هل من مكان للعقل؟
هذه الريح السموم التي تجتاح أمتنا منذ سنوات عدة، وقد بعثرت أرواحنا ومزقت مكوناتنا السياسية والاجتماعية، ومزقت بلداننا إلى أين تسير؟ هل هناك من مرام خبيثة أكثر مما تكشف حتى الآن حروب ومقاتل بين الأخ وأخيه في البلد الواحد ومن أتباع الدين الواحد وأحيانا المذهب الواحد، ويقف خلف الزفة الدامية من لا يدركون مخاطر ما يقومون به من ترويج لروح الكراهية والعداء في صفوف الأمة.. ولقد بلغت الاصطفافات التصادمية حدا بعيدا وأخذ التجييش مداه لشرخ وعي الأمة وضميرها وإدخالها في ملهاة دامية وحروب لا تنتهي فيما يواصل العدو تقدمه في حياتنا سيطرة ونهبا.
من جديد نريد أن يكون واضحا أن الخلاف في امتنا ليس بسبب اختلاف الافهام والاقوام والالوان والالسنة… فهذه العناوين كلها محتملة في الامة الواحدة وهي مصدر ثراء لا مصدر شر.. إنها مصدر قوة وتفتق عن عطاءات متنوعة، ولكن الخلاف في أمتنا مصطنع سياسياً ويخدم مصالح فئوية وشخصية وحزبية وعائلية.. ولا يحتجّ أحد علينا بأن هناك صراعا عربيا أعجميا او صراعا سنيا شيعيا او صراعا من أي نوع داخل امتنا.. إنه الصراع السياسي المصلحي الذي يجد فيه اعداء الامة فرصتهم في توسيعه وتزويده بعناصر البقاء.
إن الاصطفافات الدامية اليوم تعني بوضوح اننا نتجه عميقا في عملية التدمير الذاتي.. ومن الواضح ان لا فريق سينهي الآخر؛ فالعرب سيبقون كما الفرس من مكونات المنطقة الأساسيين، وسيظل الشيعة بفروعهم والسنة بتنوعهم وسواهم من المذاهب الاسلامية ولن يُنهي احد الآخر.. ومن هنا كان الأولى بالجميع البحث عن المشترك بينهم، فإن لم يكن من دين، فليكن من مقتضيات الحياة ومستلزمات العيش الانساني.
والامر لا يحتاج الى تأكيد وشرح طويل للقول إن الامريكان والغربيين يحققون من خلال هذه الفتن المسعورة في بلداننا غايتين متلازمتين؛ الاولى أمن اسرائيل وتفوقها الاستراتيجي لتقوم بمهماتها بلا منغصات، والغاية الثانية التحكّم في ثروات المنطقة واستنزافها بشكل مباشر من خلال قطّاع الطرق اللصوص وبشكل غير مباشر ببيع الاسلحة والذخائر باموال طائلة للمتحاربين.
إن العقل يقول لنا: توقفوا عن الملهاة المدمرة فلا منتصر منكم فيها، وإن معركتكم هذه حرام وانتم لا تقومون بأكثر من تدمير امكاناتكم وترميل نسائكم وتيتيم اطفالكم وتخريب بيوتكم بأيديكم.. يقول لنا العقل: إن عدوكم فقط هو المستفيد من حروبكم وإن عدوكم لا يرقب فيكم الا ولا ذمة، وليس له صديق فيكم، انما هي مصالحه وسيدور بدوائره عليكم فردا فردا بلا اخلاق ولا مبادئ.
هل لا يزال من مكان للعقل في سياسيينا ومثقفينا وعلمائنا؟ فينهضوا جميعا نهضة رجل واحد لإصلاح ذات البين والعمل على تنفيس الاحتقانات والالتفات لما يهم الشعوب من تنمية وغذاء وكساء.. نحتاج لخطاب العقل وحكم العقل ومنطق العقل.. وعلينا ان نخرس المسعرين للحروب الداخلية والعابثين بامننا الداخلي وسلامنا الداخلي.. تولانا الله برحمته.