الرأي

هل شككّت العولمة المسلمين في‮ ‬إسلامهم؟‮!‬

حمزة يدوغي
  • 1650
  • 0

إن القرن العشرين‮ ‬يكاد‮ ‬يمثل وحده نصف عمر البشرية بالنظر إلى‭ ‬كثافة أحداثه وسرعة تطورها وتقدمه المذهل في‮ ‬مجال العلوم التكنولوجية والكشوف العلمية،‮ ‬ولعل ما حدث في‮ ‬العقود الثلاثة الأخيرة وحدها لا نجد له مثيلا من حيث حجم التحولات الكبرى‭ ‬التي‮ ‬حدثت في‮ ‬شبكة العلاقات المعقدة التي‮ ‬طبعت حياة المجتمعات بعضها مع بعض بفعل الثورة المعلوماتية وضغوط العولمة التي‮ ‬تسببت في‮ ‬تداخل الثقافات والخصوصيات الحضارية،‮ ‬وكذا من حيث التحوّل المذهل الذي‮ ‬حدث في‮ ‬مستوى الفكر البشري‮ ‬برمته،‮ ‬فقد اهتز مفهوم الزمان والمكان واضطربت الموازين والمقاييس،‮ ‬مما جعل المفكرين في‮ ‬المشرق والمغرب على‭ ‬حد سواء‭ ‬يدقون ناقوس الخطر ويؤكدون أن الذي‮ ‬يحتاجه عالمنا اليوم القائم على”التطور الكمي‮ ‬والعنف‮” ‬ليس مزيدا من القوة والقدرة على‭ ‬تسخير الكون والطبيعة،‮ ‬وإنما الذي‮ ‬يحتاجه هو‮ “‬تجديد صلته بوحي‮ ‬السماء‮” ‬واستناده إلى‭ ‬مرجعية دينية صحيحة‮ ‬يستمد منها منظومة قيم روحية وأخلاقية‮.‬

إن الفراغ‮ ‬العقيدي‮ ‬الذي‮ ‬تعانيه الحضارة المادية المعاصرة قد‮ ‬يعود بالبشرية إلى‭ ‬عهود الظلام والجهل،‮ ‬فقد تغذى خيال‮ “‬التوجس الكارثي‮” ‬عند الإنسان اليوم،‮ ‬أيّا ما كان موقعه في‮ ‬الكرة الأرضية لأنه أصبح‮ ‬يحس إحساسا عميقا بأن نعمة هذا التقدم العلمي‮ ‬التكنولوجي‮ ‬قد تنقلب إلى‭ ‬نقمة لأنه‮ “‬انفلت‮” ‬من‮ ‬يد الإنسان وأفقده إنسانيته،

إن هذا الوضع الحضاري‮ ‬العام إذا كان قد أورث العالم كله اضطرابا شديدا فإنه قد أورث المسلمين اضطرابا أشد أفقدهم الثقفة في‮ ‬أنفسهم وأصبحت طاقتهم موزعة بين الحفاظ على‭ ‬مكوناتهم الذاتية ومقومات شخصيتهم،‮ ‬باعتبارهم كيانا حضاريا متميزا وبين ضغوط الواقع المحكوم بمنظور الحضارة المعاصرة المهيمنة،‮ ‬وهم في‮ ‬كل ذلك تراهم مكرهين مضطرين أحيانا ومنبهرين منساقين أحيانا كثيرة‮! ‬لقد اهتزت ثقة المسلمين بأنفسهم بعد أن شككتهم ضغوط العولمة في‮ ‬مقومات شخصيتهم الحضارية،‮ ‬بل وخوّفتهم من دينهم ومن شريعة دينهم،‮ ‬مما جعلهم‮ ‬يعيشون نوعا من التيه والضياع لاهتزاز مرجعتيهم الدينية والحضارية بفعل تأثير الاستلاب الفكري‮ ‬الذي‮ ‬أفرز ظاهرة‮ ‬غريبة حقا تشكل تحديا للفكر الإسلامي‮ ‬ومطالبة له بإيجاد تفسير لها ألا وهي‮ ‬ظاهرة‮ “‬الإسلاموفوبيا‮”‬،‮ ‬فبعد أن كان مرض‮ “‬الخوف من الإسلام‮” ‬مقصورا على الغربيين أصبح اليوم مرضا‮ ‬يعانيه بعض المسلمين أنفسهم ممن اقتنعوا بأن الخروج من التخلف مرهون كله باتباع نهج الحضارة الغربية الذي‮ ‬يقوم على‭ ‬مبادئ مقدسة ثلاثة لا تقبل الانفصال،‮ ‬هي‮ ‬إطلاق الحرية للعقل لكي‮ ‬ينشط بلا حدود،‮ ‬واستقلال الفرد وتمكينه من ممارسة حرياته بلا حدود،‮ ‬والفصل التام بين الزمني‮ ‬والروحي‮ ‬وكل ذلك بقيادة‮ “‬الفكر الوضعي‮”‬،‮ ‬لكن الذي‮ ‬يغيب حتى عن بعض مثقفينا أن الفكر الوضعي‮ ‬هو نفسه دين،‮ ‬لأن هذا الفكر الذي‮ ‬يسمونه‮ “‬الفكر الحر‮” ‬إنما‮ ‬ينطلق في‮ ‬أسسه من الدين اليهودي‮ ‬والمسيحي،‮ ‬أي‮ ‬من رؤية لم تتحرر من إرث العداء التاريخي‮ ‬القديم للدين الإسلامي،‮ ‬فمن الطبيعي‮ ‬إذن أن‮ ‬يعمل هذا الفكر الوضعي‮ ‬اليوم من أجل‮ “‬تنفير‮” ‬المسلمين من الإسلام وتشكيكهم فيه وإقناعهم بضرورة التخلي‮ ‬عنه،‮ ‬وتبني‮ ‬ما‮ ‬يسميه‮ “‬القيم العالمية‮” ‬والقوانين الدولية بالمفهوم الغربي‮ ‬طبعا،‮ ‬الذي‮ ‬يسعى إلى‭ ‬تشكيل ملامح عالم جديد تغيب معه كلية معاني‮ ‬التمايز الحضاري‮ ‬أو الخصوصيات الثقافية أو مقومات الشخصية والهوية لتحل محلها ثقافة عالمية موحدة هي‮ ‬الثقافة الغربية القائمة على‭ ‬الفلسفة المادية الاستهلاكية التي‮ “‬تشيّئ‮” ‬الإنسان في‮ ‬عالم قائم على‭ ‬التنافس المحموم الذي‮ ‬لا مجال فيه للقيم الإنسانية‮ ..‬الروحية والأخلاقية

إن مشكلة المسلمين أمام هذا الوضع الحضاري‮ ‬المعقد أنهم لم‮ ‬يتجاوزوا موقف‮ “‬الانفعال‮” ‬إلى‭ ‬المبادرة والفعل،‮ ‬فهم‮ ‬يستهلكون نتاج هذه الحضارة وينتفعون بثمار منجزاتها دون أن‮ ‬يرتقوا إلى‭ ‬مستوى الفكر الذي‮ ‬حققها،‮ ‬وفي‮ ‬الوقت نفسه‮ ‬يعانون من ضغوط هذه الحضارة ومشكلاتها وتناقضاتها وكأنها قدر محتوم لا‮ ‬يمكن معارضته‮.‬

لذلك نقول إن المفكرين المسلمين هم المدعوون إلى‭ ‬توّحدهم وتوسيع دائرة اجتهادهم للتفكير في‮ ‬علاج المشكلة الجوهرية نفسها،‮ ‬التي‮ ‬لا تنحصر في‮ ‬الخروج من التخلف وتحقيق الذات،‮ ‬بل تتمثل في‮ ‬إصلاح الأسس نفسها التي‮ ‬قامت عليها هذه الحضارة التي‮ ‬سارت بالإنسان إلى طريق مسدود‮.‬

فالمسؤولية ثقيلة والمهمة عظيمة،‮ ‬إنها إنقاذ أمة تعيش في‮ ‬سجن كبير‮.. ‬سجن العولمة الذي‮ ‬يبرزها في‮ ‬شكل كيان مشلول‮ ‬يضطرب وسط هذا العالم المعقد‮. ‬ويغذي‮ ‬فيها شعورها بالنقص ويقوي‮ ‬انبهارها بهذه الحضارة الغربية ويدفعها إلى‭ ‬الإيمان بأن لا نهوض ولا حياة إلا باتباع نهجها لا‮ ‬غير،‮ ‬باعتباره عصارة التجربة البشرية كلها كما‮ ‬يزعم الفكر الغربي‮ ‬المعاصر الذي‮ ‬يرى بأن الحضارة والمدنية والتاريخ بل والإنسانية جمعاء هو فقط ما دار في‮ ‬فلك النمط الغربي،‮ ‬أما ماعدا ذلك فهو خارج التاريخ والحضارة‮.‬

إن هذا الغرور هو ثمرة طبيعية من ثمرات هذه الحضارة التي‮ ‬جعلت من الإنسان الغربي‮ ‬عملاقا ضخما بفضل تقدمه المذهل في‮ ‬مجال العلوم التكنولوجية،‮ ‬فدفعه‮ ‬غروره ذاك إلى‭ ‬توسيع دائرة تفوّقه في‮ ‬مجال المادة لتشمل الأفكار والقيم والعقائد والنظم والفلسفات والأخلاق،‮ ‬فنصب نفسه بنفسه‮ “‬مشرعا‮” ‬للبشرية كلها وحكما وحاميا في‮ ‬نزعة إقصائية مستعلية عنيدة وكلنا‮ ‬يعلم أن الذي‮ ‬يشرع للبشرية كلها إنما هو الله سبحانه،‮ ‬لكن الذي‮ ‬ينبغي‮ ‬توجيه النظر إليه هو أن هذا الغرب الذي‮ ‬يسعى اليوم إلى تعميم قيمه ونظمه ويجعلها عالمية مطلقة إنما‮ ‬يصنع ذلك بدافع من ثقته المطلقة بنفسه،‮ ‬هذه الثقة التي‮ ‬يستمدها من قوّته التكنولوجية الحربية والاقتصادية والصناعية،‮ ‬لكن الحقيقة التي‮ ‬لم‮ ‬يدركها المسلمون بوعي‮ ‬كاف هي‮ ‬أن هذه القوة التكنولوجية لم‮ ‬يصنعها رجال السياسة في‮ ‬الغرب وإنما صنعها العلماء المبدعون في‮ ‬مختلف مجالات العلوم،‮ ‬أي‮ ‬في‮ ‬مخابر الجامعات‮..‬فسرّ‮ ‬قوة الغرب وتفوّقه مرده إلى‭ ‬نشاط جامعاته العاملة المنتجة المبدعة المستجيبة لمتطلبات المجتمع الغربي‮ ‬ولطموحه،‮ ‬المحققة لرغبته في‮ ‬الهيمنة الحضارية وبسط نفوذه على‭ ‬الغير وعولمة قيمه ونظمه فالجامعة في‮ ‬الغرب لا تصنع التكنولوجيا فحسب بل إنها إلى‭ ‬جانب ذلك ترسخ الإيديولوجيا‮ ‬

هذا واقعهم بينما المسلمون لم‮ ‬يدركوا بعد أن استهلاك منتوج حضارة لا‮ ‬يصنع الحضارة بتعبير مالك بن نبي‮ ‬رحمه الله،‮ ‬كما أنهم لم‮ ‬يدركوا أن إبراز مرجعيتهم الدينية نفسها وتجسيد أحكام شريعتها لا‮ ‬يتم في‮ ‬الإدارة أو في‮ ‬الشارع،‮ ‬ولا تحققه المنظمات والجمعيات والأحزاب السياسية،‮ ‬وإنما تقوم بذلك كله الجامعات فأين مردود جامعاتنا اليوم؟‮!‬

مقالات ذات صلة