هل هناك جنيف2؟
ماذا بعد أن دمرت سورية؟ وماذا بعد أن هجّر السوريون من بيوتهم؟ وماذا بعد أن هنئت إسرائيل بخروج بلد عربي من مسرح الصراع إلى مداواة بعض جراحه لسنين قادمات؟ وبقاء جراح أخرى لمئات السنين؟ ماذا بعد أن رقص الراقصون على جراح السوريين وعلى خرابهم كالبوم تنعق بكل خراب؟ ماذا بعد ذلك؟
الآن وبعد أن بلغ الموت مبلغه في لحم السوريين، تأتي الموافقات على حضور جنيف 2، ويتحرك الأمريكان والروس في عرسهم وكأن ما يقومون به صفقة تنتظر التوقيع في حفلة يتبادلون الابتسامات والقبلات في حضور وفد المعارضة ووفد النظام، ألا تعسا للجميع وهم ينتشون على ركام سورية.
منذ الأيام الأولى في الصراع الدامي، قلنا إن لا سبيل لكي تنتصر إحدى القوتين على الأخرى، ولن يسمح الأمريكان بذلك، وإن المقصود من هذه الحرب هو استنزاف البلد وتدميره لكي تحقق إسرائيل أمنها الاستراتيجي، وعندما كان يتنطح لنا جهلة محدودو الفهم والإدراك يريدون منّا أن نكون معاول هدم وحرب وطائفية، ويرفضون لنا موقف الخوف على بلد عربي مسلم من كارثة الفتنة العمياء كنا دوما ولازلنا نصر على أن الحرب فتنة وكارثة، وأن القصف والقتل جريمة، وأن كل كلمة تصب في تأجيج الحرب إنما هي في ميزان الشيطان، وها هي الأيام تنتهي إلى ما قلنا، فأين عنتريات النظام وأين عنتريات المعارضة، ها هم يلتقون إلى طاولة واحدة بعد أن فعلوا بالشعب ما فعلوا..
هل يكون جنيف 2؟ ليس بالضرورة أن يتواصل الحوار أو أن ينتهي إلى شيء حقيقي، إنه يمكن أن يفتح جلساته لكن ليس بالضرورة أن يتوصل إلى نتائج، وحتى إن توصل إلى نتائج ليس بالضرورة أن يتم تنفيذها على الأرض، فالنتائج سيحسمها الواقع على الأرض، ورغم أن المسلحين المعارضين ينتشرون في أماكن كثيرة في سوريا، إلا أن مصيرهم أصبح على كف عفريت بعد أن انسحبت السعودية وقطر من دعم بعضهما لحساب البعض الآخر الأمر الذي فجّر التناقضات بينهم، وهذا كله يجري تحت سقف الإرادة الأمريكية وتوجيهها..وهذا المآل الذي انتهى إليه حال المسلحين يغري النظام السوري الذي يراقب كل شيء بدقة، ويستغله للحسم ميدانيا من دون إلقاء أية مبادرة للصلح الحقيقي والحوار الحقيقي الذي يطمئن المعارضين ويقرب المتناحرين..
جنيف 1 لم يحل المشكلة، ولن يحلها جنيف2 ولا 3 أو 4 .. لأنها وصفات صراعية وتكريس لانقسامات المجتمع، وتظل المسئولية الأولى مسئولية الدولة السورية التي فصلت تماما من أجل فئة من البشر تمارس الحكم بالضغط والقسوة، مما يوفر الفرصة لتدخل الأجانب في شئونها الداخلية لما يجدونه من حنق وإحساس بالمظلومية لدى قطاع كبير من المثقفين والمواطنين..
كما كنت، أقول دوما أن المعارضة المسلحة على طريقة حرب العصابات داخل الوطن أمر لا يجوز بحكم كل الأعراف والقوانين والشرائع. أما الأسوأ من ذلك فهو الاستقواء بالأجانب أصحاب الأجندات الخاصة في منطقتنا العربية وحوالي فلسطين بالذات.
في سوريا حل واحد أن يتلاقى السوريون بلا أمريكا ولا روسيا ولا سواهما، يلتقون وجها لوجه يتفاهمون ويتنازل بعضهم لبعض على أرضية من الإيمان بدور سوريا وهويتها، وسوى ذلك لن يكون هناك حل، وتولانا الله برحمته وهو أرحم الراحمين.