به الشيخ عبد الحميد بن باديس عام 1924 كصحافي في يومية النجاح التي كانت تصدر في قسنطينة، كان بإمضاء القسنطيني، وهو الاسم الذي اختاره ابن قسنطينة عبد الحميد بن باديس لنفسه، وهو المنتمي للمدينة ومن أعرق العائلات في عاصمة الصخر العتيق على الإطلاق، ففيها ولد وفيها تعلم وعلّم ومات ودُفن، وكان يفترض أن يكون فيها العريس الأول في أهم تظاهرة عرفتها المدينة في تاريخها، ولكن الرجل ظل مُغيبا.
وكما قال الدكتور عبد العزيز فيلالي للشروق اليومي، فإن مؤسسة بن باديس هي التي أنقذت الرجل في تظاهرة مدينته من خلال نشاطات أنهاها التكريم الذي خصّت به الشروق اليومي عائلة رائد النهضة الفكرية الجزائرية وبعثت باقتراح من الأستاذ الهادي الحسني جائزة وطنية باسم العلامة تعنى بالفكر، فقد بدأت التظاهرة بمهزلة لا أحد فهم جرأة الذين تورطوا فيها، من خلال وضع تمثال لشيخ هرم لا يشبه الشيخ ابن باديس إطلاقا، مصنوعا من مادة رديئة وبحجم صغير أمام أيدي الأطفال، وبدلا من تكريم الشيخ تمت إهانته بطريقة وحشية وهمجية، فتبادل رواد الفايسبوك لأول مرة صور الشيخ عبد الحميد بن باديس وهو يحمل سيجارة مرة، وأخرى زجاجة عصير، إلى أن تحركت الضمائر وعائلة الشيخ، وأوقفت المهزلة وتم نزع التمثال، ومرّت السنة الثقافية وابن باديس غريب في أزقتها كما كان غريبا منذ وفاته، فاسمه العلمي الكبير لم يطلق على أي صرح علمي كبير في المدينة، إذ اختير في السابق اسم منتوري لجامعة قسنطينة، والأمير عبد القادر للجامعة الإسلامية.
وانتهت التظاهرة بإعلان مشروع مازال على الورق لمسلسل عن الشيخ ابن باديس، وإذا كان شقيق الشيخ السيد عبد الحق وكان ممرضه في أيام مرضه الثلاثة الأخيرة، قد أعرب للشروق اليومي عن عدم استشارته، فإن المسلسل سيثير بالتأكيد جدلا كبيرا عندما يتم بثه، لأن في حياة الشيخ الخاصة الكثير من نقاط الظل، خاصة في قضية زواجه وطلاقة ومقتل ابنه ووفاته المبكرة، وتعوّل عائلة الشيخ ومؤسسة ابن باديس، في أن تكون الجائزة الكبرى للشيخ التي اقترحتها مؤسسة الشروق اليومي، احتفالا دائما بابن باديس وتظاهرة من دون انقطاع سيشارك فيها كل الجزائريين ومن مختلف الأعمار برائد النهضة الفكرية الجزائرية.
مستغانمي ..الغائب الأكبر رغم الثلاثية والمسلسل العربي
لم يسبق للروائية الجزائرية، أحلام مستغانمي وأن عاشت حملة عداء وليس نقد، مثل التي تعرضت لها على مدار سنة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية، تزامنا مع اقتحامها عالم الجوائز في بريطانيا، التي ظلت حكرا على الأدباء المصريين، على أساس التواجد القوي للجالية الأدبية المصرية في لندن، حيث طعن الناقد الأدبي محمود الغيطاني الروائية الجزائرية في الظهر، ولم تجد الروائية درعا جزائريا يحميها، بل إن هذا الناقد حاول وربما استطاع استمالة بعض الجزائريين، عندما قال بأن أحلام مستغانمي ليس من حقها أن تتحدث باسم الجزائريين بسبب وجود عدد كبير من المبدعين في عالم الأدب من الجزائريين الذين هم أكثر كفاءة وإبداعا منها – حسبه – وهو ما دعّم مقولة المدافعين عن أحلام مستغانمي، بكون هذه الحملة المصرية يقود فيلقها ناقد ويشيّعها جنود من الصامتين.
واكتفت الروائية في حديث تعليقي للشروق اليومي، حول الحملة التي تشنها أطراف مصرية، بتجاهلها، لأن الردّ – حسبها – سيمنح مهاجمها فسحة من الشهرة ما كان ليحققها بأعماله الأدبية، ولكنها على صفحتها على الفايسبوك ردّت من دون ذكر الأسماء، بالقول “بأنها مدينة لأعدائها بكثير من نجاحاتها، ودعت الله أن يحفظهم ويبقيهم ذخرا لها للأعوام المقبلة، لأن الأديب الذي لا أعداء له سيء الحظ، ولا يمتلك وقود التحدي”، وانتظر عشاق الثلاثية الحالمة وصول أحلام إلى قسنطينة في استراحة محاربة لا تستقر ساعة حتى تطير ساعات من بلاد إلى أخرى، ولكن السنة مرت، وبلغت عقارب ساعة الاختتام نهايتها، وغابت أحلام كمساهمة في التظاهرة الثقافية أو كرئيسة شرفية أو حتى كضيفة في بيتها، وعندما تغيب أحسن روائية جزائرية وعربية عن تظاهرة ثقافية جزائرية عربية في مدينتها التي أهدتها ثلاثيتها ومسلسل عربي من إبداع المخرج الكبير نجدت أنزور، فإن الحديث عن الرواية في قسنطينة 2015 سيكون كالباحث عن قطرة حبر، في صخور قسنطينة، ويبقى ردّ أحلام عندما قالت للشروق اليومي، بأنها ستزور قسنطينة بعد نهاية التظاهرة كما كانت تزورها دائما قبل التظاهرة، فيه مفاتيح الإجابة عن سبب غياب أحلام مستغانمي عن عرس قسنطينة الثقافي.. الذي لن يتكرر.
بن تركي: بإمكان قسنطينة أن تكون عاصمة الثقافة الإسلامية
لم يكن لخضر بن تركي، مدير ديوان الثقافة والإعلام خلال استضافته في فوروم الشروق اليومي قبل أيام، وحده من لاحظ كثرة المحيطين حول قصعة تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية، والكارثة الكبرى أنهم من مسيري الشأن الثقافي القسنطيني، وجميعهم من دون استثناء دخلوا المدينة مؤخرا ولا يعرفون شيئا عن تراثها، ورأوها مالا فقط، ونجحوا في بعض الأحيان في إفشال التظاهرة إلى درجة أن بعض الأمسيات الشعرية والحفلات الكلاسيكية الراقية جرت أمام مقاعد شاغرة، ومن المؤسف أن قسنطينة التي استضافت فريد الأطرش في عام 1952 ووردة الجزائرية قبل شهرتها في عام 1958 وعبد الحليم حافظ عام 1963 وتغنّى بها مارسيل خليفة ووديع الصافي وتمنى كاظم الساهر كما تمنى مؤخرا وليد توفيق تصوير كليب أمام جسورها الساحرة، تعجز خلال سنة كاملة وهي عاصمة للثقافة العربية من استضافة إلا النادر من كبار الفنانين.
ولأن المدينة حققت إنجازات كبيرة من قاعات استقبال وفنادق، من المفروض أن تجعل الديوان مستقبلا يجعلها من أوائل المدن التي يتذكرها كلما سنحت فرصة تقديم عروض ثقافية راقية، وتساءل لخضر بن تركي بلسان المقترح والمتمني، لماذا لا تحتضن قسنطينة قريبا تظاهرة عاصمة الثقافة الإفريقية أو عاصمة الثقافة المتوسطية، وخاصة عاصمة الثقافة الإسلامية، لأن المدينة أنجبت أكبر شخصيتين إسلاميتين في العالم، وهما الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد نهضتها، والمفكر العالمي مالك بن نبي، وتملك حاليا كل المقومات لتحقيق ذلك، ليس خدمة للمدينة فقط وإنما للجزائر، وكل المدن العالمية التي استضافت مختلف التظاهرات الثقافية وتلقبّت بعواصم قارية أو إقليمية للثقافة من بروكسل إلى بيونس آيرس، لا تحتاج للمال الكثير، وإنما للفعل الثقافي والإرادة بين المسؤول على الثقافة والشعب المتلقي، ولا أحد يظن بأن مدينة صفاقس التونسية التي سلمتها قسنطينة في 16 أفريل الحالي، مشعل الثقافة العربية ستتحول إلى ورشة لاستقبال الضيوف وتصرف الملايير ويطمع فيها الطامعون كما حدث لقسنطينة وقبلها تلمسان والجزائر العاصمة.
لماذا غاب أصدقاء الجزائر الكبار عن التظاهرة؟
بالرغم من بعض المحاولات التي أطلت بها بعض الشخصيات، خلال التظاهرة من أجل وضع كبار المدينة في الصورة، كما اجتهد الدكتور عبد الله بوخلخال عميد جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية السابق، مع المفكر الكبير مالك بن نبي، وكما فعل آخرون مع المبدعين كاتب ياسين ومالك حداد، إلا أن هذه الاجتهادات بقيت مبتورة، لأن فكر مالك بن نبي مثلا يحتاج إلى ملتقيات دولية كبرى، ومازال للأسف سكان المدينة يجهلون ما قدمه كاتب ياسين أو مالك حداد، فما بالك بموانئ بقية المدن.
أما أغرب ما حدث في التظاهرة فهو تجاهل أصدقاء الجزائر الحقيقيين الذين أحبوا الجزائر وقسنطينة وعملوا للقضية الجزائرية في السابق ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وعلى رأس هؤلاء الشاعر السوري الراحل سليمان العيسى الذي قدم على مدار أكثر من نصف قرن قصائد ودواوين من وحي الثورة الجزائرية، وبقي شاعرا للجزائر بامتياز إلى أن توفي، وما زاد في تهميش الشاعر الكبير عدم تنظيم أسبوع ثقافي سوري خلال التظاهرة لأسباب بقيت مربوطة بالوضع الأمني السيء في سوريا، كما غابت الفنانة المصرية الكبيرة ماجدة التي مثلت دور جميلة بوحيرد خلال الثورة ومكّنت من الإشهار للثورة الجزائرية.
وكان بعض المهتمين بالشأن الثقافي قد اقترحوا لقاء في قسنطينة بين الممثلة المصرية ماجدة والمناضلة جميلة بوحيرد، ولكن لا شيء تحقق وحضرت بوسي وصفية العمري وحتى إلهام شاهين التي شتمت الجزائر، وغابت ماجدة التي مجّدت الجزائر، كما تم توجيه الدعوة للعشرات من الصحافيين المصريين الذي غطوا بالخصوص مهرجان الفيلم العربي المتوّج، وغاب كبار الإعلاميين من أصدقاء الجزائر ومنهم على وجه الخصوص الإعلامي الكبير الدكتور علاء صادق الذي ظلّ يقول كلمة حق كلما تعلق الأمر بشأن جزائري، أو مظلمة تعرضت لها الجزائر، وعندما زار قسنطينة منذ سنتين نشر صورا كثيرة لجسورها على صفحته الشهيرة على الفايسبوك، ولم يقتصر الأمر على الأشخاص، بل على الدول، حيث شاركت في التظاهرة دول غير عربية مثل أمريكا وفرنسا وإيطاليا، وغابت دول كثيرة معروف بأنها صديقة دائمة للجزائر.
الملحمة، تكريم وردة، البوغي ونصير شمة.. نقاط ضوء
وعود كثيرة تبخرت مع مرور أيام التظاهرة، وأهمها معرض الكتاب العربي واستضافة مهرجان دمشق السينمائي الدولي بالرغم من أن السوريين هم من طلبوا من المسؤولين على التظاهرة إنقاذ المهرجان، ولكن مهزلة انعدام قاعات السينما وقبر مشروع قصر المعارض بخّر هذه الوعود، ومع ذلك قدمت تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية بعض النقاط المضيئة، كان أهمها عودة المسرح الجهوي للنشاط بشكل يومي، خاصة عندما استضاف مهرجان الفيلم العربي المتوج، في حضور كمّ هائل من كبار السينما العربية على أمل أن يُرسم هذا المهرجان بشكل دائم في قسنطينة.
كما كان مسك الختام تقديم المخرج علي عيساوي العرض الأول لفيلم “البوغي” الذي أرّخ لقصة من ذاكرة المدينة رواها الكبار وتغنى بها الفنانون، حيث ينتظر أهل المدينة بشغف برمجته في القاعات القليلة، بيقينهم بأن التقاء عيساوي بممثلي المدينة المعروفين من العادة أن يعطي عملا ناجحا شعبيا، أما أنجح الحفلات الفنية إضافة إلى حفلة ماجدة الرومي وخالد، فكانت حفلة تكريم السيدة وردة الجزائرية، التي أحدثت حالة طوارئ في المدينة وسافر عشاق وردة من كل بقاع الوطن ونجح صابر الرباعي ومحمد عساف ووائل جسار وديانا كرازون ويوسفي توفيق والآخرون في ربط جسر ذاكرة فني، بين الراحلة وردة وتظاهرة عاصمة الثقافة العربية، في المدينة التي شهدت أول حفلة لوردة رفقة الممثل الذي كان عازف عود الراحل الفنان الذي غادرنا منذ ثلاث سنوات سيد علي كويرات، كما حضر التظاهرة الثقافية عازف العود الأول في العالم العراقي نصير شمة الذي سبق له وأن أسّس لبيت العود العربي في قسنطينة منذ عشر سنوات كثاني بيت عود في العالم العربي بعد بيت العود في القاهرة، ومازال هذا البيت ينتظر التفاتة من وزير الثقافة الحالي عزالدين ميهوبي، بعد أن أخلفت الوزيرة السابقة خليدة تومي وعودها.
وبقي في ذاكرة القسنطينيين ملحمة سيرتا التي شدتهم وطالبوا بإعادة برمجتها، ولو بعد نهاية التظاهرة، بما حملته من صور باهرة شدّت الكبار والصغار الذين سافروا زمنا ومكانا في تاريخ قسنطينة، أما القول بأن التظاهرة مرّت مثل لا شيء ولم تقدم شيئا للمدينة فذاك إجحاف، ويبقى السؤال الكبير الذي ستعطي الأيام القادمة الإجابة عنه، هو كيف سيكون حال الثقافة بعد نهاية التظاهرة، وهل ستحقق الوثبة الثقافية المأمولة أو على الأقل تعيد المدينة العلمية والتاريخية إلى مجدها الثقافي والسياحي، أم أن السنة كانت مجرد هدر للمال العام؟



