-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل سقط العثمانيون؟!

صالح عوض
  • 2440
  • 0
هل سقط العثمانيون؟!
ح. م
الرئيس التركي رجب طيب اردوغان

دوي هز المنطقة، بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية في تركيا.. وتصدرت العناوين المثيرة نشرات الأخبار عبر وسائل الإعلام العربية والدولية المختلفة تدور جميعها حول سقوط المشروع العثماني وتراجع أحلام أردوغان وانقلاب في السياسة الخارجية التركية نحو مشكلات متعددة، وكلام آخر عن مستقبل غامض لأردوغان وقيادات حزبه، شبيه بتلك التي منيت بها حركة الإخوان المسلمين في مصر، وكلام عن مصير مشابه لمرسي…

ما الذي حدث بالضبط؟ وما حجم الانهيار الحقيقي الحاصل في جبهة أردوغان؟ وأي أثر سيلحق بالمستقبل السياسي لـالعدالة والتنمية؟ وبالإضافة إلى هذا، هناك أسئلة عديدة عن مستقبل العمل الإسلامي السياسي في المنطقة؟ وما هي آثار نتائج الانتخابات التركية عليه؟

يبدو أن كثيرا من المتحدثين أو السياسيين يقومون بعملية ثأر وانتقام وتربص فيما هم يتحدثون عن عملية سياسية هي الانتخابات، وطغت دوافعهم النفسية على منهج تحليلهم وتقييمهم، فأصبحنا نسمع أمنيات أكثر من تفسيرات.. أصبحنا نواجَه بسيل من الدعايات الإعلامية ولم نقرأ كلاما منصفا يشرح أبعاد المشهد وكيفية تشكله.. وهذه ملاحظة أولية لابد من تسجيلها وهي تكشف أي مستوى تقرأ السياسة في بلداننا.

مما لاشك فيه أن الانتخابات التركية تتمتع بمصداقية عالية وشفافية قلّ نظيرها، وهذا مكسب مهم يشير إلى حرص حكومةالعدالة والتنميةعلى تكريس عملية التداول السلمي للسلطة وحمايتها، ثم لابد من إلقاء نظرة على الخريطة الانتخابية، حيث تبرز بوضوح قوى جديدة في المشهد أحدثت اختراقا للمتوقع؛ بمعنى أن القائمة الكردية وحّدت إلى حد بعيد أصوات الناخبين الأكراد الذين حصدوا أكثر من سبعين مقعدا في البرلمان ولأول مرة في تاريخ البلد، هذا بالإضافة إلى اصطفافات طائفية ضدالعدالة والتنمية“.. ورغم كل الإنجازات الاقتصادية المعتبرة التي تحققت في ظل حكم أردوغان، إلا أن الانتخابات البرلمانية سجّلت تراجعا لقائمته يحرمها من التفرد بتشكيل حكومة.

من غير الوارد أن تكون السياسة التركية الخارجية هي التي أثرت بقوة في النتائج الانتخابية.. صحيحٌ قد تكون مادة تشهير بيد الأحزاب المعارضة وتستغلها للتشهير بمواقفالعدالة والتنمية، إلا أنها مادة دعائية ليست أكثر، فكل القوى الأخرى في الساحة التركية ذات صلة عميقة بإسرائيل، ولها علاقات وثيقة مع الغرب، وهي تعزز توجه تركيا غربا. وزيادة على ذلك، فهي تروّج لقطيعة ثقافية وحضارية مع العرب، ولعل هذا البُعد هو أكثر الأسباب في عداوتها لـالعدالة والتنميةوخصومتها إلى درجة الاقصاء.

أجل، إن الانتخابات التركية تجيء في مرحلة انحسار المد الإخوانيالحليف الطبيعي للعدالة والتنميةفي المنطقة العربية بعد أن حمله الربيع العربي إلى سدة الحكم في مصر وتونس والمغرب وليبيا.. وصحيحٌ أن المد الإخواني يعاني اليوم في كيفية الخروج من مضيق خطير قد يدفعه إلى الخلف عشرات السنين إن لم يحسن التصرّف في التعامل مع التطورات؛ ففي مصر أسقط حكمُ الإخوان وزُج بعشرات الآلاف منهم في السجون، وشرد عشرات الآلاف وتلاحقهم محاكمات بأحكام مبالغ فيها ومستعجلة تطال قياداتهم بعد أن فقدوا كل مواقعهم الرسمية والاجتماعية وأصبحوا حركةإرهابية“.. وفي تونس أدى سوء الإدارة لـالنهضةوتخبّطها بين المصالح الحزبية واستحقاقات المرحلة الثورية، إلى تراجعها ولم ينقذها إلا الروح التونسية البراغماتية التي دفعتها لاستشعار الخطر، فانسحبت من مواقع الصدارة، ولكنها لاتزال تعاني من عجزها عن المحافظة على ما منحتها الجماهير مؤخرا.. وفي ليبيا أصبح الإخوان جزءا من الأزمة بوعي منهم وبلا وعي، وكملحق لنتائج الانهيار الإخواني في مصر تضرر وضعهم في تركيبة الخريطة السياسية بليبيا كثيرا ولم يعد وجودهم في الخريطة السياسية مقبولا لدى الجارة الكبيرة مصر.. وفي المغرب لم تكن الحكومة الإسلامية سوى ممرّ مناسب للدولة المغربية للهروب من الربيع العربي ولإنجاز كل المخطط الملكي والتغطية على المتنفذين الحقيقيين في البلاد.. وفي سوى تلك الديار لم يكن حال التيار الإخواني الذي أنعشه الربيع العربي بأحسن.

هذه هي أوضاع التيار الإخواني في المنطقة العربية والذي كان أردوغان يستمد منه مسوغات طموحه ومبررات خطابه عالي الوتيرة. ولعل أردوغان رغم كل ما يتحلى به من كاريزما القيادة والقدرة على المبادرة، أصابه بعض دوار الانتشاء إبان الربيع العربي، فأصبح وطاقمه منهمكاً في وضع صيغ للإقليم، يغريه في ذلك رضى الأمريكان بانزياح معظم الحكام الذين زكمت الأنوف مفاسدهم وأصبح وجودهم مدعاة للفوضى والتوتر الذي قد ينفلت ويصب في يد قوة منظمة توجهه إلى فعل حضاري مضاد.. إلا أن الأمريكان وحلفاءهم وسوء إدارة الإخوان للحكم وعدم فهمهم لاشتراطات السلطة وصلابة قوة الدولة العميقة، اجتمع لإحداث الانقلاب الدراماتيكي في الأوضاع، وكادت الموجة العاتية تطال أردوغان نفسه عندما تم تحريك قوى اجتماعية هامشية في منطقةتقسيمباسطمبول، إلا أن حزمه في المعالجة أجّل المواجهة ودفع إلى تغيير أدواتها.. ورغم كل ما أوتي الرجل من قوّة ونباهة وروح عالية وهمة واضحة نحو إعادة صياغة قوانين الخريطة السياسية، إلا أنه وقع في سوء تقدير لحقيقة التيار الإخواني على صعيد تكوينه السياسي وقدرته على التحكم في إدارة الأمور، بل لعل أردوغان كان معجبا بتقدّمه السريع.

رغم أن حزب أردوغان حصل على أعلى الأصوات وله أكثر تمثيل بالبرلمان إلا أن الآخرين، اعتبروا أنه هزم وانهار، وهذا الخطاب المعارض يعبّر بوضوح عن روح إقصائية غير ديمقراطية لدى تلك الأحزاب وتلك القوى الإقليمية التي تتناول الموضوع بروح التشفي الجاهل.

إنها ضربة وجهت لحزبالعدالة والتنمية، ولكنها ليست مميتة، ولعل الحزب بما يتمتع به من قدرات فائقة لحشد الشعب من خلال أسلوبه الخدماتي، ومن خلال تجذره في الشارع التركي بعد أن فتح الباب واسعا لاستعادة الهوية وإحياء التراث، أصبح وجوده في الشارع ليس بمثابة تيار سياسي، بل بمثابة ممثل ومدافع عن الهوية العثمانية وباعث احتمال نهضة الحلف العثماني والذي تجني منه تركيا مكاسب اقتصادية وسياسية عديدة.. كان الأولى بالمتشفين أن يطالبوا أردوغان بتقييم سياساته وتعديلها لصالح استقرار المنطقة، لأن هذا أنجى للجميع.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!