الرأي

هل فكرت بن غبريط في العواقب؟

جمال ضو
  • 15625
  • 46

تداولت وسائل الإعلام خبر مشروع إعادة هيكلة امتحان شهادة الباكلوريا والذي من خلاله تسعى الوصاية لتمرير جملة مقترحات على رأسها تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية. التبرير الذي تم تقديمه من خلال ما يتم تسريبه – كالعادة- هو أن الهدف رفع مستوى الطلبة حتى لا تكون اللغة الفرنسية عائقا أمامهم في سنتهم الأولى في الجامعة.

قبل أن نناقش التبعات الكارثية والخطيرة لهذا القرار الارتجالي وغير المدروس، نشير إلى أن هذا المشروع يعتبر في الواقع استمرارية لسياسة واحدة اعتمدتها السيدة  الوزيرة وفريقها وهي سياسة محاربة أي شكل من أشكال استعمال العربية  كلغة تعليم واسترجاع مكانة الفرنسية. البداية كانت كما نعلم عبر اقتراح شاذ  ومتناقض بأن يتم استعمال اللهجة العامية في التدريس بدل الفصحى، بحجة واهية، وهي أن التلاميذ لا يتكلمون الفصحى في بيوتهم. ولكن يبدو أن الوزيرة وفريقها يرون أن التلاميذ  يتكلمون الفرنسية في بيوتهم ومع أمهاتهم.

من ناحية أخرى، الحجة التي ساقها أصحاب المشروع لاعتماد الفرنسية كلغة تدريس للمواد العلمية في الباكلوريا أو الثانوي لا تصمد أمام حقائق الميدان. صحيح أن لا أحد ينكر أن ضعف مستوى الطلبة في الفرنسية يؤثر على تحصيل كثير منهم في الجامعة، بحكم قلة المراجع باللغة العربية وتدريس كثير من الجامعات للتخصصات العلمية بالفرنسية، ولكن هل فعلا عدم إجادة التلاميذ للفرنسية هو السبب الرئيس لإخفاقهم في الجامعة؟ للإجابة عن هذا السؤال نترك الواقع يتحدث عن نفسه…

أولا نسبة كبيرة من الجامعات الجزائرية تدرس الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا والكيمياء في السنوات الأولى وأحيانا كثيرة مرحلة الليسانس كلها بالعربية. ولكننا نشاهد نفس النتائج الضعيفة والإخفاقات. وهنا أشير إلى الواقعة التالية: في اجتماع وطني لرؤساء ميدان الرياضيات والإعلام الآلي منذ سنتين تقريبا والذي حضر فيه أغلب ممثلي الجامعات الوطنية دار نقاش حول مدى تأثير ضعف الطلبة في الفرنسية على تحصيلهم. وكالعادة انقسم الأساتذة المشاركون. وقد طرح أحد الأساتذة سؤالا بسيطا على المشاركين كشف أن الأزمة أعمق من مجرد مسألة لغة. فلقد كان كل من ممثل جامعة بجاية وممثل جامعة الجلفة حاضرين…وعندما سئل ممثل بجاية عن مستوى الطلبة في الفرنسية قال أن مستواهم عموما جيد ولا مشاكل لديهم في اللغة ولكن نتائجهم كارثية وهي جامعة تدرس بالفرنسية…وعندما سئل ممثل جامعة الجلفة عن نتائج التلاميذ أجاب نفس الإجابة على الرغم من أن الجامعة تدرس السنة الأولى بالعربية. بعبارة أخرى الخلل الأكبر ليس في اللغة المستعملة ومدى إجادة التلاميذ للفرنسية بل في سبب آخر يبدو أن الوزيرة وفريقها لا يريدون البحث عنه.

الآن وبعيدا عن مسألة التجاذب اللغوي الذي عاشته الجزائر وتعيشه منذ الاستقلال ومراحل النزاع المستمر بين اللغة العربية والفرنسية  والذي عُزز بثالث اليوم وهو الأمازيغية، يبدو أن أصحاب الاقتراح لم يفكروا لا في آليات تنفيذ هذا القرار ولا بتبعاته. 

لا ندري هنا هل سألت الوزيرة والقائمون على شأن التربية اليوم أنفسهم هذا السؤال الجوهري: من سيُدرّس التلاميذ في الباكلوريا أو الثانوي المواد العلمية بالفرنسية؟ فهل تعلم الوزيرة أن أغلب الأساتذة اليوم حصلوا على شهاداتهم الجامعية أثناء فترة التعريب وحتى الذين درسوا بالفرنسية فهم لا يجيدون الفرنسية ولا يستطيعون التدريس بها؟ فجيل الأساتذة المفرنسين أو مزدوجي اللغة انقرض تماما من معظم الولايات بسبب التقاعد. ولهذا وباستثناء بعض الولايات الشمالية التي لها خصوصية لغوية فإن أغلب ولايات الوطن ستقف عاجزة تماما عن تغطية حتى 20 % من ثانوياتها. بل هناك ولايات كثيرة لن تتعدى نسبة الأساتذة القادرين على التدريس بالفرنسية 5% أو 2% إن لم تكن منعدمة. ولهذا فإن تبعات هذا القرار ستكون كارثية فعلا : أستاذ لا يجيد الفرنسية يخاطب تلميذا لا يجيد الفرنسية وبمراجع مكتوبة بالفرنسية، ولنا أن نتصور مستوى التحصيل وحجم الكارثة. أم أن الخيار سيكون ترك الحرية لكل ثانوية أو ولاية وتدخل البلاد في فوضى وصراع لغوي جديد!

من ناحية أخرى، هل يعتقد القائمون على التربية اليوم أن هذا القرار سيحسن من مستوى التلاميذ في الجامعة؟ في الواقع هذا الأمر سيستعجل فقط مرحلة النكسة الكبرى وسيزيدها تعقيدا، حيث سنشهد نتائج كارثية في التحصيل والنجاح  في مرحلة الثانوي والباكلوريا. وحتى أولائك التلاميذ الممتازون والجيدون الذين لا يجيد أغلبهم الفرنسية وخاصة في المدن الداخلية والجزائر العميقة سيجدون أنفسهم أمام حاجز لغوي كبير يمنعهم من التحصيل العلمي تماما في هذه المرحلة الحرجة. وبدل أن يواجه التلميذ أو الطالب حاجز اللغة في مرحلة الجامعة سيصدم بها في المرحلة الثانوي وسنكون شهودا على عبث بمستقبل أبنائنا.

إن عملية إعادة التدريس بالفرنسية في مرحلة الثانوي وما قبلها تحتاج لسنوات عديدة من التحضير،  قد تصل إلى عقد من الزمن أو يزيد، وخطوات تدريجية من إعداد عشرات الآلاف من الأساتذة المؤهلين للتدريس بهذه اللغة وهو ما يعني الاستغناء عن الأساتذة الحاليين أو تعليمهم الفرنسية عبر برامج مكثفة  ومكلفة وقد لا تؤتي أكلها. ولهذا فالمشروع ليس مشروعا يمكن تطبيقه خلال سنة أو سنتين، اللهم إلا إذا كان الهدف هو العبث فقط بمستقبل أبنائنا ومحاصرة اللغة العربية لغايات أيديولوجية محضة لا تراعي أهداف التربية والتعليم. وإذا كان الهدف هو حقا رفع مستوى التلاميذ في الفرنسية فهذه مسألة يمكن حلها عبر بدائل عديدة ، فالطلبة الجزائريون الذين يرسلون إلى بريطانيا أو أمريكا يتعلمون الانجليزية في بضع شهور.

نشير أخيرا، أنه إذا كان القائمون على شأن التعليم والتربية يرون أن العربية لا تصلح للتعليم العلمي والتكنولوجي في الجامعة  فإن البديل الإستراتيجي والمنطقي ليس الفرنسية. فهذه لغة هجرها حتى أهلها في فرنسا، فكثير من الجامعات الفرنسية تدرس بالانجليزية وخاصة في مرحلة الماستر وما بعدها. بل إن البديل الطبيعي هو اللغة الانجليزية فهي لغة التواصل العلمي والتكنولوجي. كما أن عملية استبدال لغة بلغة تحتاج إلى مشروع متدرج ومدروس حتى لا تكون عواقبه وخيمة على أجيال بكاملها كما حصل مع الأجيال التي كانت ضحية إصلاحات ارتجالية أعدت في الخفاء وبعيدا عن أي حوار مجتمعي أو نخبوي.

الشاهد أيضا أن جميع الدول التي حققت نهضة علمية وتكنولوجية تدرس بلغاتها الأم وتعتمد الانجليزية لغة ثانية. فلا كوريا الجنوبية  ولا تركيا ولا الصين ولا إيران يدرسون بالانجليزية بينما جميع الدول الأفريقية أو العربية التي تعتمد الفرنسية أو الانجليزية كلغة تعليم ترزح في تخلف علمي وتكنولوجي لا يختلف عن وضعنا. فمتى يتوقف العبث بمستقبل أبنائنا من طرف فئة تعلم يقينا أن الشعب لم يوكل لها هذا الأمر وأننا نعيش على وقع إخفاقاتهم المتتالية؟

مقالات ذات صلة