الرأي

هل عمّنا الفساد بحق؟

محمد سليم قلالة
  • 1714
  • 0

ظاهرة وصف الجميع بالفساد تكاد تنتقل اليوم من حالة تشخيص واقع حقيقي يعيشه الناس إلى حالة مَرضية يستعصي معها العلاج، إذ ليس من العقل في شيء أن يُصبح كل من مارس السياسة فاسدا، وليس من المنطقي أن يُصبح كل من تقلد مسؤولية في دواليب الدولة فاسدا، ناهيك عن من يتحدّث عن الفساد في كل المستويات وبالنسبة إلى الجميع من تاجر الحي البسيط إلى معلم أصغر الأطفال الذي يُفترض أن يكون بعيدا عن كل الشبهات.

عندما يصل المجتمع إلى هذه الحالة من الإحساس، نكون بالفعل في حاجة إلى مراجعات عميقة في كافة المستويات، صحيح أن الاحباطات كثيرة وبخاصة على المستوى السياسي، والقدوة الحسنة أصبحت مغمورة حتى وإن كانت مثالية في سلوكها، والأمثلة الحية عن الصلاح والتفاني في العمل والابتعاد عن الشبهات وإخلاص النية في الممارسة السياسية وحبّ الوطن أصبحت قليلة الذكر، إلا أن نفي وجودها مطلقا أو حتى احتمال وجودها أصبح أمرا يتطلب منا على الأقل لحظة تأمل.

هل بالفعل بلغنا هذه الدرجة من الانحطاط؟ أم هناك تشخيص غير صحيح للمشكلة وتعميم غير مبرر لظاهرة بلا شك أصبحت ملفتة للانتباه، ولكنها ليست لازمة ترافق الجميع مهما كانوا وفي أي مستوى من المستويات؟

نحن في حاجة اليوم إلى نظرة أكثر موضوعية لواقعنا بعيدا عن كل تهويل مخل أو تقصير غير مبرر.

كم من بين قراء هذه السطور اللحظة يصف نفسه بالفساد أو يعتقد أن أقرب الناس إليه من الفاسدين؟ أعتقد أن النسبة ستكون قليلة جدا.. كم من بين قراء هذه السطور من يَستثني نفسه من قائمة المفسدين؟ يبدو لي أن العدد سيكون كبيرا حتى من بين السياسيين ورجال الأعمال الذين نكاد نربط مهامهم جميعا بالفساد.

المسألة إذن تتعلق بتصحيح ميزان التقييم لدى كل المجتمع بدءا من تحديد مفهوم الفساد إلى التمييز بينه وبين الخطأ البشري الذي يمكن أن يقع فيه كافة الناس، إلى الابتعاد عن الشطط في الحكم والتطرّف فيه.

صحيح إننا في كل مرة نُصدَم باكتشاف ظاهرة فساد جديدة ونُصاب بخيبة أمل في كثير من الناس، إلا أن هذا ينبغي ألا يمنعنا من التريّث في إطلاق الأحكام على الجميع بلا تمعّن أو روية، أو الجزم بأنه لا أمل في أي إصلاح وقد فات الأوان.

إننا في حاجة اليوم إلى تجديد خطاب الثقة بيننا، مهما كانت الظروف، وإعادة تصحيح ميزان التقييم مهما كانت الحالات .

مقالات ذات صلة