الرأي

هل نحن في‮ ‬حاجة إلى كل هذا الصراع على الهويات؟

عمر أزراج
  • 1402
  • 0
ح.م

يبدو واضحا أن ما‮ ‬يحدث حاليا في‮ ‬كثير من بلداننا‮ – ‬من الصراع أو الاقتتال الطائفي‮ ‬والقبلي‮ ‬والاثني‮ ‬ومن جمود للتنمية المادية والفكرية والاجتماعية ومن فهم قاصر لمنطق تحول وتطور الهويات في‮ ‬التاريخ‮- ‬هو نتيجة لغياب الفاعلية والواقعية لدى التيارات السياسية والفكرية عندنا على المستوى الميداني‮ ‬والنظري،‮ ‬ونقصد هنا دوران مختلف وتنوع التيارات،‮ ‬التي‮ ‬تلبس لبوس العلمانية أو تلك التي‮ ‬تتخذ الدين إيديولوجية أصولية مغلقة،‮ ‬وكذلك الشرائح المتواجدة في‮ ‬دوائر صنع القرارات،‮ ‬حول قضايا ميتة،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬حال ولا‮ ‬يزال‮ ‬يحول دون عدم مضيها في‮ ‬رسم وتفعيل مشروع واقعي‮ ‬منبثق من الطاقات التي‮ ‬يتوفر لديها الاندفاع الحيوي‮ ‬في‮ ‬مجتمعاتنا من أجل ربح رهان النهضة العلمية والثقافية والفكرية والفنية والاقتصادية التي‮ ‬تطمح الشرائح الشعبية المحرومة أن تتحقق في‮ ‬حياتها اليومية،‮ ‬والأدهى والأمر هو أن المناقشات الدائرة منذ سنين طويلة مافتئت تعلك قضايا‮ ‬يغلب عليها التجريد حينا والسقوط في‮ ‬فخَ‮ ‬الاستعادة المطلقة للماضي،‮ ‬واعتبارها النموذج المطلق حينا آخر،‮ ‬حيث انحصرت هذه المناقشات في‮ ‬النبش في‮ ‬التراث من منظور تقديسه،‮ ‬وفي‮ ‬المعاصرة التي‮ ‬تربط باستمرار بما تم إنجازه في‮ ‬العالم الغربي‮ ‬من تحديث وتطور للنظم السياسية،‮ ‬والفكر،‮ ‬والتصنيع‮.‬

من الواضح أن رؤية هذه التيارات للتراث تخلو في‮ ‬الغالب من الروح النقدية،‮ ‬خاصة وأنها تعتبر متونه الصفراء المكتوبة والمكفنة في‮ ‬الأرشيف أرض الميعاد المقدسة،‮ ‬وفي‮ ‬الوقت نفسه تعتبر المعاصرة صنما مستوردا من الغرب وليست جزءا من عناصر التراث ذاته،‮ ‬لاشك أن محوري‮ ‬التراث والمعاصرة هما أكثر المحاور التي‮ ‬استقطبت عندنا المثقفين والمفكرين والسياسيين بمختلف مللهم ونحلهم،‮ ‬وفي‮ ‬هذا السياق فقد نظر ولا‮ ‬يزال‮ ‬ينظر إلى التراث العربي‮ ‬الإسلامي،‮ ‬وإلى تراث الأقليات الاثنية والعرقية المختلفة في‮ ‬فضائنا الجغرافي‮ ‬الممتد من المحيط إلى الخليج على أنهما ثنائيتين متصارعتين ومتناحرتين وليس كظاهرتين نابعتين من تجاربنا التاريخية والحضارية وكمكونين لهويات مواطنينا ومواطناتنا التي‮ ‬باتت في‮ ‬وضع قلق وهي‮ ‬تبحث لنفسها عن مرفأ الأمان،‮ ‬المشكلة الأولى التي‮ ‬واجهت ولا تزال تواجه ما‮ ‬يدعى بالأنتلجنسيا المفكرة في‮ ‬بلداننا‮ – ‬والتي‮ ‬هي‮ ‬عبارة عن نخب من الدارسين والباحثين المشتتين،‮ ‬ومن أصحاب المواقع السياسية في‮ ‬داخل السلطة أو في‮ ‬المعارضة‮ – ‬تتمثل في‮ ‬غياب أطر ومؤسسات حرة ومستقلة تجمعهم من جهة،‮ ‬وفي‮ ‬تعدد مشاربهم الإيديولوجية التي‮ ‬تسيطر عليها النزعات القبلية أو الطائفية،‮ ‬أو الاثنية،‮ ‬أو العرقية الانفصالية،‮ ‬أو الجهوية المغرقة في‮ ‬الشللية‮.‬

‭ ‬إنه‮ ‬يمكن لنا أن نصنف أربعة تيارات أساسية بارزة في‮ ‬مشهد النقاش حول التراث والمعاصرة في‮ ‬بلداننا،‮ ‬إذ هناك التيار التراثي‮ ‬الأصولي‮ ‬المتطرف الذي‮ ‬ما فتئ‮ ‬ينادي‮ ‬بأن هويتنا موجودة في‮ ‬الماضي‮ ‬البعيد،‮ ‬وأن ما‮ ‬يحدث لنا من ضياع لا‮ ‬يمكن أن نتخلص منه إلا بالعودة المطلقة إلى ذلك التراث التاريخي‮ ‬الموغل في‮ ‬الماضي،‮ ‬سواء كان هذا التراث مؤسسا على المعطى الديني‮ ‬أو العرقي،‮ ‬أو الإثني‮. ‬

‬هناك التيار‮  ‬التراثي‮ ‬الأصولي‮ ‬المتطرف الذي‮ ‬ما فتئ‮ ‬ينادي‮ ‬بأن هويتنا موجودة في‮ ‬الماضي‮ ‬البعيد،‮ ‬وأن ما‮ ‬يحث لنا من ضياع لا‮ ‬يمكن أن نتخلص منه‮  ‬إلا بالعودة المطلقة إلى ذلك التراث التاريخي‮ ‬الموغل في‮ ‬الماضي‮ ‬سواء كان هذا التراث مؤسسا على المعطى الديني‮ ‬أو العرقي،‮ ‬أو الإثني‮.‬

إنه جراء هذا التطرف في‮ ‬الموقف من التراث،‮ ‬ظهرت فكرة الوصاية الاستحواذية على هذا النمط من هذا التراث أو ذاك،‮ ‬وبسبب ذلك فقد تفرق المتصارعون إلى ملل،‮ ‬ونتيجة لذلك حوّلوا التراث نفسه إلى حلبة صراع،‮ ‬واقتتال مادي‮ ‬أو سياسي‮ ‬بدلا من التعامل معه كإرث‮ ‬يحق للجميع أن‮ ‬ينهل من عناصره الحية والمستنيرة،‮ ‬ولقد برز ضمن هذا التيار فريق آخر‮ ‬يرى أن الدولة الدينية هي‮ ‬الضمانة الوحيدة التي‮ ‬تضمن تحقيق العدالة في‮ ‬المجتمع وترسيخ الأصالة فيه،‮ ‬وتجنب شتى أشكال الاغتراب والسقوط في‮ ‬تقليد حداثة الغرب التي‮ ‬تنعت بالملحدة،‮ ‬إن هذا الاتجاه الإسلامي‮ ‬المتطرف‮ ‬يؤكد أنه من السخافة الفصل بين الفكر الغربي‮ ‬وانجازاته وبين تجاوزات الرأسمالية وهيمنتها وسيطرتها على مقدرات الشعوب الإسلامية وشعوب العالم الثالث بشكل عام،‮ ‬ولكن‮ ‬يلاحظ أيضا أن هذا الفريق‮ ‬يندمج فور وصوله إلى السلطة في‮ ‬اللعبة الرأسمالية الغربية،‮ ‬والدليل واضح في‮ ‬عدة تجارب مثل التجربة القصيرة للإخوان المسلمين في‮ ‬مصر الذين لم‮ ‬يقطعوا مع الرأسمالية فور وصولهم إلى الحكم‮. ‬

أما التيار الأصولي‮ ‬الثاني‮ ‬فأجده متمثلا في‮ ‬تلك الدعوات إلى الماضي‮ ‬السابق للمرحلة الإسلامية الذي‮ ‬يرفض قطعيا أطروحات العروبة،‮ ‬وكذلك الكونية الإسلامية،‮ ‬إنَ‮ ‬إيديولوجيا هذا التيار تهدف إلى استعادة الهويات الثقافية والتاريخية مثل الفرعونية والأمازيغية والمارونية،‮ ‬والفينيقية والكردية الخ،‮ ‬وينظر إليها كمقوم وحيد لأصالتها وفرادتها،‮ ‬وهكذا نرى هذا التيار‮ ‬يعيد إنتاج مفهوم الهوية الجاهزة والثابتة،‮ ‬ويكرر منطق نفي‮ ‬التناص مع الهويات الأخرى،‮ ‬ويذهب بعيدا أحيانا في‮ ‬اعتبار حتى تجاور الهويات خطرا محدقا على وجوده ووجود أتباعه‮.‬

إن هذا الاتجاه‮ ‬يحاجج في‮ ‬مرافعاته السياسية والثقافية أن الدولة الأمة لا‮ ‬يمكن أن تقوم لها قائمة بدون تثبيت الأصول العرقية أو الاثنية،‮ ‬والحال،‮ ‬فإن النظرة الموضوعية لهذا النمط من الطرح تستدعي‮ ‬القول بأن الفرعونية والأمازيغية والفينيقية ليست في‮ ‬حد ذاتها عناصر خارج بنيان الهويات الوطنية،‮ ‬بل هي‮ ‬جزء منها،‮ ‬علما أن نزعة تجاهل حقائق الهجنة كواقع تاريخي‮ ‬وثقافي‮ ‬ودموي،‮ ‬وحقيقة التأثر المتبادل عبر مسار التاريخ الطويل هي‮ ‬نزعة تتنكر لأبسط المعارف والحقائق العلمية والأنتروبولوجية‮.‬

إن بلداننا محكومة تاريخيا وتنوعا بشريا ولغويا بضرورة القبول بالهوية المركبة المتطورة والمفتوحة على الإضافات،‮ ‬وفي‮ ‬الحقيقة فإن الحنين إلى الصفاء العرقي،‮ ‬إيديولوجية‮ ‬غير مبررة تاريخيا وعلميا،‮ ‬وهي‮ ‬تتنافر مع طبيعة الثقافة نفسها التي‮ ‬تتميز بأنها تنشد التلاقح،‮ ‬والتناص،‮ ‬والتنوع لكي‮ ‬تضمن التطور والبقاء،‮ ‬لاشك أن مبررات هذا التيار وقوّته على الاستقطاب تعودان إلى عدم وجود الديمقراطية الاجتماعية،‮ ‬والاقتصادية،‮ ‬والسياسية والثقافية ببلداننا التي‮ ‬تعترف بالتنوع الثقافي‮ ‬واللغوي‮ ‬الأهلي،‮ ‬وبحقوق المواطنة حيث‮ ‬يحول من‮ ‬يطالب بالاعتراف بلغته وثقافته إما إلى عدو انعزالي‮ ‬أو‮ ‬يدفع به ليصبح شهيد اللغو والثقافة،‮ ‬ومقابل هذا التيار نجد تيارا آخر‮ ‬يحدد الحلول لمجتمعاتنا في‮ ‬إجراء عمليات توفيقية للعمل على صياغة تركيبية تصالح بين القيم التنويرية للحضارة الإسلامية وبين المعطيات المدنية والحضارية الغربية مع التشديد على الايجابي‮ ‬منها،‮ ‬وبطبيعة الحال،‮ ‬فإن أطروحات هذا التيار تتميز بالتبسيط وبكثير من السذاجة،‮ ‬حيث أن بناء أسس أي‮ ‬تركيبة لا‮ ‬يتم ميكانيكيا أو بمجرد رغبة،‮ ‬بل فإنها مشروطة بالحاجة التاريخية،‮ ‬وكثيرا ما‮ ‬يرافقها إسقاط عناصر من الموروث والتخلي‮ ‬عنها عندما تكون‮ ‬غير قادرة على أن تتلاءم مع بنية التركيبة الجديدة،‮ ‬إن المنطلق البراغماتي‮ ‬يلف منطق هذا التيار،‮ ‬حيث تقول البديهيات بأن استيراد التكنولوجية الغريبة لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون عملية معزولة المعايير والآثار عن القيم والآليات الثقافية التي‮ ‬أنتجتها وتنتجها،

وأكثر من ذلك فإن استيراد التكنولوجيا الغربية ليست عملية محايدة،‮ ‬بل إنها تفرض تغييرات في‮ ‬النفسية وفي‮ ‬العلاقات وفي‮ ‬أسلوب العيش،‮ ‬وكذلك فإنها تخلق تغييرات وتحويلات في‮ ‬أسلوب الإنتاج وعلاقات الإنتاج،‮ ‬أي‮ ‬أنها تخلق تغييرات في‮ ‬الوعي‮ ‬والبنية الثقافية،‮ ‬ويمكن القول في‮ ‬الختام بأن هذه التيارات التي‮ ‬تعرضنا بإيجاز لأفكارها وتوجهاتها تساعد فقط على ترسيخ الأزمة وتكرس النقاش داخلها ووفقا لمنطقها أكثر مما تعمل خارجها من أجل تجاوزها بعد فهم واستيعاب إدراك إشكالية بنية الأزمة نفسها،‮ ‬وهكذا لا نفاجأ من أولئك الذين‮ ‬يقولون بأن الفكر العربي‮ ‬السائد عندنا،‮ ‬كما هو في‮ ‬وضعه الحالي‮ ‬يتميز بأنه إما هو صدى للأزمة وتعبير عنها،‮ ‬أو هو جزء منها،‮ ‬أو أنه فكر‮ ‬يسيرها ولا‮ ‬يبحث عن البدائل التي‮ ‬تؤدي‮ ‬إلى الخروج منها‮.‬

مقالات ذات صلة