-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هيرودوت الجزائر يرحل وتبقى موسوعاته التاريخية والثقافية تنتظر الباحثين

الشروق أونلاين
  • 4456
  • 0
هيرودوت الجزائر يرحل وتبقى موسوعاته التاريخية والثقافية تنتظر الباحثين

كتب كثير من الزملاء العلماء وطلاب العلم عن العلامة الراحل، أستاذ الأجيال وشيخ المؤرخين الجزائريين (أبو القاسم سعد الله) “هيرودوت الجزائر”. كتبوا عن مآثره وقدموا شهاداتهم. والحقيقة إنه مهما كتبنا وتحدثنا عنه فإننا لن نعطي الرجل حقه، لأن ما كتبه عن الحركة الوطنية والثقافة الجزائرية وأعلامهما بمختلف أطيافها كثير وكثير جدا. وعزاؤنا الوحيد أن نتضرع إلى الله- سبحانه وتعالى- أن يجزيه عنا وعن العلم خيرا كثيرا، وأن يسكنه فسيح جنانه، وأن ينزله منزلة عباده الصالحين.

سأل الكاتب الصحفي مراد وزناجي المرحوم عن عدد من الأعلام الجغرافية التي احتضنت مسيرته الفكرية فأجابه: “قمار مطلع الفجر، ووادي سوف واحتي الوارفة، والزيتونة مهد العلم والأدب، ودار العلوم بيت سدنة اللغة العربية والدراسات الإسلامية الرصينة، وبن عكنون جنتي بعد عذاب الغربة… ومنيسوتا نقطة التقاء حضارتين عندي (حضارتنا وحضارتهم)، وآل البيت تجربة الجمع بين تراث الشرق ومنهج الغرب…”. بهذه المفاتيح اللسانية لخص الدكتور أبو القاسم سعد الله سيرته العلمية العطرة. إنه صاحب أكبر موسوعة ثقافية جزائرية “تاريخ الجزائر الثقافي”، وأحد الأعلام الذين شكلوا على مر السنين الثقافة الوطنية المتميزة، كابن الفكون، وابن قنفذ، وأبي رأس المعسكري، وابن باديس، واطفيش، وابن أبي شنب، والإبراهيمي، ومالك بن نبي، ومفدي زكرياء، ومحمد العيد، وغيرهم كثير، ممن تُعطر سيرتهم كتب التراجم والفهارس والطبقات.

لا يخفى على المثقف النزيه والطالب النجيب أن أبا القاسم سعد الله قامة سامقة من قامات العلم، فهو العالم الموسوعي؛ المؤرخ، والمحقق، والرحالة، والأديب، والصحفي، والمترجم، والمصلح الاجتماعي، والمربي، لقد أثرى المكتبة الوطنية والعربية، بل العالمية بعشرات من الكتب، ولا سيما المطولة منها، وألف عقولا عبر مسيرته التعليمية في الجامعة الجزائرية وفي عدد من الجامعات خارج الجزائر، إذْ كوَّن أجيالا من الباحثين كان لهم الأثر الطيب على الحركة العلمية والفكرية.

تعود صلتي بالرجل إلى أيام الطلب العلمي في الجامعة عندما قرأت بعض كتبه (محمد العيد آل خليفة، والشاذلي القسنطيني، وابن العنابي وابن حمادوش ومنشور الهداية وابن الفكون، وبعض كتبه التاريخية). وقد قويت هذه الصلة عندما حضرت له بعض الندوات والملتقيات الفكرية، ولما بدأت في العناية بالتراث الجزائري المخطوط عام 1982م، تأكدت أن خير من يشد عضدي في هذا الحقل المعرفي هو الشيخ أبو القاسم سعدالله، لأنه أكثر من غيره معرفة بكنوز التراث المخطوط في الجزائر وفي خارجها. فكان تاريخ الجزائر الثقافي مرآة عاكسة لما أنشُده، وكانت البداية مع جزئيه الأول والثاني قبل أن تلحق الأجزاء الأخرى تباعا- وكنت على معرفة منه بمراحل إنجازها-، بل أفدت منه الكثير قبل أن يخرجها مطبوعة، إذ كنت أفزع إليه كلما أشكل علي أمر. بيني وبينه مراسلات عديدة بشأن المخطوطات في الجزائر. لقد كان الرجل متواضعا سخيا في المعلومات العلمية والتوجيهات والنصائح، رغم بعده ومعاناته وكبر سنه.

لقد خدم الدكتور أبو القاسم سعد الله المجتمع الجزائري خدمة تاريخية وثقافية وأدبية ولغوية وتربوية وسياسية واجتماعية ونقدية، خدمة لا نجدها عند غيره من أعلام الفكر الجزائري؛ قديما وحديثا، فآثاره الخالدة التي تزيد على ثلاثين مجلدا، غير المقالات والأبحاث المتناثرة في المجلات والجرائد الوطنية والعربية والأجنبية شاهدة على سيرته العلمية العطرة وعلى المكانة المرموقة التي ارتقى إليها.

ترك الدكتور سعد الله بصمة قوية بأعماله المتميزة، فهو عالم لا يُشق له غبار في منهج كتابة التاريخ وخدمة التراث والتعامل معه. إنه صاحب تجربة طويلة، أفنى عمره في البحث والتنقيب مُرتحلا إلى جهات مختلفة في أنحاء العالم. ولا نجانب الحقيقة إذا قلنا: إن الرجل صاحب مدرسة متميزة كوَّن رعيلا من الباحثين في مجال العلوم الإنسانية، كالتاريخ  والآداب والرحلات والاجتماعيات وغيرها.

ولتميز كتابه “تاريخ الجزائر الثقافي”، الذي صدر في تسعة أجزاء عن دار الغرب الإسلامي، عام 1998م، ثم أعيد نشره في الدار نفسها بعد أن أضاف إليه جزءا عاشرا، وكان يحبذ تسميته بـ (الموسوعة الثقافية الجزائرية)، لأن ما تضمنه من مواد واسعة ونادرة يتطلب هذه التسمية، لكن الكتاب عُرف في طبعتيه الأولى والثانية (جزآن) بالاسم المذكور فأبقى عليه كما هو. قلت: ولتميزه أحببت أن أخصه بالذكر هنا وفاء لجهوده النادرة.

فالكتاب اعتنى فيه بالآثار الفكرية والمادية التي أنتجها العلماء الجزائريون في شتى فنون المعرفة الإنسانية، كالفقه، والأصول، والتوحيد، والفرائض، والنوازل، والقرآن وقراءاته، والتفسير،  والحديث النبوي الشريف، والإجازات، وعلم الكلام، والتصوف، والمنطق، واللغة، والنحو، والصرف، والمعاجم، والأدب، والشعر، والقصة، والمسرح، والأمثال، والتاريخ، والتراجم، والسير، والأنساب، والأثبات، والرحلات، والطب، والسحر والخرافة، والتنجيم، والفلك، والزراعة، والاجتماع، والسياسة، والفلسفة، والقضاء، والرياضيات، والجغرافيا، والكيمياء، والفنون الأخرى، كالموسيقى، والرسم، والنحت، والمنمنمات، وغير ذلك مما يتعلق بالآثار المادية، والمؤسسات، والمكتبات، والمساجد، والزوايا، والقصور.

أكد الدكتور أبو القاسم سعد الله أن ما جاء في الموسوعة من معارف ومواد لم يأت بسهولة، إذ رجع فيه إلى مئات من المصادر والمراجع، والوثائق، والمخطوطات، والآثار، والوسائل المادية؛ في مكتبات، ومتاحف، وخزانات، وزوايا، وأقبية، ومراكز بحث في شتى أنحاء الجزائر، وفي خارجها؛ في كبريات الجامعات، والمراكز البحثية، والمتاحف، شرقا وغربا، وما أفاده من الأرشيف الفرنسي كان غزيرا، إذا إن الكثير من أوجه النشاط الثقافي والفكري في العهدين العثماني والفرنسي مُستمد من كتابات الفرنسيين. وقد أشار الأستاذ أيضا في أكثر من موضع إلى أن المتعامل مع المصادر والوثائق ينبغي أن يكون حذرا، وألا يقبل كل ما يُقال، بل على الباحث أن يعمل فكره ويرجح ما هو أقرب إلى الحقيقة.

إن المادة التي جمعها شيخنا في هذه الموسوعة من خلال رحلاته مع المصادر والمراجع التي وقف عليها في الجامعات ومراكز البحث على اختلاف اهتماماتها، تقدم خدمة جليلة لخَدَمة التراث الجزائري المخطوط والمطبوع؛ الذي أنتجه علماؤنا عبر الأعصر المختلفة، ولم ير بعضه النور بعد. هذه المادة الخام بحاجة إلى دراسة وتحليل واستقراء ونقد، لاستخراج الدرر منها، ووضعها في متناول أبناء المجتمع للاستفادة منها، كل في مجاله، ولا أجانب الصواب إذا قلت: إن خير ما يربط البحث العلمي في جامعاتنا ومراكزنا البحثية بالتنمية الوطنية هو أن نولي وجهة نظرنا نحو هذا الكنز الذي وضعه بين أيدينا الدكتور الشيخ، وهو عربون وفاء للرجل.

ومن الإنصاف والعدل أن نؤكد حقيقة مرة عاشها “هيرودوتس” الجزائر في مسيرته العلمية تعاورتها أطراف متعددة، لقد نُكب الرجل في إحدى سفرياته فضاعت محفظته وفقد أوراقه وجذاذاته ومصادره ومراجعه ومصوراته، وكل ما يتعلق بيومياته مما دونه عن رحلاته ومشاهداته وانطباعته في السنوات (1984/1988م)، ولكن إخلاصه النية في إتمام مشروعه العلمي الكبير جعله يقلع مرة أخرى مستعينا بالله ليستدرك ما ضاع منه. فهذا عامل اخترق حلقة من حلقات بحثه أثر فيه كثيرا، لكن العامل الأخطر هو تنكر أبناء وطنه لجهوده (1) (أعني بعض من كان بيدهم سلطة القرار من مسؤولين؛ صغارا أم كبارا). فقد حدثني في مراسلات كثيرة عن هذا الجانب، وأستأذن القراء في اقتطاف بعض الفقرات من رسالة بعثها إلي بعد أن قرأ العرض الذي قدمته حول (تاريخ الجزائر الثقافي) (2). قال: “الأخ الدكتور عبد الكريم عوفي، تحية طيبة، وبعد اطلعت على ما دبجه قلمك الرصين لعرض كتاب تاريخ الجزائر الثقافي. لقد سرني تقديمك له لأنك من أبرز المدركين لرسالته الفاهمين لمراميه. وللحقيقة أقول إنني أستغرب من نفسي عندما أتأمل ما ضمنته من مصادر ومعارف وآراء.. كيف استطعت أن أكتب وحدي عملا مثله في وقت كنت فيه في حاجة ماسة إلى توفير الحد الأدنى للعيش مع عائلتي في بلاد الغربة، ولكن يومياتي ستفصل كيف كنت أصارع من أجل لقمة العيش بينما أكتب التاريخ الثقافي فصلا فصلا تحت وطأة الألم والمعاناة والقلق والخوف من المستقبل.

أحب أن أشير إلى أن الكتاب أصبح في عشرة مجلدات، فقد وفقني الله إلى البلوغ به سنة 1962. وأصبح المجلد الأخير من طبعته الأولى هو التاسع بينما أصبح ما كان تاسعا (الفهارس) هو العاشر. وقد طبعت المجلدات العشرة عدة طبعات عند الناشر (عالم المعرفة).

ومع ذلك فما يزال في التاريخ الثقافي كثير من الثغرات. وقد جمعت معلومات عديدة لكتابة استدراك له. وفي زيارات سريعة هذا العام إلى تندوف وأدرار والأغواط وغرداية اكتشفت كنوزا أخرى من تراثنا الثقافي، ولكن أنّى لمثلي أن يلم بكل ما اكتشفت بينما لم تعد صحتي تسمح لي بالوقوف الطويل ولا المشي البعيد ولا التركيز العميق ولا السفر الشاق.

ومن جهة أخرى تقدمت منذ خمس سنوات إلى مختلف الوزارات والمراكز المعنية بالبحث… أطلب منحة تفرغ  مدة ستة أشهر في بلاد أجنبية لكي أرجع بالبحث في التاريخ الثقافي: من الفتح الإسلامي إلى فاتح العهد العثماني، فلم تستجب أية جهة، أليس هذا مما يسبب الإحباط واليأس؟

مرة أخرى أشكرك على المقالة الواعية العارضة لمحتوى الكتاب، واعدا القراء بمواصلة البحث ما دمت حيا. وفي نفس الوقت يسرني أن أخبرك أنه قد صدرت يومياتي (مسار قلم )، وهي تبلغ حتى الآن خمسة مجلدات، كما صدر لي كتب جديدة هي: حصاد الخريف، حاطب أوراق، على خطى المسلمين. والله المستعان… دالي براهيم 11 أكتوبر 2010م”.

لله درك يا شيخ الشيوخ! كيف احتملت ما لقيت من عاديات الزمن؟ وكيف صبرت على المتنكرين لجهودك؟

قلت في ردي على الشيخ على الرسالة السابقة: “… السر يا شيخنا هو أن الله سبحانه وتعالى يعلم أنك أخلصت النية فأمدك بالقوة ويسَّر لك التوفيق، ولم يُيسِّره لغيرك ممن حاله أيسر، وينفقون أوقاتهم وأموالهم في الملاهي ووو… الحمد لله على نعمه.

 أعلَم كثيرا عن المعاناة التي رافقتك في رحلة البحث العلمي في الداخل والخارج، هي ضريبة العالم، يحترق ليستضيء الآخرون، أبْشِر أستاذي فإن جزاءك عند الله كبير. النفوس الوفية كغيمة ماطرة، الكل يسعد بقدومها ويستبشر برؤيتها، وهكذا أنت يا شيخنا، أبا القاسم. جعلك الله سعيد الدارين، قرير العينين لا تشكوهما ولا حزنا ولا دينا”. (3)

لا أظن أن أحدا من حملة العلم ومن العارفين بحركة التاريخ عبر الأزمنة المختلفة يخالفني إذا قلت: إن أبا القاسم سعد الله هو هيرودتس الجزائر، بل هو أعظم منه، لُقِّب هيروديتس الإغريقي بأبي التاريخ، لكونه أول من وضع الحجر الأساس في كتابة التاريخ بعد رحلاته الشهيرة إلى ليبيا ومصر وأكرانيا وصقلية، وسجل وقائع الحرب الفارسية اليونانية، وشخص عادات وتقاليد وتاريخ شعوب البحر المتوسط في كتابه (تاريخ هيرودتس)، ولم يراع فيما كتبه الدقة العلمية والموضوعية- كما يؤكد مؤرخو الغرب. واستحق أبو القاسم سعد الله أن يلقَّب بـ(شيخ المؤرخين). لقد كان في رحلاته الميدانية الطويلة؛ شرقا وغربا، وفي رحلاته الفكرية أكثر إحاطة وشمولية، ودقة في الطرح العلمي والموضوعية، ولنا تلقيبه بـ:(هيرودتس الجزائر) بفخر واعتزاز لما تميزت به كتاباته التاريخية والثقافية والأدبية والاجتماعية والسياسية من منهجية محكمة وبعد فكري في التناول والموضوعية. 

رحم الله شيخنا وأسكنه فسيح جنانه، ووفق طلابه ومحبيه في استكمال مشروعه العلمي، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

(*) دكتور بجامعة جامعة أم القرى بمكة المكرمة

 

هوامش:

(1) معروف عند العام والخاص أن أبا القاسم سعد الله  أعرض عن المناصب والمسؤوليات، لأنه يدرك أنها تتعارض والتعاطي مع العلم.

(2) ينظر المقال في مجلة دراسات أدبية، العدد: الخامس، عام 2010م، التي تصدر عن مركز البصيرة في الجزائر العاصمة .

(3)  مكة المكرمة في يوم الجمعة 3/1/1432هـ. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!