الرأي

هل ينقذ سعداوي التربية من مساوئ “الإصلاح”؟

مع مطلع هذا الأسبوع، التحق 12 مليون تلميذ جزائري بمقاعد الدراسة في الأطوار الثلاثة (ابتدائي، متوسط وثانوي)، لحساب الموسم الجديد، بالإضافة إلى نحو مليون موظف عادوا إلى مختلف المؤسسات التربوية.

إن هذا المؤشر القياسي يدعو فعلا إلى الفخر المبدئي بمنجزات دولة الاستقلال، ليعكس حجم المجهود الرسمي في التكفل بالتعليم وترقيته لفائدة عموم المواطنين، تحت القاعدة الدستورية لمجانية القطاع.

لكن بعيدا عن جهد الدولة المادي، إذ نتفق جميعا على أنها بذلت أموالا طائلة لتحسين التعليم، كما وضعت الخطط تلو الخطط، وبرامج تتبعها أخرى بتعاقب المسؤولين على الوزارة، فإنّ الإشكال الرئيس الذي ينبغي مواجهته بكل شجاعة وصراحة، من دون انتقاص من وُسْع أحدٍ: هل حققت الجزائر المرتجى من منظومتها التربوية؟

نحن اليوم في واقع يؤكد أن البيوت والمستودعات والمدارس القرآنية ومقرّات الجمعيات تحوّلت إلى مدارس غير نظامية، أو بالأحرى إلى قطاع تعليمي مواز لمسمّى المدرسة العمومية، يستنزف جيوب أرباب العائلات المثقلين أصلاً بأعباء المعيشة الاجتماعية.

وفي ظلّ نتائج الإصلاح التربوي الذي تقرر منذ عهد بن زاغو ثم بن غبريط في مرحلته الثانية، صارت الأمّ على وجه الخصوص، رغم حمْلها المنزلي الكبير، معلّمة لأبنائها في كل المواد والأطوار، ليس بصفة المرافِقة الأسريّة التوجيهية، بل لتؤدي دور المدرّس شرحًا وإفهامًا، لأنّ ما يحصّله ابنها في القسم لا يؤهِّله للاختبارات، وأولياء الأمور يدركون مغزى مثل هذا الكلام.

بل إنّ نوابغ البكالوريا و”البيام” أنفسهم هم نتاج حصص الليل ونهاية الأسبوع خارج الأقسام المدرسيّة!

ومع أهمية الأرقام السنويّة عن نِسب الانتقال من مستوى إلى آخر والنجاح في نهاية أطوار التعليم الابتدائي والإكمالي والثانوي، فإنّ العبرة بحقيقة المكتسبات التعلُميّة التي يجنيها أبناؤُنا خاصة في المراحل المبكرة، ذلك المفهوم والمؤشر الغائب عمليّا في النقاش التربوي الرسمي والاجتماعي.

قد يخالف آخرون هذا التقييم ويرى فيه شططًا، لأنّنا من جيل تعلّم في الكتاتيب وحين وُلوجه إلى المدرسة، وجد نفسه يحسن القراءة والكتابة وأساسيات الحساب سريعًا، ولم تنقضِ مرحلة التعليم الابتدائي حتى صار قادرًا على القراءة بطلاقة والتعبير عن أفكاره بسهولة، بينما تلامذة اليوم يُتوّجون بأعلى العلامات والمعدلات، لكن معارفهم الرئيسة تبقى متواضعة، حتى لا نقول إنها ضحلة، مقارنة بما هو مطلوب منهم ومبذول لهم.

الآباء والمعلمون خاصة في الطور الابتدائي يكابدون مساوئ الحشو التعليمي على تلامذتهم، والذي لا طائل منه معرفيّا، لأنه مجرد مادة عابرة سرعان ما تُمحى من الذاكرة، لولا أنْ فرضها “خبراء” الوزارة باسم تنمية الحسّ العلمي والنقدي والتجريبي، قبل أن يزيد تدريس ثلاث لغات، منها اثنتان أجنبيتان، في سنة واحدة، من متاعب هؤلاء، مُحدثًا إرباكًا لغويّا كبيرا لديهم في مرحلة مبكّرة.

هذا الوضع المختلّ يحيل إلى تساؤل موضوعي يفرض نفسه بقوّة: من المسؤول عن وضع المدرسة الجزائرية؟ وإلى متى ندسّ رؤوسنا في الرمل هروبًا من المكاشفة التربوية؟ وهل قدرُنا أن تضيع الأجيال في صمت من الفاعلين والمعنيين؟

ندرك أن الأزمة في أحد أبعادها كونيّة ضمن تداعيات الانفجار التكنولوجي العالمي وهيمنة استعمال الأدوات الرقمية وسيطرتها على عقول الناشئة وتفكيرهم وسلوكهم، حيث تعاني دول متقدمة وعريقة التجربة التعليمية من تراجع مستوى أبنائها، إلى درجة أنّ علماء اليابان دقوا ناقوس الخطر منذ سنوات، محذرين من تقهقر الرياضيات في التعليم العام، لكن ذلك لا يبرّر وحده ما تعيشه الجزائر من “احتقان تربوي” يشكّل عبئًا على المدرسة والمكوِّن والإداري والأسرة على السواء، ما يعني أن الخلل في مستوى آخر ولن يكون سوى المناهج والمقررات العرجاء التي فرضتها إصلاحات أحادية خارج إرادة المجتمع..

لعلّ تنفيذ التزام رئيس الجمهورية بتخفيف المحفظة المدرسية يكون دافعًا محفزا على النظر في الأسباب الجوهرية لثقلها، والتي تتجاوز حتما ثقل الكتب وكثرة الكراريس إلى عبء المقررات الزائدة عن اللزوم التعليمي، لنعيد في إطار تشاوري صريح ترتيب أولويات التدريس الابتدائي، بما يحقق أهداف هذه المرحلة من مكتسبات القراءة والكتابة والحساب.

يتذكر الجميع ماذا حدث الموسم الماضي، عندما أغلقت دكاكين الدروس غير النظامية، بقرار من قطاع التجارة، ولم تهدأ الفوضى إلا بتدخل وزير التربية لتلبية رغبة التلاميذ وأوليائهم، ومن ورائهم سماسرة التعليم الموازي، لكن لا ننسى أن مسؤول القطاع تعهّد وقتها بفتح نقاش موضوعي حول الظاهرة في ظروف مواتية، ما يعني أن الوصاية لا تقرّ الأمر الواقع وإن سايرته تحت إكراه محيطها الخارجي، لذلك صار لزامًا عليها أن تتحمّل مسؤوليتها كاملة في معالجة هذا الوضع غير السويّ، عوض التعايش معه إلى ما لا نهاية.

نحن متفائلون لحدّ الآن بإمكانية الخروج من المأزق، في ظل الاهتمام الخاص لرئيس الجمهورية شخصيّا بملف التربية الوطنية، ولوجود وزير على رأسها يتوافق كثيرون على كفاءته وحرصه وإحاطته برهانات القطاع.

إنّ ما نرجوه عاجلاً هو أن تجد صرخة الأولياء صداها لدى السلطات العمومية بفتح حوار واسع في كل الدوائر التربوية والمؤسساتية والأكاديمية لتقييم شفّاف لأداء التعليم في بلادنا، خاصة في طوره الأول، قياسًا بما وفرته الدولة من موارد، لأجل تقديم التصوّرات العملية الناضجة، لأن المعضلة القائمة لا تحتمل مزيدا من الوقت الضائع على حساب الأجيال ومستهدفات الدولة الجزائرية من القطاع التعليمي.

قد نكون مخطئين في تقدير الأمور بحكم عدم التخصّص التربوي، لكنها قبل كل شيء هي رسالة من أولياء تلاميذ ومكوّنين في الميدان، ستظل بحاجة إلى آذان صاغية تجنح إلى سماع رأي آخر من عمق المجتمع، باعتباره منطلق التصوّر التربوي وهدفه النهائي.

مقالات ذات صلة