فرسانُ الحقيقة في عالم جاهلي
هي حرب “الفرس والروم” تتجدد في عالمنا المعاصر بين الشرق والغرب، لا احترام فيها إلا للقوة، ولا تقدير فيها للضعفاء. بوتين يملك ملفات عن ترامب تعود إلى عهدته الأولى قد تودي بموقعه الرئاسي وتاريخه السياسي إلى النهاية.
المهم نحن، الذين نملك مخزونا من الثقافة الرسالية لعالم هو اليوم أحوج ما يكون إليها. يقف قادتنا أمام الصلف الأمريكي بسلال فيها بيض وملح، وسيد البيت الأبيض يستصغر ما يفعل هؤلاء ويهينهم أمام الملأ، وما لجرح بميت إيلام. إنها الأقدارُ العادلة عندما تسجل للطغاة مشاهد ذِلة طالما أذاقوا شعوبهم منها.
بين الأزهر وألبانيز الروح المساندة للمقاومة في أرض الرباط والتشنيع على الصهاينة وعلى مشروعهم الخائب في المنطقة، لا ريب أنه جهاد باللسان يستدعي وقفة رجل واحد من أحرار الشمال الإفريقي كله ضد التطبيع والخنوع، ودعوة كل الجهات الرسمية والشعبية إلى تقديم ما بيدها من إمكانات لإسناد أهلنا في غزة، فليس من الإنسانية
والرجولة أن نظل نتغنى بالحقيقة ولا نتبناها فعليا. في المملكة المغربية تطبيعٌ مرفوض شعبيا لا بد أن يسقط، وفي الجزائر دعم يحتاج إلى تجسيد أكثر في الميدان، وفي تونس وليبيا وموريتانيا وجعٌ لا بد أن يستحيل إلى طوفان.
إنها امرأة بألف رجل، كما يقول المثل، “رجل” ذي صبغة رسمية يحاضر في الأخلاق وقلبه قلب عصفور. وبالمناسبة، فإن رؤية الحقيقة لا تتعلق بأصول من يعشقها وينادي بها، فكم ممن يصدّع رؤوسنا مناديّا بالحريات وحقوق الإنسان وهو عبدٌ ذليل للسلطان، أو ممن يرتدي مسوح الإيمان والتقوى وهو لا يقوى على دفع ذبابة، وما أكثر هؤلاء في المناصب السياسية والدينية والإعلامية! وحقُّ للسيدة الإيطالية فرانشيسكا ألبانيز أن تكرَّم إذ أهانها المعتدون، وأن يهان في المقابل من يدعو فينا للخنوع والتطبيع.
ليأخذ من يخاف العزلة والتهديد العبرة من مجاهدي غزة أو ليستقل من منابر وُجدت للدفاع عن الأمة، هناك من هو أقدر على حمل الأمانة. علماء الأزهر حمّلوا أنفسهم مسؤولية كبرى ولا مناص من تحمُّلها أو فليتنازلوا عنها لمن يطيق حملها.
من وقَّع على بيان غزة وفِّق فيه، ولم يك موفَّقا حينما تراجع عنه.
هذه هي مشكلة المؤسسات الدينية غير المستقلة، لها سقوفٌ يحددها ولي الأمر لا الضمير والشرع الحنيف، الذي يدّعون سدانته والقيام عليه. بيان مشيخة الزهر عن دعم غزة وتحميل المسؤولية لكل مقصِّر ثم سحبه من الإعلام والتحجُّج بأن “البيان قد يربك مفاوضات التهدئة” محض هراء. فما أحوج الأمة اليوم وغدا إلى علماء مستقلين لا يخافون في الله لومة لائم، ثابتين على مواقفهم غير مبدِّلين ولا مغيِّرين، إلى أن يلقوا ربهم وهم على ذلك.
هذه هي مشكلة المؤسسات الدينية غير المستقلة، لها سقوفٌ يحددها ولي الأمر لا الضمير والشرع الحنيف، الذي يدّعون سدانته والقيام عليه. بيان مشيخة الزهر عن دعم غزة وتحميل المسؤولية لكل مقصِّر ثم سحبه من الإعلام والتحجُّج بأن “البيان قد يربك مفاوضات التهدئة” محض هراء. فما أحوج الأمة اليوم وغدا إلى علماء مستقلين لا يخافون في الله لومة لائم، ثابتين على مواقفهم غير مبدِّلين ولا مغيِّرين، إلى أن يلقوا ربهم وهم على ذلك.
“وليجدوا فيكم غلظة” الوعيُ وحده غير كاف، إن القطة عندما تُرضع صغارها وترى الخطر قادما تهبُّ للدفاع عن صغارها بما لديها من أنياب ومخالب، هذا وعيٌ غريزي عند كل الكائنات. النبو في الإدارة السورية الجديدة أنها تبحث عن طعام للرعية وعرينُها مستباح من كل جهة، خاصة من الجنوب، بل إنها تسعى لإرضاء المعتدين بتقديم قرابين من لحمها الحي وتبني برجا في قلب دمشق لمن يرعى الإرهاب. فإلى أين تمضي السفينة يا حكام سورية؟
الحكم الحالي في سورية هو تتويجٌ للثورة السورية بغضِّ النظر عن قناعات بعض من هذا الشعب الأبيّ. وهو بعضٌ أصيل ولكنه يقاد بعقول انفصالية لا تقبل بمنطق التاريخ والأغلبية، وما يفعله هؤلاء عبثٌ بالوطن لا معنى له؛ فأن تتأبّى على التسليم بواقع الحال المقبول لدى غالبية الشعب السوري فأنت تفتح الباب مشرَّعا لدخول الغزاة إلى بلدك. كان على الحكماء الحقيقيين من الدروز والكرد أن يأخذوا زمام المبادرة ويعلنوها ألا خصومة إلا تحت مظلة الدولة، ولا خصومة تستدعي إزهاق الأرواح وإراقة الدماء.
إشراك أهالي المنطقة الوحدويين من الموحدين الدروز في إدارة شؤونهم الأمنية والمدنية سياسة حكيمة، ولكن أين قدرة سورية على مواجهة العدوان وقد استُهدفت في رموزها الوطنية، بل وفي قصرها الجمهوري؟ إنه لا معنى لتغليب مصلحة السوريين في بناء دولة تتقدّم الأمم، كما قال الرئيس الشرع، من دون أن تكون لهذه الدولة منعة وشوكة. وقد أبان قصف قيادة الأركان بسهولة ويسر ما ينتظر عمران
هذه الدولة من دون قوة رادعة. وليس معنى القوة أن تمتلك طيرانا ومضادات له، للشعوب فنونٌ لا تعدُّ ولا تحصى في تحقيق الردع المتكافئ والنيل من المعتدين.
تقرير رويترز عن واقع الاقتصاد السوري لا يختلف في أسلوبه عن تقارير المخابرات، التي تسعى إلى معرفة كيف تدير الدول الواقعة تحت التأثير الإسلامي أمورها، خوفا من أن تتحول إلى صداع لها في المستقبل. المصلحة السورية الوطنية تكمن في أن تدار أموال الشعب بأيد أمينة تعمل للصالح العامّ، أما معايير الإدارة الاقتصادية التي يراد لها أن تؤطر العملية الإصلاحية في الاقتصاد على الطريقة الغربية فليست أبدا معيارا شفافا للفساد أو للنزاهة. فحذار! إنها الليبيرالية تلبس لأمتها الجديدة.
سنرى أي معول سيتغلب: معول البناء أم معول الهدم؟ و”الدفع أقوى من الرفع” لمن يدّعي السياسة الشرعية.
واضحٌ بأن “المرصد السوري لحقوق الإنسان” والناطق باسمه رامي عبد الرحمن يتخذ موقفا مناهضا للحكم الجديد في سورية، كما أن رضا الدوائر والمؤسسات الغربية به لا غبار عليه. منطلقاتُ هذا الرجل منحازة ومهوِّلة ولا تنظر إلى التجاوزات التي تقع في المعارك بموضوعية. إن كل ما يقوله هذا الناطق كاف لمعرفة الجهة التي تستفيد من هذه “الخدمات” الإعلامية ومن ثم حقيقة هذا المرصد. إنني أهيب بأهلنا الدروز من بني معروف ومن القبائل والعشائر العربية الأوبة السريعة إلى مجرى النهر الذي جمعهم قرونا على المحبة وحسن الجوار، والعمل بحزم لأجل تفويت الفرصة على رؤوس الفتن من ظهر منهم ومن بطن.
لا أحد يعلم علم اليقين ما يحدث حتى يجري التحقق من الأمر، أي يمكن أن يحدث ما ينكر ويمكن ألا يحدث، أو أن يحدث ويبالغ فيه، أو أن يحدث ويطمس عليه. لكن السؤال الصعب هو: ما الذي يجعل الناطق باسم المرصد متأكدا “جدا” من المعلومات وكأنه يوحى إليه في الحين؟ في الوقت الذي تحتاج مخابراتٌ دولية طويلة اليد إلى وقت طويل لتتثبَّت من المعلومات، وقد لا تصل إلى ذلك؟ إننا ندرس الخطاب الذي يلقيه المرصد في الإعلام، وكان عليه أن يكون ذا خطاب مقوِّم لمسار السلطة لا محرِّضا عليها باسم حقوق الإنسان.
كما كان بالإمكان تسليم الأكراد سلاحهم إلى الدولة التركية لا حرقه، الأمة بحاجة إلى كل قطعة سلاح، خاصة وأنَّ على الإخوة الكرد واجبا آخر مقدسا في ذمتهم اتجاه فلسطين. ليس السلام إلا خطوة نحو قضية الأمة الكبرى. وليس على الماجدات الكرديات التشبُّه بالرجال المقاتلين، لديهن وظيفة اجتماعية لإسناد المقاومين في أولى القبلتين لا تقلُّ عما تفعله أخواتهن الغزاويات.