-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل كانت نهاية “ريان” مخيّبة؟!

سلطان بركاني
  • 1736
  • 5
هل كانت نهاية “ريان” مخيّبة؟!

تابعنا جميعا تفاصيل مأساة الطّفل المغربي “ريان” خلال الأسبوع المنصرم، وتأثّرنا بنهايته المحزنة، وحُقّ للبشرية جميعا أن تحزن وتذرف الدّموع على طفل صغير لا يتجاوز الخامسة من عمره، يسقط في بئر عميقة ويمكث أربعة أيام يعاني الخوف والجوع والبرد وضيق التنفّس، ويتألّم من الرّضوض والكسور والجروح التي أصابته، وهو ينتظر في كلّ ساعة وفي كلّ لحظة يدا تمتدّ إليه فتخرجه ليعود إلى حضن والديه، ولكنّ الله قدّر أمرا آخر، ربّما يبدو لمن يعلمون ظاهرا من الحياة الدّنيا أنّه شديد القسوة، ولكنّه في نظر من يقيس بموازين الآخرة منحة في ثوب محنة، فما وجده ريان عند ربّه الكريم بعد ارتقائه شهيدا، وما يجده والداه بصبرهما واحتسابهما، والنّاس بتفاعلهم ودعائهم، خير وأبقى. ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.

قصّة “ريان” انتهت نهاية مأساوية ومخيّبة في نظر من يظنّون أنّ الدّنيا هي النهاية، وقد رأينا وقرأنا عقب وفاته كلمات مسمومة تنضح بالكفر الصّريح والجرأة على الله، نشرها العلمانيون والملحدون.. جهلة لا يفهمون سنن الله في تدبير شؤون هذا الكون، يلومون الخالق -جلّ في علاه- الذي لا يؤمنون به، وينكرون عليه أنّه لم يستجب دعوات الملايين بنجاة الطّفل المنكوب! هؤلاء ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُون﴾، ولا يريدون أن يفهموا أنّ هذه الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء واختبار، وهي مرحلة قصيرة في حياة الإنسان لا تساوي شيئا أمام الآخرة التي تمتدّ إلى أبد الآبدين.. وينسون أنّ الدنيا خلقت لتكون دار عناء، يُنقص فيها من راحة العبد ومن حظوظه، ليُوسَّع له رزقُه وراحته وسعادته في الحياة الباقية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
هؤلاء الجاهلون لا يعلمون أنّ الله الرؤوف الرّحيم، أرحم بريان من والديه ومن النّاس أجمعين، وأنّه سبحانه يرأف بريان وبغير ريان، ولكنّه يريد له ولوالديه الدّار الآخرة. يقول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “إذا مات ولدٌ لعبدٍ قال اللهُ عزَّ وجلَّ لملائكتِه: “قبضتم ولدَ عبدي؟ فيقولون نعم، فيقولُ قبضتم ثمرةَ فؤادِه؟ فيقولون نعم. فيقولُ ماذا قال عبدي؟ فيقولون حمَدك واسترجع. فيقولُ: ابنُوا لعبدي بيتًا في الجنَّةِ وسمُّوه بيتَ الحمدِ”، ويقول الحبيب -عليه الصّلاة والسّلام-: “يَوَدُّ أَهلُ العَافِيَةِ يَومَ القِيَامَةِ حِينَ يُعطَى أَهلُ البَلَاءِ الثَّوَابَ لَو أَنَّ جُلُودَهُم كَانَت قُرِّضَت فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ” (رواه الترمذي)، ويقول أيضا: “إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاَءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ” (رواه الترمذي وابن ماجه).

ريان انتقل من دار البلاء والعناء والفناء إلى دار النعيم والرّاحة والبقاء، وروحه الآن تسرح وتمرح في رياض الجنّة، في انتظار أن يلحق به والداه ليشفع فيهما بإذن الله، ويلتقي بهما في لقاء لا فراق بعده، في نعيم لا يكدره بلاء ولا ضجر.. في أول إفاقة له في قبره، عندما يرى ريان النعيم الذي أعد له، سينسى كلّ ما مرّ به في هذه الدنيا، يقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “يؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدةٌ قط؟ فيقول: لا، والله ما مر بي بؤسٌ قط، ولا رأيت شدةً قط” (رواه مسلم).

نعم، يُسنّ للعبد المؤمن أن يسأل الله العفو العافية، كما كان حبيبنا -عليه الصّلاة والسّلام- يدعو كلّ صباح وكلّ مساء: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ استُرْ عَوْرَاتي، وآمِنْ رَوْعَاتي، اللَّهمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَينِ يَدَيَّ، ومِنْ خَلْفي، وَعن يَميني، وعن شِمالي، ومِن فَوْقِي، وأعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحتي”.. لكن ينبغي للعبد المؤمن ألا ينسى أنّ البلاء سنّة من سنن هذه الحياة، وأنّ العطاء في الآخرة بقدر البلاء في الدّنيا: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين﴾.. وينبغي له متى ما ابتلي أو رأى مبتلى من عباد الله، أن يتذكّر ما مرّ بالحبيب المصطفى -صلّى الله عليه وسلّم- من يوم ولادته إلى يوم رحيله عن الدّنيا؛ فَقَدَ أباه وهو -عليه السّلام- لا يزال في بطن أمّه، ثمّ شقّ صدره وهو في الرابعة من عمره، ثمّ فقد أمّه وهو لم يتجاوز السادسة من عمره، ليصبح يتيم الأبوين، ثمّ فقد جدّه وهو -عليه الصّلاة والسّلام- في الثامنة عمره.. عانى الفقر والفاقة، حتى تزوّج.. رزق 3 أبناء و4 بنات، توفوا جميعا في حياته ولم يبق خلفه إلا ابنة واحدة. ابنه الأول توفي ولم يتجاوز العامين من عمره، والثاني توفي ولم يتجاوز 4 سنوات، والثالث توفي وعمره 18 شهرا، وبناته الثلاث توفين في العشرينات من أعمارهنّ.. وابتلي في بدنه وأوذي وخُنق وشجّ وجهه وكُسرت رباعيته ودخلت حلقات مغفر السّيف في وجهه، وطورد وجاع وربط الحجر على بطنه من الجوع.. كلّ هذا حصل لخليل الرّحمن، فلا يطمع عبد مؤمن في أن يعيش حياة من دون بلاء أو كدر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • عيسى اللموشي

    وماذا عن نهاية عياش ؟؟؟

  • أخوكم

    السلام عليكم جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم وفي أهلكم، شكرآ على الإفادة

  • السعيد سخراوي

    التعريفات التالية سمعتها من قبل وهي منقولة من صفحة لفيسبوك : لغتنا الخالدة بم يسمى من فقد أباه ؟ وبم يسمى من فقد أمه ؟ وبم يسمى من فقدهما معاً ؟ اللَّطِيمُ الذي يموت أَبواه والعَجِيُّ الذي تموت أُمُّه واليتيمُ الذي يموت أَبوه .

  • مغربي

    سلمت يدك ، وشكرا لكل الجزائريين على مشاعرهم الطيبة تجاه ريان .

  • فيروز

    مقال رائع رائع رائع