واشنطن وطهران بين تنازع الرغبة في الهيمنة والرغبة في التسوية
قد يبدو الحديث عن نهاية متوقعة للصراع بين طهران وواشنطن وبداية مرحلة جديدة من كسر المعادلة الأمريكية وفرض المنافسة الدولية ضربا من الخيال أو الترف الإعلامي الذي لا يستند إلى معطيات دقيقة، ولكن ما سيتضمنه هذا المقال يجعل هذه النهاية أكثر من متوقعة بل واقعية إذا اعتمدنا في ذلك على تحليل مآلات الصراع والتمعن في الرسائل المتبادلة بين طهران وواشنطن وكذا في التصريحات والتصريحات المضادة سواء من جانب دونالد ترامب أو من جانب القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية والتي زادت من حالة التشنج والتوتر بين الطرفين.
إن العقيدة الإيرانية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية على يد آية الله الخميني مبنيةٌ على الولاء لقيم هذه الجمهورية والعداء لكل من يعاديها أو يحاربها أو يحرض عليها وفي مقدمة هذا الحلف المعادي الولايات المتحدة الأمريكية التي تصنفها القيادة الإيرانية على أنها “الشيطان الأكبر” الذي يقف وراء كل التوترات والصراعات الدولية وأن كسر شوكة هذا الشيطان تقتضي تعاونا دوليا يُبطل فكرة القطب الواحد الأوحد الذي يحكم العالم ويتحكم في مقدراته ويتدخل في شؤونه ويرسم سياساته في بعض الأحيان بما يتفق مع مصالحه التي قيل عنها إنها مصالح قومية وهي في الحقيقة مصالح إمبريالية محضة.
تتهم طهران “الشيطان الأكبر” كما تصفه بأنه المتسبب في كل القلاقل والبلابل التي تحدث في العالم وتتهمه بدرجة أخص بأنه المتآمر الرئيسي والحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني، وقد تجلى ذلك في نظر إيران في العدوان العسكري عليها والذي ينتهك سيادة الدول ويخالف كل القوانين والأعراف الدولية.
ليس من السهولة تخلي إيران عن عقيدة “الموت لأمريكا” وعقيدة “الشيطان الأكبر” إلا إذا تحققت مطالبها المتكررة والمتجددة وأهمها تخلي الإدارة الأمريكية عن خطاب الإملاء والاستعلاء ومعاملة الخصوم على أنهم طرفٌ لا يملك من الأمر شيئا ليس أمامه إلا القبول بالشروط المعلنة من دون قيد أو شرط وهو ما يعني الاستسلام الذي ترفضه طهران وجزء من محور الممانعة العربية والدولية التي تضررت كثيرا ولعقود طويلة من المنطق الاستعلائي للولايات المتحدة الأمريكية.
إن مجريات الصراع بين طهران وواشنطن تحمل مؤشرا على أن إيران قد تنجح في كسر عقيدة الاستعلاء والاستحواذ لدى الولايات المتحدة الأمريكية وأنها ستفرض نفسها كمنافس شرس لها في المستقبل بما يتيح لإيران تقاسم النفوذ مع الولايات المتحدة الأمريكية. لا يعني تقاسم النفوذ هنا حدوث تغير في سياسة إيران الدولية من خلال تبني منطق الغزو والاعتداء على سيادة الدول بل يعني نجاح إيران في تغيير المعادلة غير العادلة في العلاقات الدولية التي أتاحت -في غياب القانون الدولي– للولايات المتحدة الأمريكية فرض هيمنتها على العالم بالقوة. إن نجاح إيران في ذلك قد يدفعها إلى تغيير أو تعديل عقيدتها تجاه “الشيطان الأكبر” ولكن على حذر خوفا من توبة غير نصوح من هذا الشيطان التي لا تأمن طهران نكوصه على عقبيه ونقض عهوده.
لا يزال مضيق هرمز النقطة الجوهرية والمعقدة التي تحول دون إحراز تقدُّم في المفاوضات بين طهران وواشنطن، فإيران لا تزال تمسك بزمام المبادرة وتتحكم في هذا المضيق وليس هناك ما يشير إلى أنها ستفقد ذلك في ظل إيمانها الراسخ بأن مضيق هرمز جزء لا يتجزأ من سيادتها وأن من حقها التحكم في الملاحة البحرية في هذا المضيق وفقا للوائح الدولية المنظمة للمرات والمضائق وأن هذا التحكم لا يعني أن طهران ستعيق وتمنع العبور عبر هذا المضيق كما يزعم الرئيس الأمريكي الذي تتهمه طهران باستخدام خطاب مزدوج ومتناقض فهو من جهة حول خليج المكسيك إلى خليج أمريكا في مخالفة صريحة للقانون الدولي، ومن جهة ينكر على إيران دعوتها لاحترام سيادتها على مضيق هرمز.
لا تزال الاتصالات –وليس المفاوضات- التي لم تبدأ إلى حد الآن بصورة جدية– تراوح مكانها في ظل تمسك طهران وواشنطن بشروطهما، لا يزال العالم يترقب ويأمل التوصل إلى اتفاق بين الطرفين وتحويل الهدنة ووقف إطلاق النار إلى وقف نهائي للأعمال الحربية التي خلَّفت خسائر كبيرة على كل المستويات ولكلا الجانبين وللعالم كله وخاصة الدول الأكثر استهلاكا للنفط الإيراني وفي مقدمتها الصين التي عارضت وبشدة عبر قنواتها الدبلوماسية قرار ترامب فرض حصار على الموانئ الإيرانية نكاية بطهران وردا على عدم استجابتها للطلبات الأمريكية والخليجية وغيرها بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، إذ ذكرت الصين بأن المتضرر من هذا القرار ليس إيران وحدها بل العالم كله ومن ثم فإن ترامب ملزَم بإلغاء القرار تجنبا لأي انعكاسات أو ردود أفعال دولية من الدول المتضررة من هذا القرار والتي لا يمكنها ترك الحبل على الغارب والبقاء في وضع المتفرج في إشارة إلى تدخل ولو محدود وبطريقة ما من قبل الصين دفاعا عن مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية ودعما لاستمرار شركاتها النفطية مع إيران من دون معوقات أو عقبات.
إن مما يثير الغرابة أن ترامب يرغب من جهة في المفاوضات ويصعِّد ويهدد من جهة أخرى بأنه في حالة عدم التوصل إلى الاتفاق فإن ذلك يعني هدم البنية التحتية والمواقع النفطية لإيران، وهو التهديد الذي يثير حفيظة طهران التي أكدت على لسان وزير خارجيتها عباس عراقجي رفضها للمفاوضات تحت التهديد ومنطق التصعيد وأنها لا تقبل أن تدخل في المفاوضات من موقع المهزوم والمستسلم الذي يتلقى الأوامر ولا يملك من الأمر شيئا.
رغم منطق التهديد والتصعيد الذي يتمسك به ترامب إلا أنه بتتبُّع تغريدا ته على “تروث سوشيال” أبدى وبشهادة متابعين نوعا من الليونة؛ إذ صرح بأن الشروط الإيرانية قابلة للنقاش، واعترافه بأنها قابلة للنقاش يعني أنه يمكن تذليل العقبات والخلافات بشأنها في أثناء المفاوضات المقررة في باكستان تغليبا للمصلحة العالمية وإنهاء حالة الحرب بين طهران وواشنطن التي وصفها بعض المراقبين بأنها حرب عبثية لا طائل من ورائها وأن الخيار الواحد الأوحد هو وقفها وانتهاج الطرق الدبلوماسية لحل أي خلافات عالقة بين طهران وواشنطن.
إن منطق المنافسة العادلة الذي تتبناه طهران يقوم على ثلاث دعائم رئيسة يمكن استخلاصها من الشروط الخمسة التي وضعتها إيران والتي تقول بشأنها إنه لا تنازل عنها في أي مفاوضات أو تسوية مرتقبة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأولى هذه الدعائم، وقف العدوان الصهيو أمريكي على إيران واحترام سيادة مجالها الجغرافي والبحري والتعهد بعدم تكرار هذا العدوان مستقبلا، وثاني هذه الدعائم، إلزام الكيان الصهيوني المتمرد بالانصياع للقوانين الدولية ووقف استفزازاته ضد إيران وغزة والضفة الغربية ولبنان وعدم الفصل بينها، وثالث هذه الدعائم، وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته وإشراكه في مسعى القضاء على معادلة الهيمنة الأمريكية وتكريس مبدأ المنافسة الدولية التي تعامل الدول على قدم المساواة ولا تبقيها الطرف المغيَّب والأضعف في كل القضايا الكبرى التي تهم حاضر المجتمع الدولي ومستقبله.
ليس من السهولة تخلي إيران عن عقيدة “الموت لأمريكا” وعقيدة “الشيطان الأكبر” إلا إذا تحققت مطالبها المتكررة والمتجددة وأهمها تخلي الإدارة الأمريكية عن خطاب الإملاء والاستعلاء ومعاملة الخصوم على أنهم طرفٌ لا يملك من الأمر شيئا ليس أمامه إلا القبول بالشروط المعلنة من دون قيد أو شرط وهو ما يعني الاستسلام الذي ترفضه طهران وجزء من محور الممانعة العربية والدولية التي تضررت كثيرا ولعقود طويلة من المنطق الاستعلائي للولايات المتحدة الأمريكية.