هويتنا العربية .. وصراع من نوع آخر !!
إن الفهم المشوّه للهوية العربية هو من أهم الإشكاليات التي تواجهنا في الزمن الراهن، فتعدّت كونها أزمة فهم للمصطلحات لتصل إلى حالات متعددة في الأزمات، فصرنا نراها من منظور أبعد، كأزمة ثقافية، وأزمة التطور، وأزمة المجتمع، وتجلّى الصراع بيّناً بين مفهومي الحداثة والتقاليد.
وما لا يدركه أغلب قادتنا الآن، هو أن هذه الأزمة في تفاقم وازدياد، وعلى هذا التفاقم نتج التراجع، ولازمنا لقب البلدان النامية، أو البلدان المتخلفة، أو غيرها من الصفات .
و بالرغم من كون التمسك بالتراث والتقدم رديفان مكمّلان لبعضهما الآخر، إلا أن كل واحد منهما يُعتبر من وجهة نظر الآخر عائقاً في طريقه، إذْ لاتقدم الا في الزمان والمكان. وفي الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والانساني والطابع القومي الذي هو روح الهوية العربية. نرانا جميعاً مكانك سر .
ويبرز هنا للأسف صراع من نوع آخر. في صفوف الأيديولوجيا الرأسمالية، والتي تنظر لحتمية هذا النوع من الصراع بين هذين الموقفين الخاطئين. في بلداننا. وفي البلدان التي نلتقي معها في الانتماء الى العالم المتخلف .من نوع صراع الحضارات. ومن نوع حروب الثقافات .علما بأن صراع الحضارات هومفهوم مصطنع .لا تبرره كل عناصر الاختلاف والتمايز القائمة بين الشعوب. أما حروب الثقافات فهو موضوع مضللّ آخر. أكل عليه الدهر وشرب في بلدان عديدة، باستثناء بلداننا العربية، أو على الأقل أغلبها .
فالهوية هي السمة الجوهرية العامة للثقافات. لكن هذه السمة ليست مطلقة أو نهائية. كما يفهمها أو يعرفها البعض أحيانا. بل يجب علينا تحديد خصائص ذاتية لها، لأنها مشروع ثقافي مفتوح على المستقبل. ولكنه مشروع معقد ومتشابك ومتغير من العناصر المرجعية المنتقاة، سواء المادية أوالاجتماعية أوالذاتية المتداخلة والمتفاعلة مع التاريخ والتراث والواقع الاجتماعي .
والهوية ليست مبنية على أساس فردي، وانما تتشكل من عناصر متعددة. في مقدمتها العامل الديني واللغوي والاخلاقي والمصلحة الذاتية والعلمية والوجدانية. والهوية ليست مجموع هذه العناصر كاملة. بقدر ماهي تركيب متحد من عناصر تشكلت عبر الزمن وتم تعديلها من خلال الخبرات والتجارب والتحديات وردود الافعال الفردية والجماعية عليها. في اطار الشروط الذاتية والموضوعية السائدة والطارئة .
فإعلان أحدنا بأنه جزائري يعني ضمنياً بأنه ينتمي مع بقية الجزائريين في صفات وملامح تكوّن الهوية الجزائرية .
ولو عدنا للوراء قليلاً، سنجد أن الاسلام أرسى فكرة التوحيد الشاملة العامة. من خلال توحّد ديني وهو وحدانية الله. ومن خلال توحّد سياسي بالولاء للأمة بدل الولاء للقبيلة .و من خلال توحّد اجتماعي وهو العدل بين الجميع بدل العرف. وتمخّض عن حالة من التواؤم بين مفهومين. بقي كل منهما يسير وحده على مدى زمانٍ طويل. بل وحتى عصرنا الحالي مازالا منفصلين، ألا وهما القومية والأممية.
فالامة العربية والاسلامية كانت قد حققت ازدهارا في كافة مجالات المعرفة النظرية والتطبيقية. شيّدت أعرق حضارة انسانية على أرض امبراطوريتها المترامية الأطراف. قبل أن يحقق الغرب ثورته التي زلزلت الأرض تحت تلك الحضارة، وساعدهم على ذلك تخبّط العرب في بحرٍ من التطور الذي عجزوا عن مجاراة أمواجه، فلا هم من استطاع ركوبها ومجاراتها، ولا هم من تمكّن من تلافي نتائجها السلبية في تكبيل مسيرتهم نحو التقدم المأمول
وما نريد إلا الإصلاح ..