الرأي

هل سيقودنا تدريس العامية إلى العصرنة؟

عمر أزراج
  • 2542
  • 0

خلال هذا الأسبوع تداولت وسائل الإعلامية الوطنية تصريحا ملفتا للنظر ومثيرا للقلق صدر عن مسؤول كبير بوزارة التربية الوطنية بدرجة مفتش عام، أكد فيه أن اللهجة العربية الدارجة سوف تدرّس ويدرّس بها في التعليم التحضيري والابتدائي ابتداء من الموسم الدراسي القادم، ولكن وزيرة التربية السيدة نورية بن غبريط كذّبت أول أمس هذا الخبر واعتبرته مجرد “إشاعة”، غير أنها لم تعلن صراحة أن هذا المشروع لن ينفذ ولن يكون له مكان في المنظومة التعليمية ببلادنا.

في هذا السياق تابعت ردودا كثيرة منشورة في الصحافة الوطنية وفي شبكات التواصل الاجتماعي ترفض جميعا العمل بالعربية الدارجة في مدارسنا، وفي طليعتها رد جمعية المسلمين الجزائريين التي تعتبر نفسها حارسة اللسان العربي عندنا، 

ويلاحظ أن التبرير المقدم من طرف هذا المسؤول التربوي بوزارة التربية لتسويغ إحلال العربية الدارجة محل اللغة العربية الفصحى في التعليم التحضيري والابتدائي يتمثل في هذه العبارات المقتضبة جدا التي نطق بها هكذاالكثير من التلاميذ لا يحسنون إلا لهجتهم التي تعلموها في المنزل، وجراء ذلك فإنتعليم اللغة العربية الفصحى سيتم تدريجيا، وأنهلابد من تكامل بين لغة الأم وبين اللغة الفصحى، ويجب أن يتعلم التلميذ في مرحلة أولى اللغات الجزائرية“.

 ولكي تخفف وزارة التربية الصدمة، أو تقسيم الشارع الوطني حول هذه المسألة، فإنها قد صرحت أيضا وعلى لسان مفتش عام آخر أناللغة الأمازيغية ستعمّم انطلاقا من السنة الدراسية القادمة على 20 ولاية عبر القطر الجزائريدون أن يسمي هذه الولايات، بطبيعة الحال لم يذكر مسؤولو هذه الوزارة ماذا سيفعلون باللغات الأجنبية مثل اللغة الفرنسية واللغة الانجليزية؟ وهل ستدرسان أيضا في الطور الابتدائي  كلغات دارجة جنبا إلى جنب ما يسمى بـاللغات الجزائرية الدارجة؟ أم أنها ستدرّسان كلغتين فصيحتين وتنفردان بالامتياز؟ 

من الملاحظ أيضا أن هذا التصريح المثير للجدل قد تمخّض عن أعمال الندوة التي انعقدت الأسبوع الماضي تحت إشراف ورعاية وزيرة التربية الوطنية، مما لاشك فيه أن مصير اللغة العربية، واللغة الأمازيغية باعتبارهما لغتين وطنيتين، وفقا للدستور، يجب أن لا يقرره نفرٌ من المفتشين والمربين والمسؤولين لا يتجاوز عددهم 100 شخص مهما كانت نياتهم حسنة أو كانت نظرياتهم ذات طابع بيداغوجي علمي تبرر بهذا الشكل أو ذاك تطبيق مثل هذا المشروع، وقبل عرضه على الرأي العام المدني والأحزاب والمؤسسات التشريعية لإشباعه درسا وتمحيصا وتحليلا، ومن ثم اتخاذ الإجراءات القانونية الملائمة بشأنه دون تجاوز الارادة الشعبية مهما كان الأمر.

ومن غرائب الأمور أن الجهات المعنية والمسؤولة مباشرةعن الشرعية القانونية  والسياسية واللغوية لأي إجراء يتخذ رسميامثل رئاسة الجمهورية، والمجلس الأعلى للغة العربية، والبرلمان، ومجلس الأمة، والمجلس الإسلامي الأعلى بقيت صامتة حتى الآن، ولم تتدخل فورا لتحسم هذه القضية ولإعادة الأمور إلى نصابها، إلى جانب ذلك، فإن التعليقات والمداخلات التي نشرت هنا وهناك قد اكتفت جميعا بمعارضة إحلال العربية الدارجة محل العربية الفصحى بدعوى أن مثل هذا الإجراء هو تهديد لركن من أركان الهوية الوطنية، ولكن أصحابها لم يتجاوزوا ذلك إلى فتح نقاش فكري علمي واسع حول المشكلة اللغوية في الجزائر، وحول عدم قدرة لهجات العربية الدارجة على أن تكون لغة العلوم التجريدية، ولغة الإدارة ذات التقنيات الدقيقة، والفلسفة ومصطلحاتها ومفاهيمها الأكثر تجريدا، والآداب والفنون الرفيعة وشتى أشكال ومضامين الثقافة العالمة المتطورة

 في هذا السياق، لابد من التذكير بأن اللهجات الدارجة في الجزائر كثيرة، وهذا يعني  أن تعليم العربية الدارجة نفسه لن يكون موحدا وأن الأجيال الجزائرية القادمة ستصبح جزرا لغوية دارجة متفرقة ومتنافرة لا يجمعها جامع، ويعني هذا أيضا أن الهويات اللغوية لتلاميذنا ستصبح هوياتدارجة، كما أن التخاطب فيما بينهم سوف يحتاج إلى مترجمين متنقلين بالملايين يوميا، وبذلك تكون بلادناسباقةورائدةفي خلق شعوب جديدة تتكلم لهجات لا صلة ببعضها البعض.

ثم ما هو المقصود باللغة الأم؟ وهل اللهجات الدارجة بالعربية التي تتكلمها الأمهات الجزائريات (نسبة كبيرة منهن أميات) في مختلف القرى والمدن في شرق وشمال وغرب وجنوب ووسط الوطن ستمهد فعلا باتجاه ترقية منظومتنا التربوية وتأسيس وتعميم لغات العلم، والإدارة، والفكر والآداب والفنون الراقية؟ إن الجواب على هذا السؤال هو: لا، لأن هذه اللهجات العربية المستعمَلة ليست سوى إرث ثقيل لسلاسل مراحل الاستعمار الأجنبي بما في ذلك مرحلة الاستعمار الفرنسي الذي حرم الجزائريين والجزائريات من تعلم اللغة العربية، واللغة الأمازيغية على مدى قرن واثنين ثلاثين سنة، وبذلك فرضت على مجتمعنا الاعاقة اللغوية التي تعد مظهرا جوهريا للتخلف

من المعروف أيضا أن اللهجات الأمازيغية في الجزائر متعددة ومختلفة مفردات ونطقا،  وأنه لحد الآن لم تفعل الدولة الجزائرية بما في ذلك دعاة الأمازيغية شيئا يذكر لتوحيدها، وترقيتها، وترسيم الحروف الموحدة التي تكتب بها لتصبح لغة راقية تستوعب وتنتج الفكر والعلم والثقافة العالمة، إن هدر مثل هذه الفرصة الثمينة ستضاف، مع الأسف، إلى ركام الفرص الكثيرة الأخرى الضائعة منّا

أليس جديرا بنا أن نستثمر مثل هذه الفرصة لنشرع في مناقشة وتحليل قضايا المنظومة التعليمية الكبرى، بدلا من اجترار مسائل لا طائل من ورائها في الوقت الذي نجد فيه التعليم الابتدائي في الدول الراقية يعامل كمرحلة مبكرة تتأسس فيها تقاليد صنع ثقافة التنمية المتطورة، والديمقراطية، والفاعلية الفكرية والعقل العصري؟ لماذا تأخرنا عن تخصيب الحوار المنتج حول المحاور الكبرى مثل كيف تبني اللغة الهوية، والديمقراطية والوعي النقدي، وبناء العقل العلمي النظري والعملي الفاعل، وكيف تصنع الشخصية الوطنية القاعدية وغيرها من أمهات القضايا؟

هوامش:

* اللهجات الدارجة في الجزائر كثيرة، وهذا يعني أن تعليم العربية الدارجة نفسه لن يكون موحدا، وأن الأجيال الجزائرية القادمة ستصبح جزرا لغوية دارجة متفرقة ومتنافرة لا يجمعها جامع، ويعني هذا أيضا أن الهويات اللغوية لتلاميذنا ستصبح هوياتدارجة، كما أن التخاطب فيما بينهم سوف يحتاج إلى مترجمين متنقلين  بالملايين يوميا، وبذلك تكون بلادناسباقةورائدةفي خلق شعوب جديدة تتكلم لهجات لا صلة ببعضها البعض.

مقالات ذات صلة