هل نجهل حالنا بحق؟
العشرات من التقارير والدراسات باتت تتحدث عنَّا وكأنها تَعرفنا أكثر من أنفسنا! تعرف درجة الحرية التي نعيش ونوعية الظلم الاجتماعي الذي ينتابنا، وطبيعة النخب والأحزاب التي تُشكِّل خارطتنا السياسية، ومَن المريض مِنَّا ومَن الصحيح، بل وتعرف ما نُفكِّر فيه بشأن المستقبل وما ينتظرنا في الأشهر والسنوات القادمة، وأحيانا تُحدِّثنا حتى عن ألمنا وطموحاتنا وكأننا لم نعرف حتى هذه، في محاولةٍ منها لضبط أجندتها مع تطوُّراتٍ طالما أرادتها أن تكون لنا كما تريد، دون جدوى.
ليس هذا حُكمًا رغبويا مناقضا بالضرورة لِما هو مطروح من قبل هذه التقارير الدولية المُعَدَّة تجاه بلادنا، وفي الوقت ذاته ليس محاولة للهروب إلى الأمام من خلال التنكّر لها، إنما هو تعبيرٌ عن حقيقة أشعر بها كمواطن يعيش في هذا البلد ويقرأ أغلب ما يُكتَب عنه من تقارير، ويحاول أن يرصد أهمّ التنبُّؤات المحيطة به لعلّه يستبق الأحداث ببعض ما يكتب ويُسهم في التكيُّف معها ومنعها من التطور وفق الوجهة التي يريدها لنا الخصوم والأعداء.. هل لا نعرف حقيقةً أنفسنا ولا نعرف درجة الحرية التي نعيش، أو الفساد، أو مدى ديمقراطية الحكم من عدمه، أو ما إذا كُنَّا متماسكين اجتماعيا أم على وشك الانهيار نتيجة البيئة الداخلية التي نعيش والخارجية المحيطة بنا؟ هل نحن إلى هذه الدرجة لا نعرف حالنا والمصير الذي ينتظرنا وننتظر من يوقظنا من سباتنا ومن يُبيِّن لنا طبيعة الطريق؟
يبدو أن هناك حقيقة غائبة عن مثل هذه التقارير الدولية وفي ذات الوقت هي ذات أهمية قصوى، هذه الحقيقة تقول إن آخر الجزائريين لديه حكم ربما أقسى وأشدّ على نفسه وعلى بلده من أحكام كل هذه التقارير مجتمعة! بل إن كثيرا ممن تعتبرهم هذه التقارير سبب هذه الوضعيات السيِّئة، تجدهم يحكمون هم بأنفسهم على أنفسهم بأنهم كذلك، ويعرفون ذلك، ولا يحتاجون إلى من يُذكِّرهم بذلك، ما يجعل موقفهم أقرب إلى السخرية مما يُقال أكثر من الخوف مما يتم التلويحُ به.
يبدو أنه علينا اليوم أن نختار بين أن نُصحِّح مسارنا بأنفسنا وفق إدراكنا لحالنا وبالكيفية التي نفهم ذلك، أو نندرج ضمن مسار إصلاح الآخرين ونسير باتجاه متاهة التغيير التي لا نهاية لها كما يتصورونها، نحو استبدال مجتمع بمجتمع آخر أو تغييره جذريا بالصفة التي يريدونها.
بمعنى آخر إننا نعرف أنفسنا أكثر مما تريد هذه التقارير أن تُعلِّمنا إياه، ونعرف مَكمَن الخلل فينا أكثر مما تسعى إلى توضيحه، بل نعرف تفاصيل ذلك فيما نعيش ونواجه لحظة بلحظة في حياتنا اليومية، ونعلم أيضا الطريق الصَّحيح لتجاوز ذلك وتصحيحه والخروج منه ولكننا لم نسلكه بعد، لسببٍ رئيس يُمكن أن يجهله الكثيرُ من صُنّاع هذه التقارير، هو تقاريرهم ذاتها.
ولعلَّ هذه خاصية إن لم أقل لازمة من لوازم سلوكنا انصهرت مع التجارب المريرة التي عرفناها طيلة عقودٍ من الزمن، وزادتها التطوُّرات الأخيرة في العالم العربي ترسُّخا في لاشعورنا: لا خير في ما يُقدِّمه لك الأجنبي من “نصائح” وإن كان الطريق إلى الجنة.
ما الذي استفدناه من الاشتراكية التي وعدتنا بها المنظومة الشيوعية غداة الاستقلال سوى حكم الحزب الواحد وإضعاف مقوِّمات الهوية الوطنية؟ ما الذي استفدناه من التعدُّدية السياسية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي التي بشَّرت بها الدولُ الديمقراطية المنتصرة على الاشتراكية سوى الدخول في متاهة العنف والإرهاب والاقتتال الذي دفعنا ثمنه غاليا؟ وما الذي- تبعا لذلك- سنستفيده اليوم من التبشير بانهيار قادم أو فوضى قادمة سوى مزيد من الآلام والدموع؟ أليس الأجدر بنا أن نُفكِّر ذاتيا فيما نحن عليه وأن نبحث عن الحلول بداخلنا بدل التطلُّع إلى ما يتوقعه الآخرون لنا من خلال دراساتهم وتحاليلهم وتوصياتهم؟
حقيقة إننا لا ننكر أنّ ما تقوم بها الدولُ الكبرى من رصدٍ لوقائع الدول الصغرى التي لها مصلحة في التعامل معها، ولا ننكر أن لديها ما يمكن أن تضرُّنا به، ولكن علينا أن نُدرك جيدا أن الورقة الرابحة تبقى باستمرار بيدنا عندما نَبقى مُقتنعين بأننا أعلم بأنفسنا من غيرنا، وأعلم بما ينفعنا وما يضرنا.
ومن هذا المنطلق وحده، ينبغي أن نُبقي مسألة تقييم الحرية، أو الفساد أو ديمقراطية الحكم أو التماسك الاجتماعي أو مدى عدوانية البيئة الإقليمية بيدنا.
إن الحرية والعدالة والفساد والظلم والأمن وكل تلك القيم التي “نُقَيَّم” من خلالها ينبغي ألا ننظر إليها في المطلق، وينبغي ألا نفهمها إلا ضمن البيئة والإطار الحضاري والوطني الذي تنتمي إليه.. لماذا يكون من الحرِّية أن يمنع الرئيس الأمريكي مواطني 07 دول مسلمة أن تدخل بلده؟ ولماذا يكون من الحرية أن يستغل الرأسمالي الأوروبي الفلاحَ والمواطن الجزائري، ومن الحرية أن تُستباح أقاليم دولة معينة من قبل شذاذ الآفاق من كل العالم باسم السياحة الدولية ويتم تحطيم القيم المحلية بلا شفقة ولا رحمة بها؟ ولماذا يكون من صفات “الحكم الصالح” أن يبيع مسؤولون ثروات بلادهم الطبيعية إلى الشركات العالمية بأبخس الأثمان، ومن “الحكمة” أن تُستخدم أراضي الدولة لمنع حرية تنقل الأفراد فقط لأنهم أفارقة سود أو عرب فقراء، ومن “الديمقراطية” ألا يقترب الدين من السياسة.. وقس على ذلك باقي المؤشرات التي باتت ضرورية للرفع من مرتبة هذا البلد أو ذاك في سلم التقارير الدولية “الموضوعية” التي يُحكَم من خلالها على الآخرين؟
أليس أمامنا إلا أن نكون كذلك أو ننتهي إلى الفوضى والخراب؟ أم إنه بإمكاننا أن نكون كما نريد ونحن أعلم بشؤون بلدنا من غيرنا؟
إن الإجابة عن هذين السؤالين هي التي من شأنها أن تجعل منا إمَّا أمة سيِّدة أو أمَّة تابعة لغيرها، وهي التي تصنع الفرق بين أن نكون كما نريد أو كما يُراد لنا أن نكون.
ويبدو أنه علينا اليوم أن نختار بين أن نُصحِّح مسارنا بأنفسنا وفق إدراكنا لحالنا وبالكيفية التي نفهم ذلك، أو نندرج ضمن مسار إصلاح الآخرين ونسير باتجاه متاهة التغيير التي لا نهاية لها كما يتصورونها، نحو استبدال مجتمع بمجتمع آخر أو تغييره جذريا بالصفة التي يريدونها.
وبين الخيارين سيتحدَّد مستقبلُنا؛ خيارٌ سهل سيدافع عنه المندرجون ضمن سياق أن يكونوا في خدمة الآخر الذي يعدهم بالفردوس القادم على الطريقة الفرنسية أو الأمريكية أو غيرها، وخيار صعب يتمثل في أن نكون في خدمة أنفسنا وإن طالت مدة التغيير والتصحيح، باعتبار أن تغيير الواقع ليس بالأمر الهيِّن وبناء الذات الثقافية والسياسية والأخلاقية كما نريد.. ليست معركة يوم أو شهر أو سنة، إنما معركة عقود بكاملها قد يضحي أكثر من جيل بنفسه من أجلها لكي تستفيد منها أجيالٌ فيما بعد، ولكنها ستكون استفادة حقة، لا تضيع معها قيمُ الدولة، ولا تنمحي ضمن مشاريع دول أخرى صاغتها ضمن تقارير.. إنما تكون بحق إحياء لأمجاد أمّة ما فتئت تُعرَف بأنها أمة الحرية ولا تحتاج إلى من يُقيِّم مدى حريتها أو باقي مقوِّماتها ومكوِّناتها.