-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل في الجنّة كتب ومكتبات؟!

الشروق أونلاين
  • 8277
  • 0
هل في الجنّة كتب ومكتبات؟!

ربّما يظنّ من يقرأ العنوان أعلاه أنّ كاتب هذا المقال من أولئك الذين تستهويهم الجدالات النظرية التي تلهي الأمّة عن واقعها الصّعب بمسائل لا ينبني عليه عمل ولا تقدّم شيئا لحاضر الأمّة ومستقبلها، لكنّ الحقيقة أنّ العنوان هو تدوينة نشرتها كاتبة جزائرية معروف عنها ميولها العلمانية المتطرّفة التي تجعلها لا ترفع للدّين ولا لقضاياه وشرائعه وشعائره رأسا إلا ما كان منها متّفقا مع ما تهواه نفسها.

عن أيّ كتب ومكتبات يتحدّثون وبأيّ علم يتمسّحون؟

طرحت الكاتبة السّؤال على صفحتها بين شلّتها من المستهترين لتفتح لهم الباب على مصراعيه للاستهزاء بالجنّة والمشتاقين إلى دخولها. وقد بلغت الجرأة ببعض المعلّقين إلى حدّ وصف الجنّة بكلمات نابية ساقطة ووصف الراغبين في دخولها بأوصاف يندى لها جبين كلّ مسلم. الكاتبة، لم تكن تريد من طرح السؤال أن تضيف شيئا إلى معلوماتها المتواضعة عن الجنّة، وإنّما كان قصدها أن تستهزئ بمن يحلو لها ولنظرائها من العلمانيين تسميتهم بـ”الإسلاميين” أو “الإسلامويين” الذين تصوّرهم على أنّهم يريدون دخول الجنّة لغاية واحدة هي “النّساء والشّهوات”! وقد صرّحت بذلك حينما أجابت أحد المعلّقين بقولها: “فقط حوريات وغلمان”، وهي تقصد أنّ الجنّة التي يحدّثنا عنها “الإسلاميون” ليس فيها غير الحور العين والغلمان”؟! على خلاف الجنّة التي يحلم بها “التّنويريون”. وألمحت الكاتبة “المتنوّرة” إلى أنّها جنّة عامرة بالكتب والمكتبات! يجد فيها القوم بغيتهم، على أساس أنّهم في هذه الدّنيا أهل زهد في الشّهوات، حلالها وحرامها!

كان في الإمكان أن نثمّن طرح التساؤل عن وجود الكتب والمكتبات في الجنّة لو كان نابعا ممّن عرف عنه الاهتمام بالعلم النّافع سواءٌ ما كان منه شرعيا أم كونيا، لكنّ المفارقة أنّ مثل هذا التساؤل طرحه من عهدناهم لا هم في العير ولا في النّفير، لا يُسمع لهم ركز في أيّ مجال من مجالات العلم والثّقافة والأدب، ومطالعاتهم لا تتعدّى بعض الروايات والكتب التي لا تهتمّ بتعليم قرائها آليات البحث والتّفكير الجادّ وإجهاد الفكر لإيجاد الإجابات المقنعة، وإنّما تجعل طرح الإشكالات والشّبهات غاية وهدفا في حدّ ذاته، فهم في أحسن أحوالهم يقرؤون ما يستحثّ في دواخلهم الأسئلة ويدعوهم إلى التّساؤل عن كلّ شيء، بما في ذلك ما يتعلّق بالغيب غير المنظور، ليوصلهم في النّهاية إلى مرحلة الشكّ التي يتصوّرون في خضمّها أنْ لا مخرج من الحيرة إلا بالتخلّص من سلطان الدّين ونبذ الاعتقادات الغيبيّة، والإيمان فقط بما هو مشاهد أو محسوس.

لقد طُرح التساؤل عن إمكانية طلب العلم في الجنّة من قبل مسلمين أدمنوا المطالعة والنّظر في كتب العلم على تنوّع مادّتها، لكنّه هذه المرّة يُطرح من طرف “عَلماويين” يستهويهم نوع خاصّ من المطالعة، عبّر عنها أحدهم بالقول إنّها تلك التي تكون “بعيدة عن الإيمان والطهرانية”، بمعنى أنّها لا تتحرّز من المجون ولا من الاستهزاء بالمقدّس، ولأنّ هذا النّوع من المطالعة هو ما يؤسّس لجانب مهمّ من تفكير القوم، فإنّهم يسعون في اتّهام المجتمع الذي يرفض شذوذاتهم، بالنّفاق، ومن ثمّ تجدهم يتّهمون المسلمين الذين يتحرّزون عن القاذورات الفكرية والأدبيّة، بأنّهم هم أيضا يسعون لدخول الجنّة لأجل الشّهوات الجنسيّة، لا غير! بل إنّ القذارة قد بلغت بهؤلاء المنافحين عن البكيني والتنّورات القصيرة إلى حدّ التّرويج لدعوى أنّ “الوِلْدَان” أو “الغلمان” في الجنّة إنّما أُعدّوا لممارسة الشّذوذ!!! نعوذ بالله من الجهل والجرأة والصّفاقة، ونعوذ به من عقول طمستها الشّهوات وما عادت تخامرها غير الأفكار التي تحوم حول القذارات.

هل الشّهوات هي غاية المشتاقين إلى دخول الجنّات؟

بسبب سيطرة التّفكير الشّهواني على كثير من أدعياء الثقافة والعلمانية والتحرّر، أرادوا أن يصوّروا الإسلاميين على أنّهم ينافقون حينما ينادون بالتعفّف والستر في الدّنيا، بينما هم يسعون لدخول الجنّة لأجل التمتّع بالشّهوات لا غير، ولو كان هذا صحيحا– وهو ليس كذلك- لما كان فيه ما يعيب المسلمين الذين يمنعون أنفسهم قرب الشّهوات المحرّمة في دار الامتحان والابتلاء لينالوا ما يشتهون في دار الجزاء والبقاء، ليس بما يشبه ما كان محرّما في الدّنيا، وإنّما بما يكون توسّعا فيما كان حلالا في الأولى.. كيف والحقّ أنّ نيل الشّهوات في الجنّة ليس غاية أماني عباد الله المسلمين، وإنّما غاية أمانيهم تبدأ من الاجتماع بأهليهم وأحبابهم في دار لا فراق فيها، لترتقي إلى الرّغبة في الاجتماع بالحبيب المصطفى- عليه الصّلاة والسّلام- وأصحابه الغرّ الميامين، شعارهم في ذلك قول بلال بن رباح- رضي الله عنه- لمّا حضرته الوفاةُ وبكت زوجته بجواره: “لا تبكي، غدًا ألقى الأحبّة، محمّدا وصحبه”، وقول أحد الصّالحين حينما سئل عن نعيم الجنّة: “فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم”.. وأعظم من هذه الغاية، يتمنّى عباد الله المسلمون دخول الجنّة لينعموا بالنّظر إلى وجه خالقهم ومولاهم الذي عبدوه وأحبّوه واحترقت قلوبهم شوقا إلى رؤيته، ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)) (البقرة، 165). يقول سفيان الثوري رحمه الله: “لو أنّ اليقين استقر في القلوب لطارت شوقاً إلى الله”، ويقول عبد الواحد بن زيد رحمه الله: “يا إخوتاه، ألا تبكون شوقا إلى الله، ألا إنّه من بكى شوقا إلى سيّده لم يُحرم النّظر إليه”، ويقول عَبد الله بن أَبي زكريا رحمه الله: “لو خُيّرت بين أن أعُمّر مائة سنة من ذي قبل في طاعة الله أو أن أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي هذه، لاخترت أن أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي هذه، شوقا إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الصاحين من عباده”، وهذه إحدى العابدات تقول: “والله لقد سئمت الحياة حتّى لو وجدت الموت يباع لاشتريته شوقاً إلى الله وحبا للقائه، فقيل لها: على ثقةٍ أنت من عملك؟ قالت: لا والله؛ لحبّي إياه وحسن ظنّي به، أفَتُراه يعذّبني وأنا أحبّه؟”.

عبادُ الله المسلمون تخفق قلوبهم عندما يقرؤون أو يسمعون قول مولاهم سبحانه: ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ  إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)) (القيامة)، وقوله جلّ في علاه: ((لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيد))) (ق)، وقوله تقدّست أسماؤه: ((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)) (يونس)، لأنّهم يعلمون أنّ “الزيادة” هي أعظم وأغلى وأمتع نعيم في الجنّة، نعيم النظر إلى وجه الله الكريم وسماع كلامه والفوز برضاه والبهجة بقربه، يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنّة وتنجّنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحبّ إليهم من النّظر إلى ربّهم عزّ وجل، ثم تلا هذه الآية ((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ))” (رواه مسلم). يقول هشام بن حسان: “إنّ الله سبحانه وتعالى يتجلّى لأهل الجنّة، فإذا رأوه نسوا نعيم الجنة”.

 في الجنّة علمٌ من دون تعلّم

نحن لا نلوم تلك السّاخرة بالجنّة وعشّاقها ولا نلوم من هم على شاكلتها من أدعياء التّنوير في طرح سؤال يتعلّق بوجود كتب ومكتبات في الجنّة، لأنّهم ربّما يرون أنّ حيازة الكتب وترديد عناوينها وأسماء مؤلّفيها غاية وليس مجرّد وسيلة لاكتساب العلم والوعي، بينما حقيقة الأمر أنّ الكتب وسيلة يمكن الاستغناء عنها لصالح ما هو أكثر فائدة وأسرع في تحصيل المطلوب.. ثمّ إنّ الكتب التي تعكف عليها كاتبتنا المتنوّرة وجعلتها تتساءل عن وجود الكتب والمكتبات في الجنّة، لم تعلّمها أنّ حياة الإنسان تبدأ من لحظة ميلاده وتمتدّ إلى أبد الآبدين، جزء قصير منها هو الدّنيا التي هي دار امتحان وبلاء، يحتاج فيها الإنسان إلى بذل جهد لأجل أن يحصّل ما يحتاج إليه عقله من علم وفكر وما يحتاج إليه جسده من شهوات، ومهما كان هذا الجهد ممتعا، فإنّه سيأخذ وقتا من عمره ويرهق جسده أو عقله ويحتاج معه إلى الرّاحة من حين إلى آخر. والإنسان في هذه الدّار لا يستغني عن التعلّم لفهم حقيقة الوجود ولتسخير ما أمكنه تسخيره من موجودات هذا الكون لمصلحته ولأجل راحته وسعادته، كما أنّه لا يستغني عن التعلّم لفهم بدايته ومعرفة ما يمكن معرفته عن نهايته ومآله.. أمّا الجزء الآخر والأخير والباقي والدّائم من حياة الإنسان، فهو الآخرة التي هي دار جزاء، لا امتحان فيها ولا عناء ولا جهد يبذل في تحصيل مراد الإنسان من علم ومتع أخرى، فكما أنّه يجد بين يديه كلّ ما تشتهيه نفسه من المآكل والمشارب من دون أن يحتاج إلى سعي وعمل وتعب، فكذلك يجد في عقله ما يبتغيه من علم ومعرفة تتعلّق بتلك الدّار من دون أن يحتاج إلى مطالعة كتاب أو تصفّح موقع. يمكن أن يكون ذلك بالصّفة التي علّم الله جلّ وعلا بها آدم– عليه السّلام- عندما أراد أن يسكنه الجنّة، أو بأيّ صفة أخرى يريدها المولى سبحانه.

وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ

ما سبق بيانه هو الأصل في نعيم الجنّة، لكن لو أنّ أحدا من أهلها اشتهى كتبا، فإنّه سيجد ما يشتهيه مع أنّه لن يكون في حاجة إليها، تحقيقا لقوله تعالى: ((وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ)) (فصّلت) وقوله سبحانه: ((وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) (الزخرف).. وقد روي في هذا الباب أنّ أحد العلماء المتقدّمين الشّغوفين بطلب العلم سأل الله أن يدخله الجنّة ويمكّنه من طلب العلم فرأى في المنام أنّه دخل الجنّة ومعه كتبه.. كما أنّ صاحب الجنّة قد يشتهي أمورا أخرى هو مستغن عنها فيجدها، وفي هذا الباب يرد ما رواه البخاري عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يتحدث وعنده رجلٌ من الأعراب من أهل البادية فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: “إنّ رجلاً من أهل الجنّة استأذن ربّه في الزّرع فقال له الله جل وعلا: يا عبد ألست فيما شئت؟ فلمَ الحاجة إلى الزّرع؟ ماذا تريد من الزرع وأنت في زرعٍ وظل ونعيم؟ ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكنْ أحبّ الزّرع، فآتاه الله ما أراد، فبذر- أخذ يبذر- فبادر الطرف نباته- يعني: ما يضع البذرة حتى يلاحق الثمار ببصره- واستواءه وحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: “دونك يا ابن آدم! فإنك لا يشبعك شيء” قال الأعرابي الذي كان جالساً عند الرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! والله لا تجد هذا السائل إلا قرشيا أو أنصاريا- هذا الذي يريد أن يزرع في الجنة- فإنهم أصحابُ زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع؛ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم”.. ويشبه هذا أيضا ما رواه ابن ماجة بإسنادٍ صحيح عن أبي سعيد الخدري– رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: “المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنّة، كان حمله ووضعه في ساعة واحدة كما يشتهي”.

طرح الإشكالات.. وسيلة جعلها العلمانيون غاية

معضلة هؤلاء المتعلمنين أنّ عقولهم القاصرة قد أقنعتهم بأنّ الوعي والتّنوير يتوقّف عند حدّ طرح الإشكالات والشّبهات التي عادة ما تثار بأساليب ساخرة، ليمكنهم جرّ النّقاش إلى المربّعات التي تعجبهم ويظنّون أنّها تستفزّ خصومهم وتحملهم على أن يردّوا عليهم بقسوة ويتّهموهم بالمروق من الدّين، ومن ثمّ يسهل عليهم تمثيل أدوار الضحايا في مجتمع يصفونه بأنّه إيديولوجيّ وجاهل ومنغلق!.. وربّما لا ينتبه هؤلاء المتشبّعون بما لم يعطوا إلى أنّ نهجهم هذا لا يعجز عنه أحد، وأنّ الجرأة المبنية على الجهل لا تجعل صاحبها واعيا أو عالما، وإنّما الذي يجعل المرء واعيا وعالما هو طرح الإشكالات على طريق البحث في ميادينه المختلفة.. وهو ما يفعله جلّ العلماء في الغرب على اختلاف توجّهاتهم ومعتقداتهم، حيث يطرحون التساؤلات والإشكالات لفتح الأبواب أمام مزيد من البحث، من دون أن يكونوا في حاجة إلى تسفيه عقائد وقناعات من يختلفون معهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!