الرأي

هل فات الأوان؟

محمد سليم قلالة
  • 2199
  • 0

يبدو أن الأزمة بدأت تدفعنا إلى التفكير بطريقة صحيحة بعد أن كانت البحبوحة المالية تقتل كلّ فِكرٍ سديد. الجميع اليوم بدأ يسعى لتقديم البدائل الأفضل، والجميع تَفطن للحلول: للتقشف، لضرورة إقامة صناعة، للتعويل على الذات، للعمل بجد، للخروج من التبعية للمحروقات، لوضع حد للفساد، لمحاربة الرشوة، لمنع نهب المال العام، لوقف نزيف العملة الصعبة والتوقف عن تضخيم الفواتير وتفعيل مؤسسات الرقابة القبلية والبعدية، بل ولإقامة نظام جمهوري حقيقي يضع البلاد على أفضل طريق.. الجميع أصبح فجأة يفكر بطريقة صحيحة.. هل يحدث هذا حقا؟ أم يحدث بعد فوات الأوان؟

يحدث هذا بعد فوات الأوان فقط للذين كانوا سببا في كل ما عرفنا من مشكلات، لقد فات الأوان حقا بالنسبة لهؤلاء لتصحيح الوضع وينبغي لرجال ونساء آخرين القيام بذلك، ينبغي لجيل جديد، لم يفته أوانه بعد، أن يقوم بذلك، جيل لم يكن ليتحمّل أدنى مسؤولية فيما حدث، وليس بالإمكان أن نوجِّه له أية تهمة سوى أنه كان ضحية؛ ضحيةَ هؤلاء الذين بدأوا يعترفون اليوم وفي كافة المستويات بأننا كُنَّا على خطأ، أن المال العام كان يُنهَب بطريقة أكثر مما نتصور، وأن مَداخيلنا من العُملة الصعبة كانت تُبدَّد بطريقة تحتاج إلى خبراء في صرف الأموال على كل شيء إلا على ما هو مفيد ليتمكنوا من إنهاء كل تلك الثروة التي حصلنا عليها يوم كان البترول بأكثر من 120 دولار، وكُنَّا ننعم بالوقت الكافي لاستثماره في ما ينفعنا اليوم.

في تلك الفترة، حصل أكبر تبديد للثروة، باعتراف مَن كانوا مسؤولين آنذاك وما زالوا إلى اليوم، في اعترافهم بأخطائهم في مجال استعمال المال العام، وعدم الوقوف في وجه تحويله المشبوه إلى خارج الوطن من خلال الفواتير المضخّمة، أو الاستيراد الوهمي، أو شراء كل ما تلفظه أسواق العالم من سلع ومواد استهلاكية، أو كل تلك الطرق التي أصبح اليوم لا يتوقف عن التنديد بها من كانوا بالأمس على دراية بها وشهود عيان عليها، وربما من الفاعلين المتورطين فيها.

اليوم، الكل يعترف، ويقدم الحلول وتُضمَّن أحيانا باحتشام في قانون المالية لسنة 2016  مراقبة صارمة للواردات، ولتحويل العملة إلى الخارج، وإعادة النظر في أساليب التعامل مع المورّدين، والتشديد على شركات الاستيراد، والقيام بتنسيق أكبر بين مؤسسات الدولة (البنك المركزي، الجمارك، وزارة التجارة، العدالة… الخ) لوضع حد لتلك الأساليب “المحترفة” في نهب المال العام، وإعادة الحقوق لأصحابها… لقد صحا ضمير الجميع اليوم على هذا البلد الذي تم نهب ثرواته بغير حساب، وكأن شيئا لم يكن، وكاد مَن تسبّبوا في كل تلك الكوارث أن يُنصِّبوا أنفسهم مُصلحين جددا.

لقد صحا ضمير الجميع اليوم على هذا البلد الذي تم نهب ثرواته بغير حساب، وكأن شيئا لم يكن، وكاد مَن تسبّبوا في كل تلك الكوارث أن يُنصِّبوا أنفسهم مُصلحين جددا.

ما هي دلالات هذا التحوّل المفاجئ؟ وهل يمكن أن يُحقق شيئا في المستقبل؟ أم فات الأوان؟

لعل أهم دلالة لهذا، أننا بحق لم نكن بالأمس بخير، أن السنوات الماضية عرفت فعلا أخطاء كبيرة في مجال تسيير المال العام على وجه الخصوص، وفي مجال بناء الدولة الجزائرية ضمن رؤية واضحة المعالم تأخذ بعين الاعتبار الزمن الآتي بعد حين قبل الحاضر الذي كان يُفترض أن يكون منطلقا لما هو أفضل وليس غاية في حد ذاته، لا يهم ما سيأتي بعده كما حدث. ولقد تم تأكيد هذا من قبل من كانوا بالأمس فواعل رئيسة فيه، في محاولة لتدارك الوضع من خلال رفع شعار: كنا نعرف الأخطاء ولم نكن نوليها أهمية كبيرة لأننا كنا في بحبوحة مالية، أما اليوم فإننا سنُشمِّر على سواعدنا وسنُصحِّح المسار…

هل يُمكن أن يحدث ذلك وأن يحقق هذا الأسلوب في الأداء وهذا المنهج أية نتيجة في المستقبل؟

لا نعتقد ذلك، ذلك أن التجربة التي عرفتها بلادنا في المجال السياسي في بداية تسعينيات القرن الماضي، بيّنت أننا لا يُمكن أن نبني تعددية سياسية بعقلية الحزب الواحد، وأن التعددية إذا ما تم الإشراف عليها من قبل من صنعوا الحزب الواحد لن تلبث أن تتحول إلى شكل آخر من أشكال الحزب الواحد، ولن تتحقق من خلالها الديمقراطية.. وهو ما حدث بالفعل، في آخر المطاف بعد تجربة فاشلة في نقل التعددية للبلاد، عدنا إلى منطق الحزب الواحد في شكل التحالفات الرئاسية، أو مرشح الإجماع، أو الرئيس المنتخب مسبّقا حتى قبل إجراء الانتخابات…

لم يعد هذا الخلل الاستراتيجي خافياً عن أحد اليوم، بل الكل يدرك أننا لو لم ننتقل إلى الديمقراطية بعقلية الأحادية لاقتصدنا الكثير من الجهد، ولجنَّبنا بلادنا الخسائر الكبيرة التي عرفتها إنْ في الأرواح أو المنشآت طيلة عشرية كاملة من التآكل الداخلي المنظم.. بل أن الكل يدرك أن نتيجة هذا الخلل هي التي مَنعتنا من أن نتصرف في وفرتنا المالية بكيفية عقلانية خالية من النهب والتبديد. لقد كان الجميع مستعدا عند وضعه إجباريا أمام خياريْ العودة إلى العشرية السوداء أو غض الطرف عن نهب المال العام، أن يختار الخيار الثاني، وهو الذي حدث.

لقد كان الجميع مستعدا عند وضعه إجباريا أمام خياريْ العودة إلى العشرية السوداء أو غض الطرف عن نهب المال العام، أن يختار الخيار الثاني، وهو الذي حدث. 

ونكاد اليوم نقع في الخطإ ذاته عندما نعتقد أننا يمكن أن نقوم بإصلاحات اقتصادية بنفس الأشخاص الذين كانوا سببا في تدهور الوضع الاقتصادي، وبإصلاحات  سياسية بنفس الأشخاص الذين لوثوا المحيط السياسي قبل ذلك.

بجميع المقاييس لا يمكننا أن نفعل ذلك إذا كنا فعلا نريد الإصلاح.

نحن اليوم في حاجة إلى طبقة سياسية جديدة لم يَفُتها الأوان بعد، تكون في مستوى الأفكار الجديدة وتُشرف على تنفيذها. في حاجة إلى مسار سياسي جديد يسير بهذا الاتجاه، في حاجة إلى أن يُنفِّذ هذا المسار السياسي والاقتصادي الجديد أصحابُ المبادرات الحقيقية والأفكار الجديدة الذين يملكون تصوّرا لمستقبل البلاد والقادرون على تجسيده في الواقع، باعتبارهم غير ملوّثين بفيروسات المرحلة السابقة، ولا يمكن إدراجهم ضمن الذين أخطأوا في نقل التعددية إلى بلادنا، وعندما أرادوا تصحيح خطئهم، أطلقوا اليد في المال العام فارتكبوا خطأ آخر أكد أنه قد فاتهم الأوان وعلى آخرين أن يأخذوا بزمام المبادرة.. إنها مسؤولية بحق وربما مسؤولية جيل بكامله قبل أن يُكتب عليه هو الآخر: فاتك الأوان…

مقالات ذات صلة