الرأي

هل نَقبل بإعدام العدل؟

محمد سليم قلالة
  • 2451
  • 8
الأرشيف

في ذات الوقت الذي يعتبر الغرب إلغاء حُكم الاعدام شرطا ضروريا لإقامة نظام ديمقراطي، يمارس هذا الإعدام ذاته على نطاق واسع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في أكثر من دولة أيضا بحجة إقامة أنظمة ديمقراطية !أي منطق هذا الذي يجعل من الديمقراطية في جهة تُبنَى على جماجم المعارضين لها وفي جهة أخرى تبدو مدافِعة عن مَن ثَبت في حقِّهم جرم الفساد وقتل النفس البريئة على غير وجه حق؟ كيف لهذا الغرب يبدو في هجماته على البلدان الاسلامية في نطاق تحضير العالم ونشر الديمقراطية لا إنسانيا يشن الحروب ويقتل الأبرياء بل ويذبحهم تحت غطاء داعش والقاعدة ويعدم شنقا أو اغتيالا القادة ممن اعتبرهم أعداء الحرية، بعد أن كانوا من صُنعه، وفي لحظة مُعيَّنة عندما يتعلق الأمر بمحاربة الجريمة والقصاص من مجرمي الحق العام يتحول إلى إنساني مدافع عن الروح البشرية ومانِعٍ للإعدام حتى وإن ثبت في حق المجرمين القيام بإزهاق أروح أطفال أبرياء كالطفلة نهال؟

أي إنسانية هذه تجلت اليوم عند الذين أبادوا شعوبا بأكملها، الهنود الحمر في أمريكا، وقضوا على نصف الشعوب الأخرى، المستعمرات سابقا، وقتلوا أكثر من 100 مليون انسان في حربين عالميتين، وهم الآن خلف كافة الحروب والنزاعات في العالم يبيعون السلاح ويُحرِّضون على القتل، ويَرعون “الدواعش”، أن يتحولوا إلى انسانيين يتألمون لجريمة حقٍ عام ويعتبرون القصاص من صاحبها مساسا بحقوق الانسان؟

أليس في هذا دليل على أنهم إنما فقط يتلاعبون سياسيا بمسألة الإعدام ويسعون من خلالها لإعدام قيمة العدل المركزية لدى المسلمين باسم الرفع من قيمة الحرية المهيمنة على الثقافة الغربية؟

إن ثقافتنا تقضي بأن نُغلّب العدل على الحرية إذا ما كان لنا الخيار بين أحدهما، وأن يأخذ الظالم جزاءه في نطاق العدل القائم على قاعدة النفس بالنفس والسن بالسن والجروح قصاص، فكيف بغيرنا يضغط لتغيير هذا القاعدة كشرط بدونه لا نُصبح ديمقراطيين؟

يبدو أن المسألة تتعلق فعلا بالسعي لضرب قيمة العدل التي يعرف الغرب جيّدا أنها صانعة الفرق بينه وبينا، واستبدالها بقيمة فردية عليا هي الحرية، في نطاق قناعته بأن هذه الأخيرة هي نهاية التاريخ. أليس من حقنا أن نتمسك بتصحيح هذا المسار ونعتبر أنه إذا كان  هذا الغرب يقوم بإعدام وقتل كل من اعتبرهم أعداء الحرية بحق أو بغير وجه حق، نحن لن نقبل بإعدام أي كان إلا إذا كان العدل يقتضي ذلك، وهنا مكمن الفرق الكبير بيننا وبينهم.

مقالات ذات صلة